ما بعد حرب إيران نحو عزلة إسرائيلية وتحالف أوروبي خليجي

تسود في الأوساط الإسرائيلية مخاوف من أن تؤدّي الحرب الإسرائيلية الأميركية المستمرة على إيران إلى تعميق العزلة الإسرائيلية الدولية عقب انتهائها، خصوصاً في حال تمكّنت الدول الأوروبية ودول الخليج من تشكيل «حلف إقليمي لا يعتمد على الولايات المتحدة»، وسط تلاشي رغبة الكتلتين في الانخراط في الحرب الحالية بشكل مباشر.
وبحسب صحيفة «هآرتس»، فإن «التصريحات والتقارير العلنية الصادرة عن البيت الأبيض في الفترة الأخيرة تشير إلى رغبة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في التخلي عن الحملة التي شنّها بمشاركة إسرائيل ضد إيران، وترك العالم يواجه تبعاتها»، وسط توقّعات بأن يكون الوقت المتبقي للعملية «أقل من أسبوعين»، بناءً على تصريحات المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت.
كذلك، كانت ليفيت قد أعلنت، في بداية الأسبوع الجاري، أن فتح مضيق هرمز «ليس من أهداف العملية»، بينما دعا ترامب نفسه، أمس، «كل الدول التي لم ترغب في المشاركة في قطع رأس إيران، والتي تواجه صعوبة في الحصول على النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، إلى شرائه من أميركا، أو ببساطة الذهاب إلى المضيق والاستيلاء عليه».
وفي هذا السياق، ترى الصحيفة أن بريطانيا كانت «أول ضحية» لحملة ترامب، غير أنه «تذكّر بعد بضع دقائق، في تغريدة أخرى، إفراغ كل غضبه على فرنسا، واعداً بأن بلاده ستتذكر أن باريس كانت "غير متعاونة على الإطلاق" في كل ما يتعلق بإيران، عندما رفضت السماح للطائرات التي تنقل وسائل قتالية بالمرور فوق أراضيها في طريقها إلى إسرائيل»، وهو ما أكدت إسرائيل حدوثه، لا سيّما خلال العدوان على قطاع غزة، بحسب «هآرتس»، إذ «قررت وزارة الدفاع الإسرائيلية وقف المشتريات الأمنية من فرنسا».
حسابات ترامب مع أوروبا والخليج العربي
وبحسب الصحيفة، لترامب «حسابات قديمة، ليس فقط مع الدول الأوروبية، بل أيضاً مع دول الخليج»، إذ يهتم ترامب، وفقاً للمتحدثة باسم البيت الأبيض، «بالتأكيد بمطالبتها بدفع ثمن الحرب التي أشعلها».
وقد جاء هذا «بعد بضعة أيام على تصريحه بأسلوبه المعروف، في قاعة مليئة بالمستثمرين السعوديين، عندما قال: “ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لم يكن يعتقد أنه سيقبّل يدي”»، وفقاً لـ«هآرتس»، التي تشير إلى أن «البعض في الدول العربية يعتقدون أن هذه هي طريقة ترامب للتعبير عن الاستياء من عدم مشاركة دول الخليج بشكل فاعل في الحرب ضد إيران حتى الآن، والاكتفاء بالتصريحات الغاضبة والدفاع عن نفسها من الصواريخ والمسيرات التي تطلقها إيران».
غير أن دبلوماسياً من الشرق الأوسط أفاد الصحيفة أن «الولايات المتحدة وإسرائيل شعرتا بخيبة الأمل عندما علمتا بانضمام وزير خارجية السعودية، فيصل بن فرحان، إلى قمة وزراء خارجية الدول التي تسعى إلى التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، التي عُقدت هذا الأسبوع في إسلام آباد».
ووفقاً للدبلوماسي الذي لم يُكشف عن هويته، فإن «مشاركة السعودية في هذه القمة قد تشير إلى اهتمامها الفعلي بالحل الدبلوماسي، خلافاً للتقارير المتكررة التي تقول إن ابن سلمان يشجع ترامب على تصعيد الهجمات وعدم إنهاء الحرب قبل تحقيق نتيجة تُحدث تغييراً تاريخياً في الشرق الأوسط».
فالمسؤولون في السعودية، بحسب الصحيفة، «امتنعوا حتى الآن عن اتخاذ موقف علني حول استمرار الحرب، وما زالت مواقفهم مفتوحة أمام التكهنات، على عكس موقف دولة الإمارات التي دعا سفيرها في واشنطن، يوسف العتيبة، ترامب في مقال دبلوماسي واضح نشر في “وول ستريت جورنال”، إلى عدم إيقاف الحرب إلى حين التوصل إلى حل نهائي».
تراجع الثقة مع الولايات المتحدة... وتعزيز التعاون مع أوروبا؟
هنا، تلفت الصحيفة إلى أنه «سواء طلب ترامب من دول الخليج دفع نفقات الولايات المتحدة في الحرب أو تركها تتحمّل تبعات أفعاله ومواجهة إيران وحدها من أجل فتح المضيق، فإن مستوى ثقة دول الخليج بالتحالف مع الولايات المتحدة يتراجع بشدة».
وتستشهد «هآرتس» بطرح الباحثة المتخصصة في شؤون دول الخليج، سينزيا بيانكو، التي أشارت في مقال نُشر في موقع «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» إلى ثلاث «خيارات ما بعد الحرب»، هي: «تعزيز التعاون الأمني بينها، الأمر الذي قد يكون إشكالياً بسبب اختلاف المواقف والتنافس؛ التوجه إلى إسرائيل – وهو الموقف الذي تتبناه الإمارات علناً، ويمكن الاستنتاج من تلميح نتنياهو بأنه يعمل على تحقيقه، لكن هذا الموقف يواجه معارضة شديدة من دول مثل قطر؛ أو تعزيز التعاون مع أوروبا، التي تؤكد بنفسها الالتزام بشركائها في الخليج».
وفي التوازي، حرصت دول أوروبا، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا، منذ بداية الحرب، على التوضيح بأنها، رغم عدم رغبتها في الانجرار إلى هذه الحرب، ستبذل قصارى جهدها لمساعدة دول الخليج، وفقاً لـ«هآرتس».
أما موقف ألمانيا من الصراع فكان أقل تساوقاً، إذ تلفت الصحيفة إلى أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس «أيّدها في البداية بحماسة كبيرة، وحتى إنه قال إن الوقت غير مناسب للوم الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن خرق القانون الدولي. ولكن بسرعة، دفعته الأسعار المرتفعة والضرر المحتمل الذي قد يلحق باقتصاد ألمانيا المتعثر، وخطر أن تفيد الحرب في الشرق الأوسط روسيا وتضرّ بأوكرانيا، إلى تغيير اللهجة بشكل حاد. وفي غضون بضعة أسابيع على بدء الحرب، ظهر أن إجماعاً غربياً تشكّل حول الاستعداد للمساعدة في تأمين مضيق هرمز، لكن بعد انتهاء الحرب فقط».
وحتى في ظل هذا الإجماع، تقول «هآرتس» إن «بعض الشروخ بدأت تظهر». وبحسب دبلوماسي غربي لم يُكشف عن هويته، فقد «تبيّن في اجتماع رؤساء أركان القوات الغربية في الأسبوع الماضي أن بريطانيا رأت أنه من المناسب تنفيذ عملية تأمين المضيق بالتعاون مع الولايات المتحدة».
من جهة أخرى، تقود فرنسا، بحسب الدبلوماسي نفسه، «موقفاً يعتبر أي تعاون مع الولايات المتحدة أمراً خطيراً، وقد يجرّ دول الغرب إلى حرب لا ترغب فيها مع إيران».
مع ذلك، تشير الصحيفة إلى أن «أوروبا تدرك جيداً خطر التصادم مع ترامب في الوقت الحالي، لا سيما أن الأوروبيين والأوكرانيين لن يتمكّنوا من تدبّر أمرهم مع روسيا من دون دعم»، مُستدركةً أن «الدبلوماسيين الأوروبيين لا يستخفّون بتهديدات ترامب المباشرة لمكانة حلف الناتو في ظل نفوذ روسيا، لكنهم في الوقت نفسه غير مستعدين لتحمّل المزيد من الإهانة والإملاء الأميركي».
اختبار التحالفات الإقليمية
وفي الختام، ترى «هآرتس» أنه في حال «نجح ترامب في طرح تحدّي فتح مضيق هرمز على أوروبا ودول الخليج، فقد يكون ذلك بمثابة امتحان حقيقي للكتلتين في محاولة لإثبات قدرتهما على تشكيل تحالف إقليمي لا يعتمد على الولايات المتحدة».
وتحذّر من أنه، إضافة إلى «تجاوز الولايات المتحدة، فإن هذا التحالف سيؤدي أيضاً إلى تهميش إسرائيل»، معتبرةً أنه «على النقيض تماماً من ادعاء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تحويل إسرائيل إلى قوة إقليمية، ووعده بالخروج من الحرب بتحالفات إقليمية، التي ظهر حتى الآن أنها وهمية، فإن إسرائيل قد تجد نفسها، ما بعد الحرب، في عزلة سياسية أعمق من تلك التي سببتها الحرب في قطاع غزة».

