السعودية تستضيف كأس العالم: الغسيل الرياضي مستمر


أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، أمس الأربعاء، عن الدول المضيفة لبطولتي كأس العالم للرجال المقبلتين، حيث ستستضيف إسبانيا والبرتغال والمغرب معاً مونديال 2030، في حين سوف تقام بطولة كأس العالم 2034 في المملكة العربية السعودية.
وفي حين خضع العرضان للتدقيق، فإن العرض الأخير هو الذي تسبب بأكبر قدر من الجدل نظراً لانتهاكات السعودية الحقوقية الموثقة في سجلات منظمات عديدة، منها "هيومن رايتس ووتش"، والتي تطاول إساءة معاملة العمال المهاجرين وحرية التعبير وحقوق الأقليات…
الطريق لم تكن معبدة أمام المملكة لكي تصبح ثاني دولة عربية تستضيف المونديال بعد قطر 2022. وسط التهم الحقوقية التي أمطرت السعودية على مدار سنوات، عمل ولي العهد محمد بن سلمان جاهداً لتهيئة الأرضية "المثالية" لاستضافة كأس العالم، وذلك من خلال استثمار ضخم في القطاع الرياضي.
مليارات الدولارات بذخها صندوق الاستثمار العام السعودي لتغيير مشهد الرياضة، تحولت بها المملكة إلى رائدة في رياضات الغولف والملاكمة والرياضات الإلكترونية وسباقات الفورمولا 1 في السنوات الأخيرة… وكان تركيزها على كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم، ملحوظاً بشكل خاص.
اشترت المملكة نادي نيوكاسل يونايتد الإنكليزي، وعملت بعدها على تطوير وتنمية الدوري السعودي من خلال إقناع مجموعة من الأساطير واللاعبين المميزين بالانضمام، أبرزهم كريستيانو رونالدو وكريم بنزيما ونيمار جونيور. ترافقَ الأمر مع كثرة التقارير التي أشارت إلى تقاضي رونالدو ونيمار تحديداً عشرات ألاف الدولارات مقابل أي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يبيّض صورة السعودية، وهو ما تؤكده ربما كثرة منشورات رونالدو المسوّقة لكرة القدم السعودية في حسابه على "إنستغرام".
تقوم العديد من الدول المتهمة بانتهاكات حقوق الإنسان باستخدام الأحداث الرياضية الكبرى لصرف الانتباه عن الانتقادات وتجميل سمعتها
لم يخلو الأمر من حفلة علاقات عامة أقامتها المملكة مع بعض الفاعلين الكرويين، منهم رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، الذي واصل الترحيب بالاستثمار الرياضي من الدولة الخليجية.
هكذا، توّجت السعودية استثماراتها الضخمة في مختلف الرياضات باستضافتها المرتقبة لكأس العالم، ويبقى السؤال، لماذا كل هذا البذخ؟
الإجابة على هذا السؤال تعيدنا إلى المشكلة الأولى التي واجهتها المملكة في إطار سعيها لاستضافة المونديال: الانتهاكات الحقوقية.
تقوم العديد من الدول المتهمة بانتهاكات حقوق الإنسان باستخدام الأحداث الرياضية الكبرى لصرف الانتباه عن الانتقادات وتجميل سمعتها.
الأحداث الرياضية الكبرى مثل الألعاب الأولمبية أو المونديال تجذب انتباه العالم، حيث يتابع المليارات من الناس هذه الفعاليات عبر مختلف وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. من هنا، تتجلى إمكانية وصول الدولة المستضيفة إلى جمهور عالمي بمختلف الرسائل، ويمكنها تباعاً "غسل" سمعتها من بوابة الرياضة.
ومن خلال الاحتفالات الفخمة والمرافق عالية التقنية، وحتى النجاح الرياضي للمنتخب الوطني إذا أمكن أو الإضاءة على الدوري المحلي (كما تفعل المملكة أخيراً)، يمكن للبلد المستضيف إظهار التقدم والازدهار الاجتماعي والثقافي دون أي مطالبات جوهرية بالتفوق أو الهيمنة.
هكذا، يساهم الغسيل الرياضي في تصوير "كاذب" إلى حد ما من قبل الدولة المستضيفة لتغطية السياسات والممارسات المثيرة للجدل، وخاصة انتهاكات حقوق الإنسان. وبمعنى آخر، يتم استخدام الأحداث الرياضية الضخمة لتنظيف السمعة القذرة.
وما يشجع الدول المنتهِكة على استخدام الرياضة كقوة ناعمة، هو أنه، على النقيض من الأساليب الدبلوماسية الأكثر رسمية ورسوخاً، فإن الدبلوماسية الرياضية مرنة وسلسة، ويبدو أنها تمتلك إمكانات فعّالة للتأثير والتغيير. فهل تنجح السعودية في تلميع صورتها من خلال الرياضة، وبشكل خاص من خلال كأس العالم 2034؟ أم تذهب المليارات المدفوعة مع الريح؟
