المصارعة الحرّة... بوابة نحو السياسة والاقتصاد وأخيراً الترفيه!
انتقل عدد كبير من المصارعين المشهورين إلى عالم السينما والتلفزيون خلال السنوات الماضية بعد أن صنعوا مجداً على الحلبة


يتواجد داخل كل شخص مصارعان: أحدهما يقاوم عبثية الحياة وآخر يكتسب كل شيء عبر نشأته. في صندوق الذكريات، والسلوك ربما، يقبع «غولدبيرغ» صغير، و«بيغ شو»، وباتيستا، وجون سينا، واندرتايكر، وهولك هوغين، و«دي اكس»... وعند الشدائد، تُبلسِمُ سمات بعض هؤلاء «الأبطال» عزيمة هذا الإنسان، وتتضافر جميعها أحياناً لتصيبه بـ«شيزوفرينيا قتالية» تقاوم الهلاك، قبل أن تبلغ المصائب الحيوية بعدّها الرقم ثلاثة.
تجوز الإسقاطات في عالم المصارعة العالمية الترفيهية (WWE)، تماماً كما يجوز اعتماد أي وسيلة لفوز البطل. في بداية الألفية، كانت «دبليو دبليو إي» جزءاً لا يتجزأ من حياة مختلف المشاهدين. النزالات القتالية، بجوانبها الوحشية أحياناً، ومتعتها الاستعراضية الدائمة، بَنَت على مدار عقود، بطريقة أو بأخرى، أواصر أسرية واجتماعية متينة. وما فشلت به المدرسة وأساتذة الرياضيات، نجحت به المصارعة عندما أيقظت الأطفال فجراً متلهّفين لمشاهدة النزال النهائي الكبير «WrestleMania»، بعد قيامهم بجهود جبارة لاحتساب موعد الحدث بالتوقيت المحلي.
وبعد تلقّي جرعة عالية من الإثارة، كان العرض المدجج بالمشاعر المتضاربة يشكّل غالباً مادة دسمة في استراحات الحصص المدرسية، ضمن «استوديو تحليلي» خلف الباصات يضاهي بمتعته تحليلات الكابتن «ممدوح فرج». وتمهّد كل هذه التحضيرات البصرية والنفسية تباعاً إلى النزال «الحقيقي» الكبير المُنتَظر في المنزل، على «السجادة» الراكنة تحت الكنبات، بين أخوين وضعا صلات الدماء جانباً في سبيل رفع الحزام.
أبرمت منصة «نتفليكس» صفقة بث حصرية مع RAW وWWE في العام الماضي مقابل 5 مليارات دولار
تجدر الإشارة إلى أن هذا الهوس «اللطيف» اختلفَ من شخصٍ إلى آخر، كما تحطّمَ غالباً على عتبة النضوج بالنسبة إلى البعض، في حين رافقَ آخرين إلى الجامعة والمهن ثم إلى «دي إن إي» أطفالهم. يكمن الفارق بأن المشاهدين الحاليين يتابعون العروض وهم يعلمون أنها تمثيل، خاصةً بعد حركة النزوح الكبيرة التي عرفها المصارعون إلى عالم السينما والشاشات، حيث تركوا معارك سحق العظام خلفهم لمتابعة أسلوب حياة هوليوود.
صراع «ناعم»
باستثناء بعض «النجوم» الذين لمعوا في العالمَين، لم تتكمن غالبية المصارعين من ترك بصمة جيدة كممثلين، من منطلق أن القدرة على تزييف الإصابات والضربات الجسدية لا تترجم بالضرورة إلى تمثيل، مقارنةً بالقدرة على البكاء مثلاً. لكن، وبغض النظر عن مدى إتقان «الحرفتَين»، تبقى الشهرة الجارفة للممثلين ـ المصارعين رأسمالهم الأساسي، ما يفتح أمامهم أفقاً في شتى المجالات.
ظهر ذلك عبر تركيز بعض الجهات على إبرام صفقات مع مصارعين مشاهير، أو استضافة عروض كاملة لتسليط الضوء على الجهة المستضيفة سعياً إلى تلميع الصورة، أو حتى طمعاً بأصوات «مجانين» المصارعة على المدرجات ضمن حملة انتخابية ممنهجة. ولعلَّ المثال الأوضح هو رئيس الولايات المتحدة الأميركية الحالي، دونالد ترامب، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصارعة، لدرجة اعتقاد عدد من الأميركيين أن ترامب كان مدرباً على السياسة في WWE، عبر تشابه تجمعاته بعناصر إنتاج مباريات المصارعة، مثل التركيز على تأثير الموسيقى والألعاب النارية ولافتات الحشد، وقوة استجابة المشجعين العاطفية، دون إغفال إطلالاته الكثيفة في العروض، أبرزها عام 2007 عندما «حلقَ» رأس مدير المصارعة التنفيذي السابق، فينس مكمان، ضمن ما عُرف حينها بـ«معركة أصحاب المليارات» (battle of billionaires). واستفاد ترامب قبل مدّة خلال حملته الانتخابية من هولك هوغين الذي لمّع له صورته.
وعلى نسقٍ موازٍ، يستخدم البعض «نجوم» المصارعة لحصد أرباح طائلة، مع زرع أفكار وقيَم أو حتى اقتلاع أخرى، إن كان على الحلبة أو خلف الشاشات. تكفي الإشارة إلى أن قوة التأثير الكبيرة لدى المصارعين جعلَت منصة «نتفليكس» تُبرم صفقة بث حصرية مع RAW وWWE في العام الماضي مقابل 5 مليارات دولار.
في المحصّلة، تجمع المصارعة كل شيء. هي أشبه بعالمٍ صغير يحاكي العالم الهائل. تضم في عروضها الرياضة والترفيه والسياسة والاقتصاد والاجتماع. هي ليست رياضة، بل «فيلم عن رياضة أو برنامج تلفزيوني عن رياضة» كما وصفها أخيراً «تريبل اتش». وبعيداً من التصنيفات والأيادي الخفية وراء الأكمة، تبقى المصارعة منفردة بتقديم سيناريو سرد قصصي ومشاعر لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر.


