
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تمكين نفوذها في منطقة غرب آسيا، في سبيل تحصين أمنها القومي والاقتصادي، حيث تتقاطع فيها خطوط إمداد الطاقة وطرق التجارة العالمية، والممرات المائية الإستراتيجية (مضيقي هرمز وباب المندب وقناة السويس).
تجلّى هذا الاهتمام في إنشاء قواعد عسكرية ضخمة، وعقد شبكة من التحالفات مع أنظمة حاكمة في وجه «الخطر الإيراني» كما يصفونه، والتدخل في شؤون الدول، وافتعال المشاكل والاضطرابات، وكان أبرزها ما سُمِيَ بـ«الربيع العربي»، وفي الحروب المباشرة كما حدث في العراق وأفغانستان وما نشهده حاليًا في إيران.
اعتمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مبدأ «فرِّق تسُد»، من خلال إثارة النعرات الطائفية والمذهبيّة، لضمان بقاء دول المنطقة في صراعٍ دائم من جهة وتدمير كل القضايا الجامعة على رأسها قضية فلسطين.
تحوّلت القواعد الأمريكية من درع حامٍ إلى أهداف مكشوفة أمام الصواريخ الإيرانية
مع ذلك، نرى أنّ المشهد الإقليمي اليوم يشهد تحولات جذرية غير مسبوقة. ففي ظل اندلاع الحرب المباشرة والواسعة النطاق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، يجد المشروع الأمريكي نفسه في مواجهة اختبار وجودي. فإنّ صافرات الإنذار في أرجاء المنطقة، ليست فقط تحذيرًا من غارات جوية أو هجمات صاروخية، بل كل صافرة تحمل بين أصدائها خيبة أمل للمشروع الأمريكي.
القواعد العسكرية: من مصدر قوّة إلى هدف مكشوف
لعقودٍ طويلة، تغنّت واشنطن بقواعدها العسكرية الممتدة في الخليج والترسانة القوية الإسرائيلية كنقطة قوّة وأداة ردع رئيسية لحماية مصالحها وحلفائها. لكن مجريات حرب 2026 أسقطت هذه الفرضية. فمع بدء الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران، لم يتأخر الرد الإيراني المباشر عبر إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ الذكية وأسراب من الطائرات المسيّرة مستهدفةً القواعد الأمريكية المنتشرة على امتداد المنطقة دفعةً واحدة.
-
قُدِّرت الأضرار المباشرة التي لحقت بالقواعد الأميركية بأكثر من ملياري دولار (رويترز)
فجأةً، ومن اللحظات الأولى للحرب تحوّلت هذه القواعد من درع حامي إلى أهداف مكشوفة أمام الصواريخ الإيرانية، حيث قُدِّرت الأضرار المباشرة التي لحقت بها وبالمنشآت والمعدات العسكرية بأكثر من ملياري دولار، ويزيد، وذلك وفقًا لتقارير وسائل إعلام أمريكية مثل «New York Times»، «Wall Street Journal»، «CNN»، عدا عن الخسائر التي تلحق بإسرائيل.
محور المقاومة: العين بالعين والبادئ أظلم
كي نفهم الفخ الذي وقع فيه المشروع الأمريكي علينا النظر إلى التطوّر الواضح في قدرات «محور المقاومة». هذا التحالف، الذي يمتد من طهران مرورًا باليمن والعراق وصولًا إلى فلسطين ولبنان، استطاع فرض معادلات ردع على مدى السنوات الماضية تقيّد الحركة الأمريكية.
لقد شكلت عملية «طوفان الأقصى» في أواخر 2023 نقطة البداية لكسر الجمود الإقليمي ومعه مسار التطبيع الذي لطالما كان حلمًا من أحلام أمريكا، مرورًا بمعركة أُولي البأس (أيلول 2024) وحرب الـ12 يومًا على إيران (صيف 2025) وصولًا إلى المواجهة الشاملة في شباط 2026.
ورغم الضربات الموجعة التي تلقاها المحور، والتي شملت اغتيال قادة بارزين على رأسهم المرشد الأعلى السيّد علي الخامنئي، عدا الخسائر الاقتصادية، إلا أنّ المحور أثبت قدرة عالية على استيعاب الضربات بالتنسيق حينًا وبالصبر الاستراتيجي حينًا آخر. فقد أظهرت الهجمات الصاروخية الواسعة النطاق، والقدرة على تعطيل الملاحة الدولية كوضع مضيق هرمز حاليًا والتهديد اليمني المتعلّق بالبحر الأحمر، أنّ المحور يمتلك بنية تحتية عسكرية قادرة على الاستمرار في حرب استنزاف طويلة الأمد ترهق أمريكا ومعها إسرائيل.
ترامب لم يستمع لنصائح الداخل الأمريكي
في هذا السياق، واجهت سياسات واشنطن الخارجية أصواتًا ناقدة بشدّة، نذكر منها أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد «ستيفن والت» كأحد أهم الأصوات. ففي مقالٍ له في مجلة «فورين بوليسي» عام 2025، حذّر إدارة ترامب من سياساتها المتّبعة في الحكم التي تؤدي إلى إفساد السياسة الخارجية، مرتكزًا على عدد خطوات أهمها:
- افتعال معارك مجانية مع الحلفاء والخصوم.
- تجاهل قوة المشاعر القومية لدى الشعوب الأخرى.
- انتهاك الأعراف والاتفاقيات الدولية.
- الاعتماد على سياسات متقلبة لا يمكن التنبؤ بها.
ويخلص والت في تحذيره إلى نتيجة مفادها: Instead of making America great again, these errors will make America poorer, less powerful, less respected, and less influential around the world. «بدلًا من أن تعيد عظمة أمريكا، فإنّ هذه الأخطاء ستجعلها أفقر وأقل قوة وأقل تأثيرًا واحترامًا على الساحة العالمية».
هذا التحذير وغيره، الذي أُطلق قبل اندلاع هذه الحرب، يبدو اليوم وكأنه يتحقق على أرض الواقع، حيث أدى الاعتماد المفرط على سياسة الغطرسة وتجاهل الأعراف الدبلوماسية وعدم احترام الدول والقوانين الدولية، إلى تسريع وتيرة الانحدار الأمريكي وكسر هيمنته التي دامت لسنوات فائتة، والملفت ما بدأنا نشهده اليوم من مظاهرات حاشدة ضد سياسات ترامب الخارجية في عدة ولايات أمريكية.
خاتمة
إنَّ الوجود الأمريكي في منطقة غرب آسيا يقف اليوم عند حدود الهاوية، فالحرب القائمة أثبتت أن القدرات العسكرية الضخمة والقواعد المنتشرة لم تعد كافية لفرض الهيمنة أو حتى توفير أدنى حماية للحلفاء. فجهوزية محور المقاومة واستعداده لتحمل تكاليف باهظة في سبيل تغيير المعادلات الإقليمية، إلى جانب التخبّط الإستراتيجي في واشنطن بسبب خيارات ترامب-نتنياهو، قد أحدثت خللًا في مسار الهيمنة الأمريكية.
صافرات الإنذار ليست مجرد تحذير من صواريخ قادمة، بل إعلان عن انهيار منظومة الردع
إن صافرات الإنذار التي تُسمع اليوم في القواعد الأمريكية وعواصم الخليج وإسرائيل ليست مجرد تحذير من صواريخ قادمة، بل هي إعلان صريح عن انهيار منظومة الردع وبداية تشكل نظام إقليمي جديد. وإذا استمرت واشنطن في تجاهل التحذيرات وتصميم رئيسها على الاستمرار بسياساته القمعية، فإنها ستجد نفسها غير مرحّب بها في منطقة يُعاد تصميم واقعها الجيوسياسي بالدم والنار.

