توقيف الطيران الشراعي: معالجة الحوادث أم تأجيجها؟
مع كلّ حادثة سقوط طائرة شراعية يُفاجأ الرأي العام والجهات الرسميّة كيف تقع الحوادث في قطاع هو في الأصل غير منظّم ولا يخضع لأي رقابة رسميّة، و«فرّخ» أخيراً مكاتب تسيير رحلات جويّة تفتقر إلى أدنى معايير السلامة العامة.


مع كلّ حادثة سقوط طائرة شراعية يُفاجأ الرأي العام والجهات الرسميّة كيف تقع الحوادث في قطاع هو في الأصل غير منظّم ولا يخضع لأي رقابة رسميّة، و«فرّخ» أخيراً مكاتب تسيير رحلات جويّة تفتقر إلى أدنى معايير السلامة العامة. بعدها، «يحلف» الجمهور على هذه الرياضة، وتختم السلطات الرسمية مدرّجاً للطيران الشراعي بالشمع الأحمر، وتُوقف هذه النشاطات الجوية بانتظار صدور قرار قضائي يحدّد مصيرها.
وما هي إلا أيّام، أو أسابيع قليلة على أبعد تقدير، حتى يعود الطيران الشراعي من دون أي خطوة تصحيحيّة، وينسى الجميع ما حدث وتتوالى الحوادث، أو إذا صحّ التعبير «الكوارث».
فوفاة الشاب حسين المعرباني من بلدة يوشع - المنيه شمال لبنان يوم السبت في 10 أيار بعد سقوطه من طائرة شراعية في مدينة جونيه وهروب الطيار، ثم تسليم نفسه للقضاء بعد ثلاثة أيام، سبقهما سقوط شابين من طائرة شراعية في مياه جونيه تمكّنا من النجاة الشهر الماضي، توقّفت على إثرها الرياضة أيضاً وعادت بعد أيام في أواخر نيسان الماضي.
حادثان هزّا الرأي العام في لبنان، وكان من المُفترض أن يؤدّيا في أي بلد «طبيعي» إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، بهدف حماية ممارسي هذه الرياضة والتوجّه سريعاً نحو تنظيمها. ولكنّ معالجة الفوضى في قطاع الطيران الشراعي بسطحية وعشوائيّة، وسياسة العقاب الجماعي بدلاً من وضع قواعد وقوانين لهذه الرياضة وإبعادها عن صفة الهواية، تشكلان خطراً مباشراً على سلامة الركاب.
كيف يحصل ذلك؟ يشرح رجا سعادة، الطيار المُجاز في «النادي الحراري» للطيران الشراعي، وهو أول نادٍ للطيران الشراعي في الشرق الأوسط، أنّه «بعد كل مدة انقطاع عن مزاولة الطيران يحتاج الطيار إلى إعادة تدريب وتمرين لياقته البدنية من جديد»، من هنا تعزو بعض الأندية وقوع الحوادث إلى التوقيف المتكرّر للطيران ثم عودته قبل استعداد الطيار بالشكل المطلوب.
والمعايير التي يجب أن تعتمدها الأندية لدى ممارسة الطيران الشراعي لضمان سلامة الركاب، بحسب سعادة، هي أولاً: «الطقس. وهو أهم معيار للسلامة، فإذا كان الجو غير ملائم فإننا نلغي الرحلة فوراً».
20 نادياً للطيران الشراعي تطالب باتحاد ينظّم عملها ويحميها من العقاب الجماعي
ولجهة الطيار، «يُمنع عليه شرب الكحول أو السهر، ويُسمح له بتسيير خمس رحلات كحدّ أقصى يومياً، كما نأخذ في الحسبان وزن الراكب مع الطيار، مع تأكيد ضرورة حيازته شهادة تخوّله الطيران، يحصل عليها من لجنة فرنسية أو ألمانية بعد مدة من التدريب».
هذه المعايير أو القواعد هي الأساس لهذه الرياضة، ويجب أن يكون لها إطار ينظّمها وقوانين إضافية كثيرة أخرى، ولكن في وقت لا يوجد في لبنان اتحاد لهذه الأندية يسمح لها بإعطاء شهادات للطيارين، فإن الكوارث والحوادث مرشّحة للارتفاع.
وبعد الحادثة الأخيرة في جونيه، التقى عدد من ممثّلي أندية الطيران الشراعي وأكّدوا ضرورة الإسراع في إنشاء اتحاد يضم جميع أندية الطيران الشراعي والتي «يبلغ عددها 20 نادياً»، بحسب سعادة، وذلك في سبيل تنظيم عملها، وحمايتها من العقاب الجماعي عند كل حادثة فردية، ولكن، هذا يحتاج إلى قرار من وزارة الشباب والرياضة.
ويقول سعادة إنه «على مدار ثلاث سنوات نلتقي بفريق الوزارة، ونحصل على وعود بإنشاء الاتحاد، من دون أن يُنفّذ شيء من ذلك».
أين وزارة السياحة؟
المسؤولية عن تنظيم هذا القطاع لا تقع على وزارة الشباب والرياضة وحدها، إذ يرى بعض أهل اللعبة ـ التي لا تزال هواية حتى اليوم ـ أن وزارة السياحة مسؤولة أيضاً. ويحمّل الأمين العام للمؤسسات السياحية جان بيروتي وزارة السياحة مسؤولية حماية الطيران الشراعي، كجزء من النشاط السياحي، مطالباً «بمحاسبة المسؤول عن الحوادث التي تقع بشكل فردي، بدلاً من إغلاق كل نوادي الطيران الشراعي، لأن الحوادث تحصل في كل قطاع وليست حكراً على الطيران الشراعي، ولكنّ المشكلة تبقى في غياب قانون واضح للمحاسبة يضع أسساً لتنظيم القطاع».
من جهتها، تحيل وزيرة السياحة لورا لحود مسؤولية وقوع الحوادث في هذا القطاع إلى «الداخلية» كونها «المسؤولة عن منح التراخيص لمكاتب الطيران الشراعي»، لذلك أصدرت بعد الحادثة تعميماً «طلبت إلى كل المؤسسات السياحية والتي تعمل من دون ترخيص قانوني، التقدّم بالمستندات المطلوبة أو المستندات الناقصة من أجل الحصول على التراخيص المحدّدة قانوناً، تحت طائلة الملاحقة القانونية واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق المؤسسات المخالفة وذلك خلال مهلة سنة من تاريخه».
لكنّ لحود لا تعفي «السياحة» من المسؤولية، باعتبار أنّ «الطيران الشراعي هو في الدرجة الأولى نشاط سياحي مهمّ ومميز يطلبه السياح»، مُتأسفة من آلية الاستجابة للحوادث بإقفال جميع المكاتب ووقف النشاط، لكنها تجد لها تبريراً وهو «الوقت الذي يستغرقه تنظيم القطاع في حين تتطلّب الحوادث تدخلاً عاجلاً، غير أنه ينقصنا العدد الكافي من الخبراء والمتخصّصين في تقييم الواقع الحالي للقطاع، ووضع أسس تنظيمية قابلة للتطبيق».
هكذا يصبح تنظيم الطيران الشراعي ضرورة لمساهمته في الحياة الاقتصاديّة، إذ لم يعد هذا النشاط هواية بل مهنة تعيش منها عشرات العائلات. وعليه، تستمرّ الفوضى في القطاع وتهدّد حياة الركاب الذين يمارسون رياضة تخلو من معايير السلامة العامة. كما تضع على المحكّ استمرارية القطاع، خاصة على أعتاب موسم سياحي «واعد» ينتظره اللبنانيون، ويتحضّر له السياح باكراً، «حيث تردنا من الآن اتصالاتهم لحجز طائرة شراعية في الفترات المقبلة».
