أدريان ريتش: لا أحتاج أنْ أكون يهودية


عاشت الشاعرة الأميركية أدريان ريتش (1929 – 2012)، تجربة المأزق المزدوج في هويتها الذاتية الجندرية وهويتها الجماعية اليهودية. وعبر هذه التجربة، الثرية والجريئة، تمكّنت من إعادة اكتشاف الذات ومراجعة التاريخ نقدياً وصولاً إلى الانشقاق. كما ارتبطت تجربتها ببُعد إنساني وأخلاقي تجلّى في موقفها السياسي المضاد لأميركا (الإدارة) وإدانتها لجرائمها وحروبها.
هنا القسم الأول المتعلق بمأزق الهوية المزدوج الذي عاشته، وموقفها إزاء اليهودية والصهيونية، وإسرائيل، وتضامنها مع مقاومة الشعب الفلسطيني.
تُعد ريتش رائدة للأدب النسوي في عصرها والشاعرة الأكثر تأثيراً في جيلها، وعندما توفيت عام 2012، كانت من أكثر الشعراء الأميركيين مكانةً. أما تأثيرها في الأدب النسوي الأميركي، فلا يقل شأناً عن تأثير فرجينيا وولف في بريطانيا وسيمون دو بوفوار في فرنسا، إذ تُعَد قصائدها وكتبها النقدية نصوصاً مركزية للحركة النسوية في موجتها الثانية.
ولدت ريتش في بالتيمور التي كانت مهداً لنزعة ما يسمّى «معاداة السامية» في أميركا أوائل القرن العشرين. بل إنّ والدها نفسه لم يخبرها بأنه يهودي، وحذَّرها من مخالطة اليهود، ورباها تربية أمّها البروتستانتية. وفي مرحلة دراستها المبكرة، شجَّعها على تقمّص دور «بورشيا» التي تتصدى للمرابي اليهودي «شايلوك» في مسرحية «تاجر البندقية» لشكسبير (وأي طفل لا ينفصل عن شايلوك وتستهويه بورشيا الأنثى مثلي).
لكن هذه التربية الأبوية التي تقوم على إنكار الهوية اليهودية دفعتها إلى التشكّك والتساؤل، وحفّزتها لإعادة اكتشاف جذورها بنفسها، فتمرَّدت على أسرتها وتزوجت «يهودياً حقيقياً» هو ألفريد كونراد، أستاذ الاقتصاد في «جامعة هارفارد» الذي انتحر عام 1970.
والواقع أنّ النزعة المتشكّكة لدى ريتش تظهر منذ مجموعتها الأولى «تغيير العالم» (1951)، إذ لفتت الانتباه بالأسئلة الشائكة والعميقة التي طرحتها مبكراً.
وبحلول الستينيات وأوائل السبعينيات، بدأت قصائدها تتخذ منحى مضمونياً جديداً مشحوناً بقيمها النسوية وقناعاتها اليسارية، واستكشاف عوالم الجنس والأمومة والسياسة، وتفكيك الأساطير، ولا سيما تلك المتعلّقة بهويتها اليهودية: يقدّم ديوانها «الغوص نحو الحطام» (1973) صورةً استعارية عن تلك الاستكشافات. ففي القصيدة التي تحمل عنوان الديوان، ثمة محاولة لاستعادة حقيقة مفقودة أو مخفية عن الذات، وإعادة فهم جماعة لم يجر تصويرها تاريخياً بصدق. وتركّز القصيدة على صوت المتكلم (وهو في الواقع صوت ريتش نفسها)، إذ تغوص عميقاً في مياه المحيط لتصل إلى بقايا حطام سفينة قديمة، وتشرع في استكشافها، بحثاً عن الحطام نفسه ورؤية الحقيقة كما هي، لا كما تصورها «الأساطير»:
«ما جئت أبحث عنه:
الحطام لا قصَّة الحطام
الشيء نفسه لا الأسطورة».
قبل ذلك، كانت ريتش قد زارت القدس عام 1966. وكتبت قصيدة استشرفت فيها حقيقة أنّ «الأرض الموعودة» ليست سوى ثكنة للحروب وأرض للموت والخراب:
«في حلمي، أرى أطفالاً
مكفنين بالدخان
وشعورهم الطويلة تحترق...
وأستيقظ باكية
وأنا أسمع صافرات الإنذار تصرخ
وشجرة الخروب عارية»
وهكذا، بدأت تتعمّق في مراجعة قضية الهولوكست نفسها، فتقتبس في قصيدتها «زمن الحرب الشرقية» من ديوانها «أطلس لعالم صعب» (1991) البرقية الشهيرة التي أرسلها غيرهارت ريغنر ممثل المؤتمر اليهودي العالمي في جنيف إلى مكتبي المؤتمر في نيويورك ولندن بشأن شائعات عن نية النازيين لإبادة اليهود في أوروبا وترحيلهم شرقاً، وهي أقدم وثيقة عن الهولوكوست. تذهب ريتش إلى تفسير «الحل النهائي» بالترحيل إلى الشرق وليس في «الإبادة». وإن قصة الهجرة إلى «الأرض الموعودة»، قديمة تعود إلى أوائل القرن العشرين ضحيتها نساء يهوديات مسكونات بالوهم:
«أُفكُّر في النساءِ اللاتي أبحرْنَ إلى فلسطين
قبل أنْ أولدَ بسنين
مُستَوطِنات رائدات،
يؤمنَّ بحياةٍ جديدة
ينشدْنَ المساواة في الأرض الموعودة
وفي قلوبهنُّ وعودُ الصهيونية المكسورة
صانعات المعجزات اللاتي توقَعْنَ المعجزات
بعناد مثل أية ربة منزلٍ
لكن الحياة التي تمنحها حياتها
لن تكون رخيصة
الحياة التي تمنحها حياتها
ستحتاج إلى نهاية للمعاناة
و«صهيون» وحدها ليست وعداً كافياً».
ويمثل ديوانها «أرضك الأصليَّةُ حياتُك» خلاصة لقناعتها واكتشافها وهم الهجرة اليهودية إلى «أرض الميعاد»:
«حينُ يتضحُ كلُّ شيءٍ، ستحبُّ
المكانَ الذي أنت فيه:
حيثُ السماءُ الزرقاءُ بلا حكايةٍ أو نص
مريم، وهارون، وموسى
في مكانٍ آخر، يسيرون
فتعلَّم كيفَ تعيشُ بلا أنبياء
ولا أساطير
أنْ تعيشَ حيثُ أنت».
في نثرها كما في شعرها، تحرّض ريتش على التمسك بالحلم الكبير بـ «تغيير العالم» ليصبح مكاناَ أفضل لجميع البشر. وهي إذ ترسم صورة يوتوبية لعالم خالٍ من التمييز العرقي والطبقي، فإنها تدرك أنّ مثل هذا العالم قد لا يوجد قط، لكن ما يهم هو التمسك بالحلم والعمل على جعله ممكناً بالفكر والممارسة. وقد جسدت بالفعل، في كتابتها ومواقفها، تلك المحاولة لفهم العالم عبر الدعوة إلى «هوية» كوسموبوليتانية تتطلب خيالاً لخلق مكان آخر: مكان تنتقل فيه الذات من الهوية الأضيق متمثلةً بالانتماء العائلي والعرقي والطائفي إلى الهوية الأوسع، متمثلة بالإنسانية بوصفها كياناً واحداً. لكنها ترى أنّ أكبر عقبة أمام هذا الانتقال تتمثل في الأصولية اليهودية «لأن اليهود في نظر اليهود أنفسهم لا ينتمون إلى أي فئة من الناس، بل يريدون جرّك إلى الوراء، والتماهي معهم يعني الانحدار إلى الهاوية، وإهدار فرص النجاح، وإلغاء الوجود الرمزي. فالتمسك بالشعور بالهوية اليهودية ينطوي على تمييز طبقي قوي وواضح. ومن هنا يمكن تفسير معاداة السامية بسبب السلوك السيّئ لبعض اليهود؛ وإن لم تنشقّ عن الأسرة والجماعة، فستجد دائماً من يدّعي القرابة معك، وهو من «النوع السيّئ» من اليهود».
ويزخر شعرها ونثرها بالتعبير عن هذا الانشقاق أو الانفصال الجذري:
«جُذُوري ليستْ قُيُودي»
«مُنفصلةٌ من الجذْرِ، مرفوعةٌ في قلعةٍ من الهواء؟»
«مُنفصلةٌ من جُذُوري، لستُ من الأغيارِ ولا من اليهود».
وقد جعلت العبارة الأخيرة عنواناً لمقالها «الانفصال من الجذور: مقال عن الهوية اليهودية» الذي أعادت فيه مراجعة تراثها اليهودي العائلي لتعبّر عن مشاعرها المناقضة للتراث اليهودي برمته. وتتساءل كيف يمكنها التوفيق بين التقاليد الأبوية لليهودية وبين قيمها النسوية؟ فهي وفقاً للشريعة اليهودية «التي تُعرِّفُ اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية» لا تعدّ نفسها يهودية لأنَّ والدتها بروتستانتية. «فحتى وفقاً لنظرية النسوية، لا أستطيع -بل لا أحتاج-أن أصنف نفسي يهودية».
وتقتبس الجملة التي كتبتها فرجينيا وولف في كتابها النسوي المناهض للفاشية «ثلاثة جنيهات»: «بوصفي امرأة ليس لدي وطن. بوصفي امرأة لا أريد وطناً. بوصفي امرأة وطني هو العالم بأسره».
وفي محاضرة قدمتها في «جامعة كامبريدج» عام 2002، دعت اليهود إلى «طلب الغفران» لما اقترفوه ضد الشعب الفلسطيني: «بدأتُ بكتابة هذه المحاضرة في رأس السنة اليهودية، وفي السنة الثانية من انتفاضة الأقصى الفلسطينية. إن هذا التوقيت ودلالاته اليهودية يتيح فرصة للتأمل، والشعور بأنّه وقت الحساب حقاً. إنه مناسبة للاعتراف بالذات والآخرين، والاعتراف بانتهاكاتنا ضد الآخرين، وطلب المغفرة، وتغيير طرق وجودنا في العالم».
وخلال حرب غزة 2008-2009، كانت من أبرز الشخصيات التي دعمت الحملة الأميركية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل. ونشرت بياناً أوضحت فيه أنّ موقفها يأتي في سياق تضامنها المستمر مع المقاومة الطويلة للشعب الفلسطيني ولأن إسرائيل دولة عسكرية وقمعية، ولأن المؤسسات الأكاديمية، من حيث تمويلها وسلطتها وتوجهاتها، منخرطة بل متورطة في القوة الاقتصادية والعسكرية للدولة. وقد سارت وسائل الإعلام والمؤسسات والسياسة الرسمية الأميركية في ركابها.
وكان من المحتم أن تتهم ريتش بأنها معادية للسامية، فهي ليست أول من ألصقت به هذه التهمة النموذجية الجاهزة لإدانتها إسرائيل والصهيونية، وحتى اليهودية، فقبلها اتهم عزرا باوند بل وصم بالجنون لأنه أعلنَ بالأسماء والوثائق، أنّ الصيارفة اليهود، ونزعة الربا المتأصلة في نفوسهم من الأسباب غير المرئية لاندلاع الحربين العالميتين وما قبلها من حروب كبرى شهدتها أوروبا. ولا يزال عدد كبير من النخبة اليهودية من أكاديميين وكتّاب وفلاسفة وحاخامات يجاهرون بوصف إسرائيل دولة عنصرية، وكياناً غير شرعي كان تأسيسه خطأً بالأساس، ووجوده بحد ذاته تشويهاً لليهودية مثل عالم اللاهوت مارك إليس والحاخامين ديفيد فايس وبرانت روزن الذين يرون الصهاينة أسوأ من النازيين.
كتب ألفين روزنفيلد في كتابه «معاداة الصهيونية ومعاداة السامية» أنّ وجود مثل هذه الأصوات اليهودية داخل المعسكر المناهض للصهيونية يدحض الادعاءات التي تساوي بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية. فإذا كان هناك عدد كبير من المثقفين اليهود المعروفين أمثال جوديث باتلر، ونعوم تشومسكي، وريتشارد فالك، ونعومي كلاين، (على سبيل المثال لا الحصر) يعبّرون عن مواقف معادية للصهيونية، فمن يستطيع بعدها أن يزعم أنّ معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية؟
* شاعر وكاتب عراقي
