ألمانيا تصعّب انتقالها إلى الطاقة المتجددة: خطة «غير واقعية» و«مثالية» مبالغ بها

تطبق ألمانيا منذ سنوات، سياسة غير اعتيادية في قطاع الكهرباء عنوانها الانتقال إلى الطاقة النظيفة بأسرع وقت ممكن والاستثمار المكثف في مجال الطاقة المتجددة. تعرّضت هذه السياسة في السابق والحاضر إلى انتقادات من صناعيين وبيئيين على حد سواء، لتسببها بشكل مباشر أو غير مباشر في إضعاف تنافسية السلع الألمانية في الأسواق العالمية، ولأنها تُناقض في بعض الأحيان هدفها المعلن في الحفاظ على البيئة ومحاربة التغير المناخي.
تنتج ألمانيا الكهرباء اليوم من عدة مصادر، مثل الطاقة المتجددة والغاز والفحم الحجري، كما أنها كانت تشغّل محطات نووية قبل بضعة أعوام قبل أن توقف العمل بها. وضمن خططها للانتقال إلى الطاقة النظيفة، قررت الحكومة عام 2020 التخلي عن الفحم الحجري بشكل تام بحلول العام 2038، وعن الفحم البني المعروف باسم «ليغنايت» -وهو نوع من الفحم الملوّث بشدة للبيئة- في العام 2030.
خطط «غير واقعية»
أجّلت الحكومة الألمانية، الأسبوع الفائت، نشر تقريرِ يتناول تبعات وقف استخدام الفحم البني، وهو ما عزّز التوقعات بأن الحكومة قد تختار إبقاء بعض محطات الطاقة العاملة بالفحم البني قيد التشغيل لفترة أطول مما كان مخططاً له في البداية.
لم يكن قرار الحكومة تأجيل نشر التقرير مفاجئاً، إذ إن خطة التوقف عن استخدام الفحم البني لم تحظى بدعم كبير من المصنّعين الألمان، لكون هؤلاء يبحثون عن مصدر موثوق للطاقة بعيداً عن الطاقة المتجددة التي يتأثر إنتاجها بعوامل عدة.
المستشار الألماني فريدريتش ميرتس مهّد الطريق، أواخر آذار الماضي، لتأجيل التقرير عندما اعتبر أن على بلاده أن تضمن قدرتها على تأمين إنتاج أساسي من الكهرباء على المدى القصير. كما أكد توجه الدولة لبناء معامل إنتاج الكهرباء بالغاز الطبيعي، مضيفاً: «قد نضطر حتى إلى إبقاء محطات الكهرباء العاملة بالفحم الموجودة حالياً متصلة بالشبكة لفترة أطول، في حال استمرت أزمة الطاقة وحدث نقص فعلي في الإمدادات».
-
أكد ميرتس أن أولوية الحكومة تبقى تأمين تغذية ثابتة بالكهرباء لقطاع الصناعة الحيوي.(من الويب)
وأكد أن بلاده ستواصل توسيع الاعتماد على طاقة الرياح والطاقة الشمسية «في المواقع التي يكون فيها ذلك مجدياً»، لكنه شدد على أن ضمان أمن الإمدادات يأتي في المقام الأول.
وقال: «علينا تأمين إمدادات الكهرباء لهذا البلد. ولن أكون مستعداً لتعريض جوهر صناعتنا للخطر لمجرد أننا اعتمدنا خططاً باتت غير واقعية للتخلي عن بعض مصادر الطاقة».
أعاد ميرتس في كلمته ترتيب الأولويات أمام الرأي العام المحلي، فهو وإن أكد التزامه بخطة الانتقال إلى الطاقة النظيفة، شدد في الوقت نفسه على أنه ليس مستعداً للمخاطرة، معلناً بوضوح أن أولوية الحكومة تبقى تأمين تغذية ثابتة بالكهرباء لقطاع الصناعة الحيوي.
في السياق نفسه، يقول فولفغانغ غروسه إنتروب، المدير العام لاتحاد الصناعات الكيميائية الألمانية (VCI): «صناعتنا تحتاج إلى طاقة موثوقة».
ويضيف: «لا تستطيع الطاقة المتجددة وحدها حتى الآن ضمان ذلك... ولن تستثمر الشركات مليارات الدولارات إلا إذا تمكنت من الوثوق بأن الطاقة ستظل متاحة بشكل موثوق وبأسعار تنافسية في المستقبل».
النووي والغاز الروسي
مع ترجيح كفة تأجيل وقف استعمال الفحم البني في العام 2030، تعطي ألمانيا نفسها خيارات هي بأمسّ الحاجة إليها لإنتاج الطاقة، خاصةُ بعد أن أدت سلسلة من القرارات المحلية في السنوات الماضية إلى حرمانها من مصادر أخرى أقل تلويثاً. فعلى سبيل المثال، كانت البلاد تشغّل عدداً من المحطات النووية لتوليد الطاقة قبل أن تطفئها في العام 2023 ـ في قرار اتُخذ بعد كارثة فوكوشيما في اليابان العام 2011 ـ رغم أنها تعدّ مصدراً نظيفاً وموثوقاً للطاقة. القيادة الألمانية بحثت بالفعل إعادة تشغيل عدد منها، لكن ميرتس أوضح في تصريح يعود لشهر آذار أن إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية الثلاث التي أُغلقت عام 2023 لم تعد ممكنة من الناحية التقنية.
من جهة أخرى، وقبل إطفاء هذه المحطات بسنة تقريباً، اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، وعلى إثرها قررت ألمانيا والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على روسيا ووقف استيراد الغاز منها. ولسنوات شكل الغاز الروسي المنقول بالأنابيب مصدراً رخيصاً للطاقة في أوروبا، ومثّل حوالي 55% من مجمل الغاز المستهلك في ألمانيا في العام 2022. لاحقاً استبدلت ألمانيا الغاز الروسي بغاز من مصادر أخرى مثل النروج وهولندا، كما أصبحت أكثر اعتماداً على الغاز المسال المستورد من قطر والولايات المتحدة، وكل المصادر المذكورة تبيع الغاز لدول أوروبا بسعر أعلى من روسيا، ما أدى إلى ارتفاع فاتورة الكهرباء.
وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة «برلينر تسايتونغ» الألمانية، الشهر الماضي، أن ألمانيا تدفع حالياً مقابل الغاز الطبيعي خمسة أضعاف ما كانت تدفعه عام 2020، وسط فقدان إمدادات الطاقة الروسية وتصاعد التوترات في مضيق هرمز.
خسرت ألمانيا عدداً من مصادر الطاقة التي كان من المفترض أن تسهّل عليها االمرحلة الانتقالية
وأشار التقرير، استناداً إلى بيانات، إلى أن تكلفة الغاز المستورد كانت تبلغ 12 يورو لكل ميغاواط/ساعة عام 2020، فيما بلغت أسعار الغاز في أوروبا أكثر بقليل من 60 يورو لكل ميغاواط/ساعة في شهر تموز الماضي، مقارنةً بنحو 31 يورو قبل التصعيد الأخير في مضيق هرمز.
وكأن هذه المتاعب لا تكفي أوروبا وألمانيا، أقر الاتحاد الأوروبي حزمة عقوبات جديدة ضد روسيا من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في شهر كانون الثاني المقبل، ومن شأنها أن تمنع استيراد الغاز المسال الروسي بعد أن زادت الدول الأوروبية وارداتها منه العام الماضي.
هكذا، تكون ألمانيا في سعيها نحو الانتقال إلى الطاقة المتجددة بشكل كامل، قد خسرت عدداً من مصادر الطاقة التي كان من المفترض أن تسهّل عليها االمرحلة الانتقالية بانتظار نضوج تكنولوجيا الطاقة الخضراء أكثر.
في ظل ما تقدم، يمكن الاستنتاج بأن التحول في مجال الطاقة في ألمانيا يواجه معادلة صعبة، تتمثل في الموازنة بين الأهداف المناخية وموثوقية إمدادات الكهرباء وإبقاء فاتورة الكهرباء عند مستوى معقول. وما يزيد من تعقيد هذه المعادلة هو «مثالية» ألمانية مبالغ فيها تضع العصي في الدواليب وتخلق مشاكل هم بغنى عنها. فخطوات مثل وقف محطات الطاقة النووية، والإفراط في وضع العقبات أمام استيراد الغاز الروسي، وقريباً منع توليد الطاقة من الفحم الحجري، عدا عن كونها «غير واقعية» كما وصفها المستشار الألماني، هي تهدد الاقتصاد الألماني العالق في أزمة ركود منذ عدة أعوام الآن.

