ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

سام سافاج: بارداً كان العالم، جميلةً كانت الكلمات

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة
ساري موسى
ساري موسى
السبت 7 كانون الأول 2024
سام سافاج: بارداً كان العالم، جميلةً كانت الكلمات
الخط


بالنسبة إلى مُحِبِّ القراءة، ثمَّة سحرٌ في كلِّ ما يتعلَّق بالكتاب: سحرٌ ينبعث من واجهة المكتبة إلى الخارج، وسحرٌ في جوِّها الداخليّ بألوانه وأضوائه وروائحه. سحرٌ في القراءة كفعلٍ مُحرِّرٍ من الواقع الثقيل الذي لا يجد القارئ لنفسه مكاناً فيه. وسحرٌ في الكتب، تلك النوافذ المفتوحة على عوالمَ لا نهائيَّةٍ وغير محدودةِ الغنى والجمال. وبالتالي، فإنَّ قراءة روايةٍ عن القراءة، تجري أحداثها في فضاء المكتبة، لَهو تكثيفٌ للسحر والمتعة، وعامل جذبٍ لشريحةٍ واسعةٍ من القراء. حتى إنَّه لفرط روعته، يصير كأنَّه استراحةٌ من القراءة بالقراءة ذاتها.
في هذه الفئة من الكتب، يمكن إدراج رواية «مغامرات قارض كتب» للكاتب الأميركي سام سافاج (1940-2019)، الصادرة بنسختها العربية عن «دار مسكيلياني» بترجمة أشرف القرقني.
الجرذ الأشعث جاحظ العينين المنكبُّ على كتابٍ سميكٍ في وسط الغلاف، يعطينا فكرةً عن بطل هذه الرواية، قبل أن تتكفَّل الصفحات بذلك. قارض الكتب في عنوان الترجمة العربية ليس استعارةً لقارئٍ بشريٍّ نَهِم، وإن كان يصحُّ بالطبع إسقاطه على حالة البشريِّ، لكنَّ سافاج اختار أن يتناول في روايته الحالة الأصلية، ليراقب الحالة البشريَّة من خارجها، وهو ما يمكن فهمه من العنوان الأصلي للرواية باللغة الإنكليزية: «فيرمين: مغامرات حقيرٍ حَضَريّ».

الجرذ الأشعث في وسط الغلاف، يعطينا فكرةً عن البطل


بطل الرواية هو الجرذ فيرمين إذاً، وهو المولود الثالث عشر من بطن أنثى الجرذ ذات الاثني عشر ثدياً. وقد أدَّى صغر حجمه وهزال بنيته إلى استبعاده من حفلة الرضاعة التي كان يندفع إليها إخوته بعد عودة أمهم من جولة تسكُّعها الليليَّة على حاويات القمامة، حيث تملأ بطنها بما تجده فيها، كما أنَّها كانت تعود في بعض الليالي مترنِّحةً ومتعثِّرة الخطى، بعد أن تكون قد لحست الكحول الذي أراقه السكارى على أرصفة الحانات. ومن أجل إطفاء الجوع المتأجِّج في معدته، راح فيرمين يمصُّ ويمضغ ورق الكتب الرطب، المتوافر بكثرة في قبو المكتبة التي وُلِد فيها، الواقعة في ميدان سكولاي في مدينة بوسطن الأميركية. هكذا تذوَّق حلاوة الكلمات التي قاده الاستبعاد إليها، وأصبح قارئاً من نوعٍ خاصّ، غير قادرٍ على الفطام عنها طوال حياته.
تنشط قراءات فيرمين في الليل، بعد أن يحلَّ الهدوء نتيجة إغلاق المكتبة أبوابها وخروج إخوته وأمه للبحث عن طعامهم، فيصعد من القبو إلى الأعلى، ويبدأ يتجوَّل بين الرفوف مختاراً ما يعجبه من محتوياتها. تُحوِّل القراءات الغزيرة فيرمين إلى قارئٍ موسوعي، وإلى كائنٍ مراقِبٍ متأمِّل، له نظرته الخاصَّة إلى الحياة وفلسفته الخاصَّة فيها. من ذلك مثلاً تأمُّلاته في حال صاحب المكتبة، وبعض أصدقائه وزبائنه، الذين يُشرف عليهم من فوق عوارض السقف، حيث يعتبر «أنَّ المرء إذا كان وحيداً، فإنَّه يحتاج إلى أن يكون مجنوناً بعض الشيء، شريطة ألَّا يبالغ في ذلك»، وكذلك تأمُّلاته في شكل العالم الذي ابتعد عن صخبه، وترفَّع عن الانخراط في زواريبه وطرقاته، والذي يجده «يسير على النحو الآتي: الكلب يأكل الكلب، ولينجُ كلٌّ برأسه. كلُّ شيءٍ هناك محكومٌ بأن يُلحِق بنا أذى مميتاً».
لا يطول الوقت أمام فيرمين قبل أن يكتشف صاحب المكتبة أمره، خاصَّة مع الحريَّة التي أحسَّ بها وبدأ يتحرَّك بموجبها في المكتبة. لكنَّ محاولة القتل التي استهدفه بها لم تنجح سوى في جعله يُغيِّر مكان إقامته. وفي مقابل البشريِّ الذي لم يفهمه لكونه لا يشبهه، مع أنَّه يعمل بائع كتب، هناك البشريُّ الذي فهمه لأنَّه يشبهه، والذي أنقذ حياته واعتنى به. هنا الحديث عن شاعرٍ وكاتبٍ بوهيميّ، كان زبوناً للمكتبة لكنَّه قليل الشراء منها، إذ يُفضِّل الكتب الرخيصة المستعملة. يُقيم هذا الرجل غريب الأطوار في البناية ذاتها، وفي مكان إقامته ثمَّة كتبٌ أيضاً، لكنَّها قليلةٌ ومن نوعٍ مختلفٍ عمَّا اعتاد فيرمين قراءته. الحالة الحيوانية ـ البشريَّة الموجودة في الرواية نجدها معكوسةً في الغرفة الضيقة والوسخة، الشبيهة بالوكر، التي يستأجرها الكاتب البوهيمي، والذي لا يستطيع فيرمين تحمُّل الحياة معه فيها، رغم أنَّه يُخرجه معه على متن درَّاجته الهوائيَّة، في جولاته اليوميَّة عبر المدينة التي قليلاً ما رآها، لبيع نسخٍ موقَّعةٍ من كتبه.
«إذا كان هناك شيءٌ واحدٌ يُفيد التكوين الأدبيُّ في تنميته، فهو الإحساس بالنهاية». يستفيد فيرمين من هذه الخبرة التي حصَّلها، ومن حالته الفيزيولوجيَّة كجرذ، فيختار أن تكون نهاية حياته في الحيِّ الذي قرَّرت السلطات هدمه وتشييد حيٍّ حديثٍ مكانه، بل بين أنقاض وكتب المكتبة التي وُلِد فيها، حيث يمكنه تلخيص الحياة التي عاشها بالقول: «جافاً وبارداً كان العالم، وجميلةً كانت الكلمات».

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك