ترامب ينتظر «خدمة» من شركات النفط الأميركية
في ظل حملة عسكرية متعثرة تخاض ضد إيران منذ عدة أشهر وإغلاق مضيق هرمز الحيوي لقطاع الطاقة العالمي، قرر ترامب توجيه سهامه نحو الداخل، وبالتحديد صوب شركات الطاقة، مطالباً إياها بخفض أسعار الوقود، و«إعادة جزء من الأرباح إلى عامة الناس».


منذ وصوله إلى سدة الرئاسة للمرة الثانية مطلع العام الفائت، عمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل وثيق مع شركات الطاقة الأميركية، داعياً إياها إلى رفع إنتاجها وزيادة التنقيب، وإلى دخول السوق الفنزويلية على إثر اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني الماضي.
على الرغم من محاباة ترامب لهذه الشركات، إلا أن العلاقة بين الطرفين ليست دائماً سلسلة، فيشوبها التوتر من حين إلى آخر عندما تختلف التوجهات والمصالح، وأحدث هذه الاختلافات تمحور حول أسعار المحروقات في الولايات المتحدة.
أسعار المحروقات التي كانت دائماً إحدى أهم العوامل في تحديد نجاح أو فشل الحملات الانتخابية في واشنطن، شهدت خلال الأشهر الماضية ارتفاعاً كبيراً، إذ بلغ معدل سعر الغالون في البلاد 4.1 دولار، (يساوي حجم الغالون الواحد 3.48 ليتراً)، مرتفعاً بأكثر من 30% فوق سعره عند بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وارتفاع أسعار الوقود إلى ما فوق 4 دولارات للغالون عادةً ما يُنظر إليه على أنه مؤشر سلبي للإدارة الحاكمة في واشنطن، قد يدفع الناخبين إلى التصويت لمرشحين منافسين. ومع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني، يكافح ترامب من أجل تخفيض أسعار الوقود.
لكن وفي ظل حملة عسكرية متعثرة تخاض ضد إيران منذ عدة أشهر وإغلاق مضيق هرمز الحيوي لقطاع الطاقة العالمي، قرر ترامب توجيه سهامه نحو الداخل، وبالتحديد صوب شركات الطاقة، مطالباً إياها بخفض أسعار الوقود، و«إعادة جزء من الأرباح إلى عامة الناس».
ولترامب باع طويل في الضغط على شركات القطاع الخاص من أجل تنفيذ أجنداته، فهو ضغط بالسابق على شركات السيارات من أجل إبقاء خطوط التصنيع داخل الولايات المتحدة، كما ضغط أيضاً على شركات الأدوية لتخفيض أسعار العقاقير.
في هذا الإطار، انتقد الرئيس الأميركي، يوم الإثنين، الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون»، مايك ويرث، بعد مقابلة تلفزيونية للأخير، معتبراً أن ويرث لم ينسب خلال مقابلته الفضل لإدارته في دعم قطاع النفط.
وكتب ترامب على منصة «تروث سوشال»: «الشيء الوحيد الذي نسي مايك ذكره، بشكل مريح، هو أنه لولا عبقرية إدارة ترامب وبُعد نظرها وقوتها واستقرارها، لكان قطاع النفط، بل وحتى بلدنا نفسه، قد مات». وأضاف: «على سبيل المثال، لقد طردوا مايك و"شيفرون" من فنزويلا، لكنهما عادا الآن، أكبر وأقوى من أي وقت مضى، ويتوقعان تحقيق ثروة».
الجدير بالذكر أن «شيفرون» هي شركة النفط الأميركية الوحيدة التي بقيت تعمل في فنزويلا إثر تأميم قطاع النفط فيها على يد الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز العام 2007.
-
سجلت «إكسون موبيل» أرباحاً قدرها 14.7 مليار دولار في الربع الثاني. (من الويب)
فرصة ذهبية
في المقابل، ليس واضحاً بعد ما إذا كانت شركات النفط الأميركية ستستجيب لمطالبات ترامب، خصوصاً بعد صدور بياناتها المالية للربع الثاني، التي أظهرت تحقيقها أرباحاً قياسية.
في هذا السياق، ووفقاً لصحيفة «غارديان» البريطانية، سجلت شركات النفط الـ8 الكبرى في العالم أرباحاً تجاوزت 90 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام الجاري، مستفيدةً من تعرقل سلاسل إمداد الطاقة في منطقة الشرق الأوسط.
وذكرت الصحيفة البريطانية أن أرباح الشركات النفطية تضاعفت تقريباً، بعد أن كانت قد سجلت خلال الفترة نفسها من العام الماضي أرباحاً بلغت 50 مليار دولار، بالمقارنة مع 93 ملياراً في العام الحالي.
وسجلت «إكسون موبيل»، أكبر شركة نفطية أميركية، أرباحاً قدرها 14.7 مليار دولار في الربع الثاني، وهي أفضل نتيجة ربعية لها خلال السنوات الأربع الأخيرة. فيما سجلت «شيفرون»، ثاني أكبر شركة نفطية أميركية، أرباحاً بلغت 12 ملياراً للفترة نفسها، وهي أفضل نتيجة ربعية لها في ست سنوات، متجاوزةً توقعات المحللين.
أمام هكذا أرقام، من المستبعد أن تأخذ الشركات النفطية خطوة باتجاه تخفيض الأسعار والتفريط بهذه الفرصة التاريخية لتحقيق المزيد من الأرباح الطائلة. وفي حال رفضت التجاوب مع ترامب، فإنها لن تكون المرة الأولى التي تجد نفسها في هذا الموقف، إذ أنها سبق أن رفضت في كانون الثاني الماضي، عقب اختطاف مادورو، طلباً رئاسياً للانخراط في عملية تأهيل قطاع النفط الفنزويلي من خلال استثمار عشرات المليارات. وعلى الرغم من إصرار ترامب على ضرورة دخول الشركات الأميركية للاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي، إلا أن «إكسون موبيل» و«شيفرون» تمسكتا برفضهما لأسباب عدة. وبالنتيجة فإن إنتاج فنزويلا من النفط اليوم يبلغ 1.07 مليون برميل يومياً، بالمقارنة مع 937 ألف برميل يومياً كمعدل عام خلال العام الماضي ــ وفقاً لموقع «أويل برايس» ــ وهي زيادة تكاد لا تذكر.
بالمحصلة، لا يبدو أن هناك انفراجة قريبة في أسعار الطاقة، فالأضرار بالمنشآت النفطية التي خلفّتها الجولة الأخيرة من الاشتباكات بين إيران والولايات المتحدة والقصف اليمني على السعودية، بالإضافة إلى الاستهداف المتكرر من قبل حركة «أنصار الله» لناقلات النفط في البحر الأحمر، يعني أن الأسعار لن تستقر قريباً. ومع اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، يبدو ترامب كمن يحتاج «خدمة» من شركات النفط من أجل تخفيف الضغط عن الجمهوريين والحفاظ على غالبية حزبه في الكونغرس.
