
خلف الستار الدبلوماسي المسدَل، تدور رحى «مناورات» اقتصادية بأبعاد سياسية حادّة بين مصر وإسرائيل، فرضتها تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، على نحو أكبر مما حصل خلال الحرب على قطاع غزة. إذ شهدت الأيام الماضية محاولات إسرائيلية لابتزاز القاهرة عبر «شريان الغاز»، قابلها إصرار مصري على عدم الاستجابة الكاملة لتلك المحاولات، وإيصال رسائل بأن التعاون الاقتصادي «لن يكون في مأمن» في ظلّ تفاقم سياسة الضغط الإسرائيلية، حسبما تقول مصادر مصرية في حديثها إلى «الأخبار».
ومنذ بدء الحرب، سارعت إسرائيل إلى وقف إمدادات نحو 1.1 مليار قدم مكعب من الغاز من حقلَي «ليفياثان» و«تمار»، وذلك استناداً إلى بند «القوة القاهرة» المنصوص عليه في اتفاقية التصدير. غير أن القاهرة قرأت هذه الخطوة كـ«نية مسبقة للضغط»، ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات استثنائية مكلفة مالياً، شملت، إلى جانب الحدّ من استخدام الغاز في توليد الكهرباء، تسريع شحنات الغاز المسال من الخارج لامتصاص الصدمة وتأمين احتياجات محطات الكهرباء.
ومع استئناف التوريد جزئياً بداية الأسبوع الجاري، لم تنطلِ على المسؤولين المصريين المحاولات الإسرائيلية لتبرير الانقطاع بظروف الحرب، كما يخفّف من امتعاض القاهرة ضخّ 200 مليون قدم مكعّب يومياً من حقل «كاريش» - المخصّص لتلبية احتياجات السوق المحلي الإسرائيلي - إلى مصر كـ«بادرة حسن نية». إذ اعتبرت مصر أن هذه الكميات مجرّد مناورة لتجنّب «الصدام المباشر»، وهو ما دفعها إلى إبقاء التنسيق الدبلوماسي مع الجانب الإسرائيلي عند أدنى مستوياته، وفقاً للمصادر.
تواصل الحكومة المصرية العمل على «مسارات بديلة» لتأمين احتياجاتها المتصاعدة من الطاقة
كما بدأت القاهرة، رداً على السلوك الإسرائيلي، سلسلة إجراءات عقابية «ناعمة» استهدفت الوجود السياحي الإسرائيلي في جنوب سيناء. إذ رفعت رسوم عبور الأفراد من معبر طابا من 25 دولاراً للفرد إلى 120 دولاراً، مع اعتماد تسعيرة فندقية مرتفعة للسياح الإسرائيليين، وتعمّد إبطاء إجراءات دخولهم وخروجهم عبر المعبر. وتشير المصادر إلى أن هذه الزيادات طُبقت على مرحلتين، في وقت كان فيه الإسرائيليون يتهافتون إلى الأراضي المصرية في خضمّ الحرب مع إيران. وتضيف أن هذا المناخ أحبط سلفاً مقترحات كانت تعدّها شركة «العال» الإسرائيلية لتسيير رحلات إلى مطار شرم الشيخ هرباً من تداعيات الحرب، مبيّنةً أن تلك الإجراءات، إلى جانب رفع الرسوم على السيارات الإسرائيلية التي تدخل سيناء بلا تأشيرة، أدّت إلى وأد الفكرة سياسياً قبل أن تتحوّل إلى طلب رسمي.
وتضيف المصادر أن الرسالة المصرية تؤكد إنهاء حقبة «الاستثناءات» التي كانت تتمتع بها إسرائيل، وتؤكد ارتباط الملف الاقتصادي بذاك السياسي حتى على مستوى الشراكات الخاصة، خصوصاً بعدما تعمدت تل أبيب الضغط على القاهرة في بداية الحرب. وإلى جانب ذلك، تكشف المصادر أن ثمة مراجعة شاملة، وإن كانت غير معلنة، للعديد من الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية، تستهدف تعظيم الاستفادة المصرية وتقليص الارتهان للقرار الإسرائيلي، مضيفة أن القاهرة تتحرك في هذا الملف بحذر «تكتيكي». وتوضح أن التغيير يجري «تدريجياً» لتفادي الوقوع في فخّ الشروط الجزائية أو استدعاء تل أبيب لوساطة أميركية ضاغطة.
ورغم الوعود الإسرائيلية باستئناف ضخّ الغاز في أقرب وقت ممكن وفقاً لمعدلات ما قبل الحرب، تقول المصادر إن الحكومة المصرية تواصل العمل على «مسارات بديلة» لتأمين احتياجاتها المتصاعدة من الطاقة - ولا سيما في المصانع الكبرى التي لم تطبَّق فيها إجراءات الترشيد -، وذلك بعيداً من تقلبات «المزاج السياسي» في تل أبيب، متابعةً أنه يتمّ التركيز على زيادة القدرات التخزينية، تحسّباً لجولة ضغوط جديدة قد تلجأ إليها إسرائيل في أي لحظة.

