النشيــــــــد الأولمبــــــــي (*)


ثمّة فارق ما بين الجوع وبين اشتهاء المرء لطعامٍ محدّدٍ دون غيره، فالجياع عادةً لا يأكلون استجابةً لنداء المعدة، بقدر ما يرغبون في تحريك أصابعهم، وما تخفيه الأمعاء ستفضحه النبرة والوجوه والنظرات المُنكسرة في ما بينهم. لم يعد الجوع كافراً؛ لقد أعلن إيمانه، وصارت حاله حال كلّ مؤمن يرجو الخلاص.
في الوقت الذي كان فيه الناس على الضفّة الثانية يناقشون ميزات طعامٍ عن آخر، ويحفظون عدد السعرات الحرارية التي تحتوي عليها حبّة جوز أو شريحة لحمة من أجل الحصول على أجساد رشيقة، كانت علياء تسأل أباها إن كان يريد البيض مسلوقاً أو مقليّاً. سألته وهي في يومها الثاني من دورتها الشهرية، لقد كسرت ثلاث بيضات لهما، وقطّعت بصلةً صغيرة وحبّتي بندورة، بينما كان صوت فيروز في هذا الصباح الخريفي يحاول أن يرمّم لها شيئاً ممّا تشعر به من انكسارات؛ ألم دورتها الشهريّة، أبوها المرميّ على سرير المرض، الحال التي وصلت إليها البلاد من بؤسٍ ودمار، والبيضات الثلاث الوحيدة التي كسرتها، كما لو أنّها تكسر أحلامها التي لم ترَ منها أيّ شيء.
وضعتْ طعام الإفطار على الطاولة التي شهدت الكثير من الوجوه في وقتٍ سابق، وجلست في الجهة المقابلة لأبيها. كانت نظراتهما نظرات خادعة، هو يُشعرها بأنّه بخير، كي يحرّرها من كلّ هذا العبء، وهي تُشعره بأنّها على ما يُرام بتحريك شفتيها مع كلمات أغنية فيروز، وبطبيعة الحال فإنّ صوت فيروز أصبح مثل هدنةٍ متّفقٍ عليها بين الناس لعدم قدرتهم على التحدّث في ما بينهم في الصباحات.
في أحد أحياء مدينة اللاذقيّة الواقعة على الساحل السوري، تعيش علياء التي بلغت التاسعة والعشرين من عمرها، حاصلة على شهادة الأدب الإنكليزي من «جامعة تشرين»، لها وجهٌ وديع بعينين كأنّهما زجاجتان شفّافتان بنصف ماءٍ ووردتين، وشعرٌ أسود طويل مموّج، ونهدان يحثّان هواة الفنّ على رسمهما في الهواء بإصبع الإبهام. تعجبها الحالة البشريّة التي تسري في عروقها، وثمّة حالةٌ من الألفة لتلك الأخطاء التي ترتكبها بين الحين والآخر. تكره الكمال، وتدين المخطّطات التي يسير عليها البعض لتحقيق أهدافهم الكبيرة، فهي تتحرّك ببطءٍ يمنحها شعوراً عارماً بالحرّية. حتى عندما تمارس رياضة الركض الصباحي على الكورنيش البحري، ترى الوجود مسترخياً، وحتّى لو كانت مسرعة، فهي تتعاطى مع العالم كما لو أنّه قُبلةٌ بطيئة ما بين السماء والأرض. هي التي تتذكّر كيف أصابها جرحٌ صغير في يدها عندما كانت صغيرة، وراحت تراقبه، حينها مدّت يدها نحو الشمس لترى كيف يتخثّر الدم على الجلد، وفي اليوم الثاني رأت هذا الدم اليابس مثل وجهها البريء الذي يخفي وراءه الكثير من الأشياء. أحبّت الطبيعة التي حدثت فوق ذلك الجرح، وفي اليوم الثالث راقبت القشرة اليابسة وهي تتشقق من تلقاء نفسها، كما لو أنّ ثمّة ولادةً جديدة على يدها، حتّى إنّ مفهوم مرور الوقت أعجبها، وهي في هذا العمر دوماً ترى أنّ مفهوم الزمن على علاقةٍ وطيدة باللغة، سواء أكانت لغةً منطوقة، أم لغةً تدور ما بين المرء ونفسه، وهذا ما يجعل علياء تبدو جميلةً في عالمها الداخلي، حتى في لحظات انكسارها.
لها أخٌ بلغ العشرين من عمره، اسمه فادي، غادر إلى ألمانيا مع خالها فادي الذي ليس على وفاقٍ مع أبيها. وهذا الخال بلغ الخمسين من عمره، عقيمٌ وليس له أولاد، بقي متزوّجاً عشر سنوات ثمّ انفصل عن زوجته، ويعتبر أنّ ابن اخته فادي هو من رائحة أخته، وأنّه حصّته من الحياة. بعد ذلك، اتّفق مع فادي على الرحيل إلى أوروبا على نفقته الخاصّة، وكانت الأمّ قد اختارت هذا الاسم لابنها تيمّناً بأخيها. لم يكن الأب راضياً عن هذا الاسم، ولم يكن راضياً عن رحيل ابنه مع هذا الخال، لكنّ ظروف البلاد جعلته يرضخ لذلك، وبطبيعة الحال لم تكن العلاقة بينه وبين ابنه فادي على ما يرام، بسبب هذا الخال. ولها أختٌ تكبرها بخمس سنوات، متزوّجة ومقيمة في دبي مع زوجها وطفلين تحت العاشرة، تعمل في السلك التدريسي في إحدى مدارس المرحلة المتوسّطة. كانت قد تزوّجت بأحد زملائها أثناء دراستها الجامعيّة، وكان زواجاً جيّداً إلى حدٍّ مقبول، رغم أنّها كانت تودّ أن تأخذ مساحةً من الحياة ومغامراتها قبل ارتباطها الذي اختصر عليها الكثير ممّا كانت تريده من الحياة.
ذات مرّةٍ اعترفت لعلياء بأنّها معجبةٌ بها، وبالبطء الساحر الذي تسير عليه، وبقدرتها على جعل الخاسر يشعر بالراحة إذا ما جلس معها، وهذا ليس إحباطاً أو يأساً في شخصيّة علياء، بل حالة اكتفاءٍ بذاتها لدرجة قد تستفزّ الذين يصارعون الحياة ليجدوا لأنفسهم مكانةً بين عيون الناس، دون معرفةٍ منهم أنّ عيون هؤلاء الناس قد لا تبصر إلّا نفسها، ومن الصعب أن يمنحوا الآخر ما يستحقّ من تلك النظرات. لذلك نجد أنّ المرء يبدو أكثر سعادةً كلّما كان قدره مرهوناً بمحيطٍ تقلّ فيه الأسماء، ويقلّ فيه الصراع نحو المجد وهوس الظهور، وأنّ أكثر الذين يزجّون بالناس نحو المجد هم أولئك الذين يعبثون بمعايير العدالة ومعايير الاستحقاق، ليجدوا لأنفسهم مكانةً مع من لا يستحقون ذلك، وبذلك تتحوّل الأشياء إلى فوضى مستفزّة تفتك بمن لديهم الفرصة لقول شيءٍ مفيد في هذه الحياة.
ماتت الأمّ قبل ستّ سنوات، كانت تعاني من ارتفاعٍ في ضغط الدم، ورافق مرضها هذا سحب ابنها للتجنيد الاحتياطي في جيش النظام الحاكم، وبعد ذلك بسنةٍ واحدة لقي حتفه في أحد الاشتباكات مع قوّات المعارضة، ما سبّب لها الكثير من الحزن والأسى. ثمّ تدهورت صحّتها، وصارت الكوابيس كما لو أنّها تمتصّ دمها بعد رحيل ابنها الذي كان يعاني من اكتئابٍ بدرجةٍ عالية، ويُقال إنّه هو من أطلق النار على نفسه. وهذا القول أكثر ما زاد من حدّة كوابيسها واكتئابها قبل موتها، ولقد حاولت معرفة الحقيقة، لكن دون جدوى، بينما الأب لم يكن يريدها أن تسعى وراء ذلك، كلّ ما في الأمر أنّ ابنهما لم يعد موجوداً، سواءٌ مات برصاص قوّات المعارضة، أو برصاصة انتحارٍ على يده.
علياء كان يراودها شبه يقين بأنّ أخاها هو من قتل نفسه، فقبل أسبوعين من موته كان في إجازة لثلاثة أيّامٍ في المنزل، جلس معها يشربان المتّة تحت شجرة الزنزلخت التي بجانب المنزل، كان ذلك في صبيحة يومٍ خريفي كلّ ما فيه هادئٌ ما عدا ارتعاشات الحنين التي بدت في عينيه أثناء شهقات الماء العابر من ثقوب مصّاصة المتة، وكان يميل بعنقه بلطفٍ شديد، كما لو أنّه قطعة قماشٍ بيضاء على حبل غسيلٍ فوق السطح. كانت علياء عاجزةً عن نطق أيّ كلمةٍ في حضرة هذا الصمت الممزّق بالجمال، فبقدر ما كان المشهد مريحاً، كان مصحوباً بشيءٍ يشبه الوداع، فلقد كانت نظراته تشير إلى سعادةٍ تتعلّق بأشياء بسيطة، ولكنّ العالم من حوله يريد أن يمنعه منها عبر سفك الدماء من أجل شيءٍ لم يعد يستوعبه. كان في إمكانه أن يصرخ في هذه اللحظات كالصرخة التي في لوحة مونش، ولكنّه استبدلها بلوحة «الوقت الذائب» لسلفادور دالي. كلّ هذه المشاعر المتضاربة دارت في ذهنه، وكانت علياء قادرةً على فهم ذلك، دون أن يتفوّه بشيء، فعادةً يأخذ الصمتُ أقصى حالاته عندما يصل المرء إلى مسألةٍ تحتاج إلى وقتٍ مجهول ليتحقّق ما يدور في نفسه، وهذا الانتظار يكفي لقتل المرء بالأرق، فهو لا يعرف متى سينتهي هذا العبث، ولا متى سيجلس جميع الناس بسلامٍ لشرب المتّة مع من يحبّون. هذا ما كان يدور في رأس أخيها رواد في تلك اللحظات.
(*) مقطع من رواية بالعنوان نفسه صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» بيروت
(**) روائي سوري، مواليد 1980، مقيم في برلين، وأصدر عدداً من الروايات، أشهرها «الشاهدات رأساً على عقب» (2013). «النشيد الأولمبي» هي روايته الرابعة الصادرة عن «دار نوفل » بعد «الباندا» (2017) و «ممر المشاة» (2020)، و«الكعب الأبهر» (2021).
