
في باريس مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في أواخر الأربعينيات وفي أزقة «سان جيرمان» تحديداً، كان يكفي ذكر اسم بوريس فيان أمام أي أحد حتى تصير الأعين جاحظة من فرط الحماسة ويبدأ خفقان القلوب. كان حيّ «سان جيرمان» في ذاك الوقت ينبض بما صار يعرف لاحقاً بالثقافة الفرنسية المعاصرة: المانيفستوهات المناهضة للنازية التي تُركت على الطاولات مرحلة الحرب، راح أصحابها يبحثون عن مانيفتسوهات جديدة تناسب شكل المرحلة الجديدة، السرياليون الذين تفجرت قصائدهم «باستعارات» القنابل والقذائف، أرهقتهم الحرب ولكن بقيت أحلامهم خصبة. زادت الكوكتيلات المقدمة في حانات سان جيرمان من خصوبتها، أما بالنسبة إلى الشباب الصاعد، فقد كانت هناك موجة جديدة عاصفة اسمها الوجودية. تيار فلسفي سرعان ما صار صفة تدلّ على كل شخص متحرر، يبحث عن طريقة عيش تقوم على الاختبار وعلى الاختيارات الشخصية لا على الموروث، يرتاد الحانات ويسهر حتى أوقات متأخرة من الليل على موسيقى الجاز. شكّل حي «سان جيرمان» في تلك المرحلة مختبراً للأفكار الطليعية والثورية، وفضاءً مفتوحاً للتجارب السياسية والعاطفية؛ ولتجاربٍ أطلق عليها تسميّة «الأصالة الوجودية».
تزعّم بوريس فيان (1920 ـــ 1959) ثقافة هذا الحيّ، وأطلِق عليه لقب «أمير سان جيرمان». واكب الموجات الجديدة التي اكتسحت أرصفة باريس وشوارعها من دون أن يحصر نفسه في أيّ موجةٍ منها. بقيَ خارج الانتماء الآسر، منفتحاً على التيارات الأدبية والفنية الرائجة، مشتغلاً بدوائرها وأطرها. كان مثل كتاباته: عصيّاً على التصنيف. فقد كان سوريالياً غير آبهٍ بنظريات أندري بروتون، وجوديّاً على طريقته الخاصة، عبثيّاً حدّ النخاع. دخل إلى معهد ألفرد جاري «الباتافيزيك» (Pataphysic)، المعهد الذي انضمّتْ إليه شلّة من الكتّاب مثل جورج بيريك الذي كتب هناك روايته «الاختفاء» (La disparition)، وهي رواية لم يرد فيها أي كلمة تحمل حرف «e» . و«الباتافيزيك» بتعريف جاري، ممارسة ساخرة من الميتافيزيق أي علم الموجودات. إنها علم «الحلول المتخيَّلة» حيث الاهتمام مصبوب على «الاستثناء لا على المتعارَف عليه». المغامرة في «الباثافيزيك» عزّزت خيال بوريس فيان، وجعلته يغوص في مناطق جوانيّة غامضة. دخوله إلى المعهد لم يكن بغية توكيد حقيقة ما يعرفه: وجود المفارقة وحضور اللامعقول، أو باختصار العبث، إنّما كانت تمريناً لاستبدال الواقع بالخيال، للرهان على المُفرَد الغريب لا على الجمع المألوف، وللمزيد من الشطّ في التفكير «أحاول إرادياً التفكير في أمور لا أعتقد أن الآخرين يفكّرون فيها».
روايته «على قبوركم»
صدرت بنسخة جديدة
عن «دار مسكيلياني»
هذا التنقّل بين السريالية والوجودية والثقافة الأميركية المتمثّلة في الجاز أسبغ عليه لقبه الأنيق «أمير سان جيرمان»، بالإضافة إلى كونه دائم الإحاطة بروّاد «موضة المشهد»، أمثال سارتر، وبوفوار، وميرلوبونتي وكامو وجاك بريفير وغيرهم. لكن بوريس فيان لم يكن يتنقّل بين تلك المذاهب كزائرٍ سمج يتوق إلى التقليد، أو كرحّال لا يتوقّف عن الهيام من دون أن يترك وراءه أيَّ أثر، لقد كان الأدب يسيل في عروقه ويفيض، بوريس فيان كائن مركَّب مثل جمله الموسيقية المعقّدة، مثل المصطلحات اللغوية التي اخترعها، كائن مولَع بالتجريب، وهو كما قال والت ويتمان: «أنا أناقض نفسي، إذاً أنا متّسِع، أنا متعدّد».
والكتابة عن بوريس فيان تشترط علينا سؤالاً بالغ الأهمية: عن أيّ بوريس فيان تحديداً نودّ الكتابة؟ ولد سنة 1920 لعائلة ميسورة خسرت ثروتها في البورصة بعد تسعة أعوام من ولادته. هو روائيّ وشاعر ومترجم، ناقد موسيقيّ، وعازف ترامبيت ومنظِّم حفلات وممثّل، كتب الأغنية، والشعر، والقصّة القصيرة، والمسرح، والأوبريت، كان رسّاماً هاوياً ومهندساً ميكانيكيّاً، ومخترعاً. بالنسبة إلى الناقد فرانسوا بوسنيل، فإنّ بوريس فيان «كاتب متعدّد المواهب، غزير الإنتاج، محموم... كان انتصاراً للاستعارة، هو الشعر في شكله الخالص». في حوزة بوريس فيان أكثر من عشر روايات، وأربعة قصص قصيرة، وثلاثة دفاتر شعر، كتب أكثر من ثماني مسرحيات، وفوق الخمسمئة أغنية وعدداً هائلاً من المقالات المختصّة في الجاز وفي النقد الموسيقي. مؤلِّف كتاب الدليل السياحيّ لحيّ سان جيرمان؛ كتاب يعرِّف القارئ بجغرافيا هذا الحيّ، ويخبر عن الأزقّة، والأروقة وثقافة الأمكنة في سان جيرمان. جدران منزله الذي تحوّل بعد وفاته إلى ما يشبه المتحف، مليئة بلوحاته السريالية المستوحاة من دالي. مثّل في عدد من الأفلام، وأحدها مع الممثلة الفرنسية جان مورو. ترجم عدداً من الروايات لروائيين بارزين أمثال رايمون شاندلر وألفرد فان فوغت، واخترع آلة. حقّق كل هذا قبل بلوغه الأربعين من عمره. مات بوريس فيان في التاسعة والثلاثين. مفاجأة صادمة، أليس كذلك؟ نقّاده ومحبّوه أجمعوا على أنّه عاش حياته كمن يقود سيارة بسرعة مئتي ميل في الساعة. والسير بسرعة مئتي ميل في الساعة معناه أنّ الخروج من بعد الارتطام مستحيل.
زوجته الأولى، ميشال ليغليز التي ساعدته عندما بدأ ينخرط في الترجمة، والتي أفسدت علاقتها مع جان بول سارتر زواجهما، صرّحت في إحدى المقابلات أنّ بوريس فيان كان يكتب بسرعةٍ هائلة. زوجته الثانية أورسولا كيوبلر قالت الشيء نفسه مع معلومة إضافية أنّه كان مصاباً بالأرق، فنومه لم يتجاوز الثلاث ساعاتٍ يومياً. ورغم هذا، مهما كانت أسباب موته مقنعة، مثل سوء اعتنائه بنفسه، وقلّة النوم، وشراهته على التدخين والكحول والموسيقى والكتابة، إلّا أنها مبررات تعجز عن تخفيف الدهشة إزاء ما حقّقه بوريس فيان في عمره القصير.
يبدو كل شيءٍ في عوالم بوريس فيان خياليّاً، ومن بينها حياته. فالجميع كان يعلم أنّ حياته قد تنتهي مع انتهاء الأغنية التي يعزفها. عندما بلغ عامه الثاني عشر، أخبر الطبيب أهل بوريس فيان بأنّ حياته لن تدوم طويلاً، وتنبّأ له العيش لعامه الأربعين كونه مصاباً بحمّى الروماتزم التي تؤثر على عضلة القلب. لم تصح نبوءة الطبيب تماماً، فسنة واحدة عند بوريس فيان توازي من حيث الإنتاج، ما يفعله غيره في مئة سنة. لكن فيان كان أوفر حظّاً من صديقه المقرّب جاك لوستالو الذي وظّف شخصيته في عدد من القصص التي كتبها تحت اسم «الكولونيل». توظيف الأسماء، ونقل أسماء أشخاص إلى شخصيات مركّبة وإعطاؤها حيّزاً داخل الفضاء السردي جزء من ألاعيبه باللغة وبالسرد. مات لوستالو بعد خسارته رهاناً يقتضي تسلّق بناية ودخوله إلى شقّةٍ عبر النافذة. سقط لوستالو من الطوابق الشاهقة، ارتطم رأسه على الأرض، ومات على الفور. هكذا، دائماً ما كانت سمة الغرابة وهالة الغموض يلاحقان بوريس فيان. غموض وغرابة يلفّان حياته الشخصية مثلما تحيطان عوالمه الروائية؛ موته في صالة السينما وهو يشاهد الفيلم المقتبس عن روايته «سأبصق على قبوركم» مثالاً. ها هي دقائق قليلة مرّت على بداية الفيلم، وقف بوريس فيان عن كرسيه وبدأ يصرخ: «أنا بريء من هذه القصة، لست أنا من كتبها، تبّاً لكم!» بقيَ فيان يصرخ ساخطاً حتّى انفجر قلبه. ومثل صديقه «الكولونيل»، انفجر قلب بوريس فيان، وقع على الأرض ومات فوراً.
جاز صاخب وأميركا التي تطلّ على شرفة باريس
سرعان ما هجر بوريس فيان مهنته كمهندس ميكانيكي، تخلّى عن الآلة التي اخترعها، واتجه صوب موسيقى الجاز. يفصح المغنّي الفرنسي هنري سلفادور أنّ بوريس فيان «أحبّ الجاز، عاش من أجل الجاز، استمع إلى الجاز، عبّر عن نفسه في الجاز». لو قُدِّر لبوريس فيان المزيد من سنوات العيش، لربّما كان ليتخلّى عن كتابة الشعر، أو الرواية، أو المسرح أو الرسم مثلما سبق وتخلّى عن الهندسة، ولبقيَ «جازيست» يعزف على ترامبيت، ولو أنّه اتجه في سنواته الأخيرة إلى موسيقى روك اند رول على إثر انبهاره بإلفيس بريسلي. «هناك شيئان فقط: الحب، بكل أشكاله، مع الفتيات الحسناوات، وموسيقى نيو أورلينز أو موسيقى ديوك إلينغتون. كل شيء آخر مصيره الزوال. لأنّ كل شيء آخر قبيح»، وهو إفصاحٌ بمنزلة بطاقة تعريف ذاتية، متقشّفة ومقتضبة، وتحكي كل شيء.
ثَمَّة ارتباطٌ وثيق أشبه بحبلٍ سريٍّ يربط بوريس فيان مع الموسيقى منذ ولادته. والدته عازفة بيانو، المفتونة بالموسيقى الكلاسيكيّة، أعطته اسم بوريس تيمّناً بالعمل الأوبرالي للمؤلِّف الروسي موسورغسكي المعنون بـ«بوريس غودينوف». تعلّم فيان العزف على ترامبيت في سنّ السادسة عشرة وراح ينظم حفلاتٍ خاصة مع إخوته الثلاثة. إقامة هذه الحفلات ستصبح مهنة فيان في أعوامٍ لاحقة، وستسهّل عليه حصوله في ما بعد على اللقب الأثير: أمير سان جيرمان. في الأعوام التي سيطرت النازية فيها على فرنسا، كان بوريس فيان ينظّم الحفلات في الأقبية وفي شققٍ خاصة، يعزف الجاز ويشدو أغانيه. راج آنذاك ما عرف بـ«زازو». قبل أن يتغيّر مدلول المصطلح («زازو») ويصبح رمزاً للثياب الواسعة المتأثّرة بالموضة الأميركية حيث يرتديها الشباب الذين يرقصون السوينغ على أنغام الجاز، كانت «زازو» كلمة سرّ، ومعناها تهريب الشباب من حظر التجوّل، ومساعدة من يريدون عدم العودة إلى المنزل حتى اليوم التالي. انكبّ بوريس فيان في ذلك الحين على تهريب الشباب ودعوتهم إلى تلك السهرات. بعد انتهاء الحرب، ملأت تلك الحفلات الحانات والأقبية الجديدة، وصار بوريس فيان نجم عاصمة الحداثة. تروي لنا سارة بيكويل في كتابها الرائع «على مقهى الوجودية» (دار التنوير ـــ ترجمة بديعة من حسام نايل) أنّ سيمون دو بوفوار استمتعت بأهجية فيان وأطلقت عليها وصف «ضغطة الحنان الهائلة». تسرد باكويل كيف كان الفلاسفة يرقصون طوال الليل، تخبرنا: «لقد لاحظ بوريس فيان أنّ ميرلو بونتي هو الوحيد من بين الفلاسفة الذي دعا فتاة إلى حلبة الرقص». وتسرد لنا باكويل أيضاً عن أغنية جولييت غريكو «مرسيليا الوجودية»، الذي اشترك في كتابة كلماتها ميرلو بونتي وبوريس فيان وآن ماري كازاليس، الأغنية ذات القوافي الرنّانة التي تحكي «قصّة حزينة عن شخص بلغ فيه الفقر حالاً جعله غير ذي اعتبار في مقهى «فلور»، ويعتزّ بكونه حرّاً رغم قراءة ميرلو بونتي، وينتهي به المطاف إلى المحنة نفسها دوماً رغم أنف جان بول سارتر».
انتهت الحرب إذاً وبدأت الأمور تتمخّض في قلب باريس. الأميركيون تحديداً جذبتهم المدينة؛ مايلز دايفس تورّط في علاقة عاطفية مع جولييت غريكو، ربتشار رايت سحرته الوجودية، ديوك إلينغتون الذي سبق لفيان أن حضر له حفلة عام 1939 صار عرّاباً لابنته، والكثير من عازفي الجاز قدّموا إلى سان جيرمان. صار جاز صاخباً جداً، ونزعة أدبية جديدة بدأت تتطوف. الفرنسيون في تلك الفترة، وبعدما صار متاحاً لهم ما كان محظوراً في السابق، حرّكت مشاعرهم كل الأشياء الأميركية: من الثياب وصولاً للقصص البوليسية. نشاهد على سبيل المثال الفيلم الصادر عام 1959، أي بعد مرور عشر سنوات على مغادرة آخر نازي من فرنسا؛ فيلم جان لوك غودار «انقطاع النفس» (A bout de souffle)ونرى كيف تتباهى الممثلة جان سيبرغ بلكنتها الأميركية الرخوة، والسعادة البادية على وجهها، إذ تقبض على أعداد جريدة «نيويورك تايمز» التي تبيعها. الفيلم كلّه أساساً مستوحى من فضاء الأكشن الأميركي. كان الأمر على هذا المنوال في سنوات بوريس فيان الذي استطاع أن يختزل في شخصه تجلّيات الحداثة الأميركية والفرنسية في آنٍ واحد. فأمير سان جيرمان نجح في التوليف بين بوهيمية فرنسية مع برسونا الأميركي اللامنتمي الذي يطوف في عوالم الفيكشن والجاز. انتهت الحرب إذاً وضجّت باريس في الأغاني والجاز وترافق ذلك مع حركة أدبية مجنونة. المنجزات الفرنسية على رأسها رواية «الغثيان» لجان بول سارتر و«الغريب» لكامو، ألهبت هذه الحركة الأدبية المشتعلة، وعزّزت التوق إلى كتابة ما لم يُكتب بعد.
بوريس فيان الذي ترعرع في عائلة تحظى بثقافةٍ أنغلوساكسونية، كان قارئاً نهِماً منذ صغره للأدب الإنكليزي والأميركي. وجد في تلك الأثناء الفرصة لكتابة مغامرات باريسية بأسلوبية شعرية رفيعة، ولكتابة أميركا التي فتنته ولم يزرها. في سنوات الحرب، كان قد كتب قصّتين لم تحظيا بالاهتمام على الإطلاق، لكن الأمور تغيّرت في ما بعد. عام 1946، قرر بوريس فيان أن يكتب أكثر قصّة حبّ حزينة في التاريخ. نُشرت «زبد الأيام» (أو «رغوة الأيام»، صدرت نسخة عربية منها عام 1990 عن «دار المأمون»، ترجمة مهند يوسف، بعنوان «زبد الأيام») سنة 1947، تلك الرواية التي كتبت بنفس شعريّ وصفها الناقد والمحرِّر الفرنسي رايمون كوينو بأنها «أجمل قصّة حبّ في التاريخ المعاصر». رواية «زبد الأيام» هي روميو وجولييت في «أليس في بلاد العجائب»؛ إنّها خرافة رومانسيّة، تحكي قصّة عاشقَين يعيشان حبّاً أفلاطونياً إلّا أنّ تعاقب الأحداث جعل فضائها ينمسخ؛ من الجنّة النقيّة نتهاوى فنغدو في فضاء ضبابيّ كئيب، يحيل إلى عالمٍ أرضيٍّ تغمره الرهبة وطافحٍ بالوباء، كأنّه سقوط من سماء المُثُل إلى قبو كافكاويٍّ موحِش. نالت رواية فيان إعجاب النخب الفرنسية (بقيتِ الرواية مغمورة خارج إطار النخب حتى عام 1967)، ولأنّ الثقافة الأميركيّة دخلت منازل الباريسيين مثلما اقتحمت الثقافة الباريسية أميركا، قرّر الناشر جان دالوين صاحب دار نشر جديد اسمه «سكوربيون»، التواصل مع بوريس فيان لكتابة رواية تنتمي إلى أدب الجريمة على طراز الأدب الأميركيّ الحديث. اعتبر فيان المشروع بمنزلة تحدٍّ، وبعد 15 عشرة يوماً سلّمه رواية ستكون الأكثر إثارة للجدل على مدى عقود: «سأبصق على قبوركم».
أدب معاصر، أدب مسيّس
بوريس فيان الذي مرّ على الأجناس الكتابية جميعها، كان لديه أكثر من اسم، ربّما لأنّه عرف أنّه أكثر من شخصٍ واحد، وبالتالي، ارتأى إعطاء هذه الشخوص أسماءً. ففي الشعر هو بيزون رافي، وفي المقالات والمسرح هو بارون فيسي، وأحياناً فهو بريفازون، أما في قصص الجريمة، فهو... فيرنون سوليفان. ولنا مع الاسم الأخير عودة. يبقى أنّ بوريس فيان هو وراء هذه الأسماء مهما تغيرت أنساق الكتابة وأنواعها، ومهما تلطّى وراء هويةٍ زائفة. وهذا يعني، أنّ أسلوب بوريس فيان لا تغيّره الأسماء مهما تنوّعت واختلفت، ذاك أنّ أسلوبيته على مستوى عالٍ من التعقيد والبناء المركب. لا نتكّلم عن سردٍ متدفِّق كالسهم، وعن نثرٍ شعريّ شفّاف وكأنّ كاتبه ضلَّ طريق الشعر فحطّ في الرواية، ولا عن لغة صورية أو عن مونولوجات منضبطة تتجاوز دورها في الحكي وتسهم في صقل السرد، إنّما عن تراكيب جديدةٍ أوجدها فيان، وعن تعامل استثنائيّ مع اللغة يقوم على الحفر، والتركيب وخلق معانٍ جديدة. يتساءل: «إذا لم ألعب مع الكلمات، ماذا لو وجدت للكلمات من أجل اللعب؟». وراء هذا اللعب المجنون والخيال الفانتازيّ الذي لم يخرج عن الطفولة، كان هناك مواقف وأفكار يطرحها نصف فيلسوف. ثمّة انحيازات سياسية بادية مع بوريس فيان، هناك واقعٌ يخضع للتشريح والنقد المقذع. لم يكتفِ فيان في تناول «الموضوعات الخالدة» التي أشغلت الحداثيين كالعبث، والخيبة والحب، بل تورّط في قضايا عصره في مقاربة راديكاليّة لا تخلو من السخرية واللّهو. مسرحيته من فصل واحد «تقديم للجميع» (L’equarissage pour tous) تتهكم على الحرب بوصفها ظاهرة لا طائل منها وخالية من المعنى. تسخر المسرحية من الاحتلال، ومن المتعاونين معه وممّن يحاربه كذلك. لم يعجب أحد بالمسرحية باستثناء جان كوكتو. «العشب الأحمر» (دار آفاق ـــ ترجمة عادل الميري) وهي رواية تصبو إلى أدب السيرة الذاتية، نجد رصاصات بوريس فيان موجّهة إلى المحاور التي كرهها وحاربها طوال حياته: العائلة، العسكر، والدين. فيما يوجّه في أغنيته الشهيرة «الهارب من التجنيد» (Le déserteur) رسالة لاذعة إلى «سيادة الرئيس»، مفادها رفضه الانضمام للجيش للمشاركة في حرب الجزائر لأنّه لا يريد أن يقتل الفقراء. الأغنية تهشيم سلطوي، تقدّم رسالتها بطريقةٍ مباشرة بيد أنّ بذاءة مُضمَرة تختبئ في طيّاتها. أسلوب لم تتحمّلْه الديمقراطية الفرنسية فحظرت الأغنية.
الرواية الأكثر خلاعية على الإطلاق
بعدما اكتشف تعلّق الفرنسيين بعد الحرب بأفلام التشويق الأميركية وقصص الخيال الرديء، ارتأى جان دالوين إنشاء دار نشر اسمه «سكوربيون»، ينتج كتباً فرنسية تستمدُّ موضوعاتها من الأدب الأميركي الحديث. اقترح دالوين على بوريس فيان كتابة رواية «نوار»، أي أدب الجريمة، وافق الأخير بشرطٍ واحد: أن يكون اسمه فيرنون سوليفان. عندما ستصدر الرواية لاحقاً، سيصبح فيرنون سوليفان هذا، بطل دار النشر، وورقتها الرابحة. سيصبح أخطر اسم أدبيٍّ معاصر كذلك.
بالنسبة إلى الكثير من النقّاد، سبب استعانة بوريس فيان باسمٍ مستعار هو مسيرة أدبية خائبة. فأدب بوريس فيان أخفق في جذب القراء، وكتبه لم تحقّق أرباحاً، كما أنّ اسم بوريس فيان، كأديب، ورغم تشجيع مشاهير سان جيرمان واحتضانهم له -لا يزال- بقي مغموراً. بعض الأميركيين الذين نفروا من روايته «سأبصق على قبوركم» اتّهموه بالجُبن. قالوا عنه «جبان»، تلطّى وراء هوية زائفة لأنّه يعلم أنّ حقيقة أميركا لا تشبه ما كتبه عنها. مهما يكن، فيرنون سوليفان كتب رواية اسمها «سأبصق على قبوركم». الرواية ترجمت إلى العربية مرتين؛ المرة الأولى عام 2019 عن «دار مسكيلياني» بعنوان «على قبوركم» بترجمة رائعة لوليد الفرشيشي، (عبثاً حُذفَ فعل «سأبصق» من العنوان الرئيسي، وكأنّ الحذف هنا، هو بحدّ ذاته جزء من الترجمة إلى العربية)، أما الترجمة الثانية، فصدرت أخيراً عن «دار ظلال»، بترجمة ركيكة جداً من شوقي برنوصي حيث يخال القارئ أنّه لا يطالع نصّاً متماسكاً بل جملاً مشتّتة ترجمها غوغل.
في مقدّمة الكتاب يورد بوريس أنّه مترجم هذه الرواية، وتنبّأ بمصيرها، يقول إنّ كل دور النشر رفضت نشر هذه لكن جون دالوين، أي الناشر، وافق على نشرها مترجمة، بعدما أقنعه سوليفان فيها. يخلق بوريس فيان قصّة عنِ القصّة. كأنّه يصرّ على وجوب وجود مرآةٍ تقع بين كلا الأدب والحياة وتعكس الاثنين. ألاعيبه لا تنتهي: في السابق وظّف صديقه (لوستالو) في نصوصه، وجلب سارتر إلى روايته «زبد الأيام» باسم مختلف هو جان بول بارتر، وكأنّ الإحالة لا تكفيه، بل يريد إيجاد تناصٍّ بين الواقعيّ والخياليّ. لي أندرسن، بطل الرواية «سأبصق على قبوركم» هو شخصيّة من نسج الخيال، يعيش في أميركا حقيقيّة؛ تلك البلاد الطافحة بالعنصرية حيث أصحاب البشرة السوداء دائماً ما يُقْتَلون بسبب عرقهم؛ يعيشون في مجتمعٍ لا يحب أن يراهم خارج القفص. لكن لي أندرسن «يتجاوز الخط»، أي إنه يمتاز بجينات و«دماء» سوداء لكنّ بشرته بيضاء، ولأنّه كذلك فيريد الانتقام لأبناء بشرته، تحديداً لأخيه توم و«للصبي الصغير». قصّة من أدب الجريمة طافحة بالتشويق، يعرف هذا النمط بالخيال الرديء (pulp)، وقصّة فيان برمّتها، تقوم على القتل والاغتصاب والثأر، سيحبّها كوينتن تارانتينو بلا شكّ.
يكتب بوريس فيان قصّته برشاقة أدبية، في أسلوبٍ سريعٍ لا يهدأ، يتمايل، تتعاقب المَشاهد المرسومة، فيرنون سوليفان كالذي ينفخ على ترامبيت ويعزف موسيقى «سوينغ». إذا كان بوريس فيان قد كتب أجمل وأكثر قصّة حبٍّ حزينةٍ في التاريخ المعاصر، فقد انقلبَ على نفسه رأساً على عقب بعد أشهرٍ قليلة وانتقل إلى الضفّة النقيضة، أراد مِن «سأبصق على قبوركم» أن تكون أكثر رواية نافرة، جلفة، واشمئزازية في التاريخ المعاصر. فطريقة لي أندرسن في الانتقام تفرض التلاعب في النساء البيضاوات، واستغلال مشاعرهنّ، وممارسة الجنس معهن. يتعرّف لي أنرسن إلى شقيقتَين ثريّتين من البشرة البيضاء، يتحكّم فيهما بعد أنْ أغرمتا به، ومن ثمّ يقتلهما بعدما اغتصبهما، وينتهي به المطاف مقتولاً على يد الشرطة التي كشفت جرائمه. يُشنق لي أندرسن في وسط الساحة، لكنّ قضيبه يبقى منتصباً. هكذا، يعلن فيان عن موقفٍ أراد تمريره: يموت الضحية الذي صار جلّاداً، إلّا أنّ المعاناة والعنف، المتمثّلَيْن برمز القضيب المنتصِب، راسخان يعجز النظام عند تحقِّقه على محوها.
«سأبصق على قبوركم» رواية فاقعة، خلاعيّة، مفرِطة بالعنف. نجد إيروسية خوتاء؛ ذات تبيح لنفسها الاغتصاب، وجرائم قتل، هي شخصية تهتاج على الجثث، بيد أنّ للرواية نزعةً سياسيّةً تنأى من ميلٍ عبثيّ دائماً ما لاحق بوريس فيان؛ هي رواية تقع على النقيض من «الأدب الجميل» أوّلاً، وربما من الأدب كأدب ثانياً كونها صيحة أنثروبولوجية غاضبة. علّق جايمس بالدوين على الرواية كالآتي: «عرف بوريس فيان حقيقة المعاناة التي يتعرّض لها الزنوج في أميركا جرّاء استماعه لقصصهم في حانات سان جيرمان». لقد أراد فيان من روايته هذه أن ينتقم بنفسه لهم. لكنّ وجهين متناقضين ستحملهما الرواية هذه لبوريس فيان. ستفتح له المجال أمام شهرةٍ واسعة، ولحصوله على مهنةٍ جديدةٍ هي الترجمة حيث سبق أن عرَّف عن نفسه بوصفه مترجم الرواية وليس كاتبها، وطبعاً على عدد هائل من المبيعات سببها أولاً الدعوى التي رُفِعتْ عليه لأنّه ترجم عملاً عنيفاً، مستهجناً إذ إنّه «يخالف الحشمة»، وثانياً لأنّ جريمةَ قتلٍ حدثتْ، والقاتل ترك الرواية في مسرح الجريمة حيث الصفحات مفتوحة على مقطع يصف فيه فيان مشهد قتلٍ، ما أدّى إلى منع الرواية في فرنسا ومحاكمة بوريس فيان. أمّا الوجه الآخر، فسيكون عندما قرّر المخرج ميشال غاست تحويل الرواية إلى فيلمٍ؛ الفيلم الذي من فرط ما أثار حنق بوريس فيان، قتله. وهي نهاية مأساوية لمن كتب عن الأسى وغنّى عنه.

