ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الرحلة إلى جبل قاف *

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة
محمد سعيد احجيوج
محمد سعيد احجيوج
السبت 7 كانون الأول 2024
تفصيل من غلاف الكتاب
تفصيل من غلاف الكتاب
الخط


قبل أن ينام، وعلى نور باهت يحاذر أن يقلق نوم زوجته المستلقية على الطرف الآخر من السرير، قرأ قصة «التحول» الشهيرة لفرانز كافكا، وحين بدأت أشعة الشمس تتسلل من خلال الستائر، فتح عينَيه، ليجد نفسه صار سجينَ تحولٍ لا يكاد يختلف عن مصير غريغور سامسا. وجد نفسه كأنه مستر هايد انمسخ من دكتور جيكل. بل وجد نفسه كأنه جواد الإدريسي في رواية «كافكا في طنجة» (1) التي قرأها أولاً قبل أن يجد طريقه نحو قراءة كافكا. لكن، سأكون واضحاً، هذا مجرد تخمين. حتى لو عرفنا لاحقاً أن بطلنا اسمه جواد هو أيضاً، فهذا لا يعني بالضرورة أنه سيشارك جواداً الآخر المصير نفسه. لا داعيَ للاستعجال. «لا نملك أن ننظر إلى المستقبل»، كما قال ساراماغو. أو كما قال كيليطو: «لنكن حذرين، لنحرص على عدم الخلط بين الحكايات، لنتجنب التأثر بأوجه شبه مبهمة». أما بالنسبة إلى حكايتنا؛ فقد فات الوقت على هذا التحذير. حتى لو أن الأمر يتعلق بشخص آخر، شخص يحمل الاسم نفسه وليس أكثر، فإن الضرر قد سبق أن وقع. أو، ربما لا. إنها رواية وأنا أملك الحق، كل الحق، أن أتوقف وأغير الحبكة، وكل شيء آخر. بالتأكيد هذا سيغضب القارئ، لكن منذ متى لم يكن القارئ غاضباً مني؟ لنترك إذن حكاية جواد مع الانمساخ جانباً، ولنجرب حكاية أخرى. يمكننا أن نبقى قريبين، وكما اعتمد احجيوج في روايته «كافكا في طنجة» على رواية «التحول» لكافكا، ستعتمد روايتي هذه على رواية كافكا الأخرى البارزة: «المحاكمة».
قبل المتابعة، توضيح: لم أقرأ «المحاكمة» بعد، ولا أعرف إذا كنت سأفعل قبل كتابة هذه الرواية. على الأرجح لن أفعل. لديَّ فكرة عامة، مبتورة لا شك، ولا شك هذا أفضل، عن الرواية تلك، وسأكتفي بذلك.
إذن: قبل أن ينام، وعلى النور الباهت لمصباح غرفته الضيقة المتشققة الجدران المقشرة الطلاء والعارية من الأثاث، قرأ رواية «المحاكمة». وما إن بدأت أشعة الشمس تجتاح الغرفة من التمزقات العدة في ستارة النافذة، حتى فتح عينَيه. لم يكن ضوء النهار ما أيقظه، بل طرقات سريعة متتالية على الباب غزت سكون غرفته، وهو لم يأخذ بعد كفايته من ساعات النوم، فما إن أطفأ المصباح ليلاً بعدما قرأ «المحاكمة» كاملة، حتى بدأ السرير يهتز في غرفة النوم في الشقة الملاصقة لشقته، وبدأت التأوهات المفتعلة من المرأة التي اكترى جسدها طلاب الجامعة الثلاثة القاطنون في تلك الشقة والذي سيمرون، بالتناوب، على ذلك الجسد طوال الليل، وسيبقى جواد مستيقظاً لا يملك إلى النوم سبيلاً، إلى أن يهمد ثالثهم، فينام جواد، أخيراً، بعد أن يكون قد أودع ماءه سريره ثلاث مرات، تدفعه تأوهات المرأة دون إرادة منه لمحاكاة الشباب الثلاثة. ثم حين بدأ ينزلق في الطريق الضبابي لعالم الأحلام، اندس الجسد الفتي تحت الغطاء بجانبه، وأطبقت شفتا الصبية على شفتَيه، قبل أن تدفعه وتعتليه، ويغيب في النوم إلى أن جاءت الطرقات على الباب. فكر أول ما فكر في تجاهل الطارق لعله يعود لينال ما يحتاج من نوم، إلا أنه عرف أنّ الطرقات تلك لن تتوقف، ولا فرصة لديه ليكمل نومه.
هناك كانت واقفة، بعد أن قام وفتح الباب، ساحرة كما كانت وهي تعتليه ليلًا. الصبية نفسها التي لم يلقها في حياته يوماً، إلا في الحلم السابق. هي نفسها بلحمها وشحمها، كما يقولون، أو لحمها وعظمها فلا شحوم زائدة عن الحد في جسدها الفتي. إنها هي وقد غادرت الحلم إلى الواقع إلا أن يكون لا يزال يحلم، وسيكون هذا مريحاً، خاصة أنها لم تكن وحدها، بل تحمل بين ذراعَيها طفلاً رضيعاً، خمَّن أن عمره بضعة أسابيع، كما خمن نسبه، تماشياً مع منطق الأحلام. مدت الصبية الرضيع بامتداد ذراعَيها نحوه وقالت: «خُذ ابنك». مد يدَين مترددتَين لحمل الرضيع. وما إن استكان الرضيع هناك، حتى تراجعت الصبية وغادرت، تاركة جواد على الباب بين ذراعَيه رضيع قالت إنه ابنه، هو الذي لم يلمس يوماً امرأة، إلا في الأحلام. لا مشكلة، فكر جواد، إنه حلم، كابوس بالأحرى، بتأثير من الرواية العبثية التي قرأ قبل أن ينام، ويمكنه الاستيقاظ في أي لحظة.
لكنه لم يكن حلماً، ولا قريباً من ذلك. إلا أن تكون حياتنا كلها حلماً داخل حلم.
جواد في مأزق الآن، ولعله لم يدرك ذلك بعد. يحتاج إلى بضع دقائق ليخرج من حالة تبلد الأحاسيس التي دخلها. يمكنني أن أساعده هنا حتى لا يهدر مزيداً من الوقت. حان الوقت ليفتح الرضيع عينَيه ويطالب بحقه الطبيعي. أعاد بكاء الرضيع جواداً إلى وعيه، فنظر إلى العينَين الواسعتَين، الأنف المحدب قليلاً وذلك التقوس الخفيف في شفتَيه. إنه ابنه بكل تأكيد، فكر جواد. الشبه واضح. يبدو أن جواد استغرق وقتاً أطول مما يجب في التحديق، فزم الرضيع شفتَيه قبل أن يقول، ببراءة الأطفال المعهودة دون أي نية لإخفاء تذمره: «لا تقف مذهولاً، أنا جائع. أطعمني».
غمر الارتياح جواداً. رضيع يتحدث! إنه حلم بكل تأكيد، قرر جواد، وهذا مريح طبعاً، على الرغم من طابع السوريالية، أو العبثية، غير المفهومة التي تطبعه. وجد جواد أنه من الأسهل أن يساير الأمر، فرفع قميصه وألقم الرضيع ثديه. لم يندهش جواد من الحليب الذي تدفق من صدره إلى فم الرضيع، فهو لم يقرأ ما كتبته أعلاه: «هذا ليس حلماً، ولا يعلم، ولا يمكنه أن يعلم، إنّه شخصية في روايتي هذه».
أما بالنسبة إليَّ؛ فقد وضعتُني في مأزق. لا أعرف كيف أكمل الحكاية، وبالتأكيد سأدفع القارئ لقتلي إذا قررت تغييرها مرة أخرى، لذلك لا مفر من المتابعة.
لدينا الآن رضيع قالت أمه لجواد إنه ابنه. هو لم يلمس تلك المرأة، ولا غيرها، غير أن الشبه كبير جدّاً بين الأب والابن المفترض. بل الحقيقة هو يدرك في داخله أنه ابنه، ويمكنني إقناعكم بسهولة بإضافة مشهد لاحق لإجراء جواد تحليلاً للحمض النووي لإثبات البنوة. هنا، على نقيض جواد في «كافكا في طنجة» الذي أخبرته التحاليل الطبية أنه عاقر، وبالتالي زوجته التي حبلت مرتَين خانته مرتَين على الأقل، فإن جوادنا نحن، العازب الذي لم يدنس امرأة، ستؤكد له الاختبارات الطبية أن الرضيع ذاك ابنه الذي من صلبه. إذن لدينا امرأة حبلت دون دنسٍ، كما أن لدينا رضيعاً تكلم وهو في المهد. لا ينقص سوى حضور الروح القدس في هذه الرواية، لأحصل رسميّاً على تهمة التجديف الديني.
همسة: هذه الرواية، (لم تعد رواية الآن، إنها قصة قصيرة ضمن مجموعة قصصية عنوانها: «الرحلة إلى جبل قاف»)، هذه الرواية نفسها هي الروح القدس. أما الأب، جواداً أقصد، فهو أب فقط. ماذا توقعتم أن يكون؟
لا أزال أخندق نفسي وأصعب عليَّ سبر أغوار الحكاية.
لكن لا بد من وقفة حول موضوع الحَبَل دون دنس هذا. التفسير اللاهوتي المسيحي معقد جدّاً. بالنسبة إلى روايتنا هذه الأمر بسيط: جواد واقع تلك المرأة فعلاً في الحلم. لكن هذا العالم الروائي الذي خلقته، أخلقه، له قواعده الخاصة التي تختلف عن قواعد عالمنا الذي نعيش فيه. لذلك لا يوجد ما يمنع حدوث الحمل في هذه الرواية دون مواقعة مادية مباشرة؛ الأحلام تفي بالغرض. لا جديد في الأمر، موراكامي سبق أن فعل ذلك في العالم البديل، ذي القمرَين، الذي خلق.
أما التفسير اللاهوتي، فيصطدم بتناقض الحكايات بين التشهير اليهودي الصرف الذي يعتبر مريم زانية، وبين التعقيد المسيحي الذي يعتبرها متزوجة لكن الرب تدخل في تخصيبها عبر زوجها يوسف، وبين التنزيه القرآني الصرف الذي يؤكد عذريتها وسلامتها من تدنيس أي بشر أو جن.
الآن كم جواد لدينا؟ أولاً، جواد «كافكا في طنجة» الذي استيقظ ذات صباح ليجد نفسه تحول مسخاً، على غرار «مسخ» كافكا. ثانياً، جواد «ليل طنجة» السابق زمنيّاً على جواد كافكا، الزوج المخدوع من زوجته الذي يستسلم في النهاية ويسلم نفسه لامرأة أخرى. ثالثاً، جواد «متاهة الأوهام»، الكاتب التائه في عالم الحكايات التي يكتبها، أو التي تُكتب عنه. رابعاً، جواد حكايتنا هذه.
طرفة هنا: حين كتبتُ الجملة الأخيرة «جواد حكايتنا»، جاء إلى ذهني أنّ جواداً هنا بمعنى الحصان. لم يخطر هذا المعنى على بالي من قبلُ، رغم حقيقة أنّ الرواية الأولى لم تكن فعليّاً عن جواد الإدريسي بقدر ما كانت عن عائلته، عن تحولات عائلته كما عن تحولات المدينة، أي إنّه كان أداة لتحريك الرواية، حصاناً يقودها، فهل سيكون جواد هذه الرواية هو الآخر حصاناً ليس أكثر؟ لا أظنني سأفعل ذلك، فرغم السلبية التي ستغلف جواداً هنا، إلا أنّه سيكون البطل الحصري لهذه الرواية. لكنني قلت إنها لم تعد رواية، وحولتها إلى قصة قصيرة. لا طاقة لديَّ لكتابة رواية الآن، بل لا طاقة حتى لإكمال هذه القصة. مَن سيمنعني من التوقف هنا قبل أن تصير القصة متاهة لن يغامر أي قارئ بالتعمق فيها؟
حسناً، سأخالف احجيوج هنا، وسأمنح بطلي بعض الحرية. أقول «بعض» لأنه بكل تأكيد لن يكون حر الإرادة مطلقاً. فأن أمنحه حرية التصرف المطلقة، يعني أن أمنحه قوة تعادل قوتي. أن يمتلك الإرادة الكاملة، يعني أنه لن تكون لي سلطة عليه، ولا على تفكيره، ويمكنه ببساطة أن يصل إلى حقيقة أنه شخصية في رواية يكتبها كائن وُجد قبله في عالم مختلف بقواعد مختلفة. أو ربما هذا هو الحل. فعلاً، هذا هو المَخرج:
فجأةً انتبه جواد إلى الحقيقة، إلى أنه شخصية في رواية وجد كاتبها نفسه عاجزاً عن إكمالها. ابتسم جواد بركن فمه وغمغم: «هذا مجرد وهم». ثم رفع صوته، وركز إرادته أكثر: «وهم، هذا مجرد وهم»، فتلاشت الموجودات حول جواد، ووجد نفسه يطفو في فراغ كثيف الظلمة، ثم أحس أن قوة جاذبة تسحبه إليها سريعاً، لم يملك أمامها أي قدرة على المقاومة، وظهرت في البعيد نقطة ضوء تقترب بسرعة وتتضخم، وأحسّ أنّ الحرارة ترتفع وبألم رهيب كأن خلاياه، خليةً خليةً، تحترق بسعير الشمس، كما أحس أنّ قوة رهيبة تضغط عليه كأنها تريد منع خلاياه من التبخر بسبب تلك الحرارة، ثم توقف كل شيء، ووجد نفسه في غرفة شديدة الإضاءة، كل الموجودات فيها ضخمة، معلقاً رأساً على عقب، ويد ضخمة تمسكه من قدمَيه، ويد أخرى تضرب على مؤخرته. وفجأةً أدرك معنى ذلك، وعرف أين هو، وشهق يبكي.

(*) قصَّة من مجموعة بالعنوانِ نفسِه، صدرت حديثاً عن «منشورات مرفأ» (بيروت/ إسطنبول)
(**) طنجة/ المغرب

(1) كافكا في طنجة» رواية صدرت للمؤلِّف عن «دار تبارك» في القاهرة في عام 2019؛ و«ليل طنجة» عن «دار العين» في القاهرة (2022) وأخيراً «متاهة الأوهام» عن «منشورات نوفل» في بيروت (2023). بالتالي فالقصة أعلاه تشتغل ضمن لعبة سردية على تداخلات نصِّيَّة تحيل على مجموع الأعمال السرديَّة للمؤلِّف نفسِه.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك