ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

حكايةُ الغائب

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة
هدى الهرمي
هدى الهرمي
السبت 14 كانون الأول 2024
علاء البابا (فلسطين): المخيم (زيت على قماش، 2021)
علاء البابا (فلسطين): المخيم (زيت على قماش، 2021)
الخط


خرج إلى شوارع غزّة، شوارع يملؤها ضوء الشمس السّاطع. تحرّك من أمام مقهى مزدحم غالباً ما كان يمكث به مع رفاقه سامر ومؤمن وجهاد. أطال النظر إلى المكان فشعر بإعياء مدمّر وسرعان ما تجمّد في مكانه ولم يعد يشعر برجليه. كأنّ وعيه توقّف على حين غرّة. مرّت لحظة قبل أن يتنفّس وينجو من سقوط مفاجئ، ثمّ تابع سيره بخطوات متعثّرة دونما بوصلة. مرّ بالكثير من المارّة والبائعين المتجولين المبللة وجوههم بالعرق وهي تنوء تحت ثقل الحياة بسبب حصار قاسٍ غيّر الكثير في القِطاع. ظلّ تائهاً في مساره، إلا أنه كان لا بدّ أن يمرّ من ذلك الشارع الرئيسي الواسع رغم توقّف حركة السير بسبب سيارة عالقة. رغم ذلك فقد ميّز بأن المكان الذي يعدو فيه ليس وجهته.
شعر عُمر أنه لا يشغل حيزاً في حياة رتيبة وهو يسير وحيداً بعد أن تغيّر كل شيء منذ فترة ليست بالوجيزة. لقد أصبح جثة متحرّكة بذراع مبتورة ووجه نصف مشوّه إثر قصف عشوائي تعرّض له الحيّ الذي يقطن به منذ سنتين مع بداية الانتفاضة. فكّر بالأطفال الذين هربوا منه حين التقى بهم أول مرّة بعد خروجه من المُجمّع الطبيّ، وبنظرات الجيران المفعمة بالعطف والشفقة. وإذا ما أراد التخلّص من كل ذلك كان يهرع إلى جهة خالية من السُكّان مثل خُفّاش أعمى ينطلق بين جدار وآخر.
خلف زجاج النافذة، في غرفته الضيّقة، أحسّ بأشياء غريبة وبهمود يعرقل شعوره بذاته من دون توقّف. أفزعه أن يدرك بأنه يبدو غائباً عن الحقيقة، مثل محاولة الهروب من يتمه المبكّر إثر مجزرة ارتكبها جيش الاحتلال في المخيّم وأودت بحياة الكثيرين ومن بينهم أفراد عائلته. لكنه نجا بأعجوبة. لقد كان الغائب الوحيد عن البيت برفقة عمّه بحيّ الشجاعية.
كان ما يزال يحدّق في الأفق من وراء النافذة. بدت له النجوم المتفرّقة أرواح الشهداء، بدءاً بوالديه وإخوته الثلاثة، ورفاق دربه المنتمين إلى فصائل المقاومة.
لم تكن الحكاية هيّنة، فهو لم يحمل سلاحاً يوماً، وكان يعوّل على الهجرة إلى السويد بعد التخرّج بدرجة امتياز من كلية الهندسة كردّ لجميل عمّه الذي تكفّل به رغم كلّ الصعوبات.
كان دافعه إلى الشعور بالضياع هو مقدار غيابه عن الواقع، ومحاولاته المتكرّرة في الهروب من كلّ شيء حتى من نفسه.
ثم فكّر بأنه يبدو منفصلاً وغير مُبالٍ بما حصل منذ طفولته، لكنه لم يستطع أن ينسى أنه ابن وطن مُنتفض وصاحب حقّ مشروع، وشعر فجأة أن الشيء الوحيد الذي سيثبّت قدميه في الأرض هو أن يعطي لحياته معنى وأن يجد نفسه الضائعة. إنه شيء يُشبه مواجهة جراحه القاسية وحيرته الشّاسعة.
استمرّ في استرجاع عدّة تفاصيل وبدا كأن الذكريات تحاصره وتنفض عن ذهنه كلّ المحاولات في طمس هذا الحزن الحارّ. وفضّل أن يظلّ مستيقظاً طوال الليل ويؤدي صلاة الفجر عسى أن يشعر بالسكينة وتنقشع هواجسه الرمادية ليظهر الطريق. كان الجوّ غائماً مع بداية النهار. وقفت سيارة جيب عسكرية أمام بيت عمر ثم نزل منها جنديّ مدجّج بالسلاح والعتاد. راقب مدخل الحيّ، ثمّ أشار إلى أحد رفاقه للنزول من الجيب هامساً ببعض الكلمات العبرية.
طوّق الجنديان المدخل في دقائق معدودة. دفع أحدهما الباب بقوّة لكنه فشل في فتحه، فأعاد الكَرّة وهو يكيل السبّ والشتم للباب اللعين. أما الجنديّ الآخر فلم يتمالك نفسه وهو يحطّم زجاج النافذة ببندقية «تافور إكس-95 » ثم يلقي بقنبلة يدوية لتنطلق بعض الشظايا خارجاً جرّاء التفجير الهائل. انطلق بقيّة الجنود نحو الداخل وتمّت محاصرة المكان بأكمله، وفوق الركام والأثاث المبعثر كانت الأقدام تركل كلّ شيء تقف عليه أو تصطدم به بينما الأنفاس المتقطعة تثقل شيئاً فشيئاً بسبب الدخان الكثيف.
لكن عمر لم يكن في الداخل. لقد غادر البيت قبل المداهمة ليتنشق عبق الحريّة والحياة بعد أرق شديد استحوذ عليه طوال الليل. كان يحس أنه وحيد وتائه. فكّر بأنه لا بدّ أن يصنع شيئاً لنفسه ولهذا الوطن الذبيح، وأجبره الفجر على التيقّظ وهو في سجنه المفتوح الذي يفصله عن الأهل والرفاق في البلدات الفلسطينية المجاورة بدءاً بالحواجز ثم الحدود الإجبارية. نهض من السرير فجأة فاصطدم رأسه بإطار خشبي يضمّ صورة له مع رفاقه المجاهدين في مخيم الشاطئ. حدّق في الوجوه المتلألئة وقد تدفّق إليها ضوء حادّ بعد أن فكّ مصراع النافذة ليستقبل نسائم النهار الجديد. وسرعان ما غمره إحساس بالحنين والفقد. وهو ما يحدث كل يوم.
ابتلع ذكرياته وهو يشرب الماء من كأس فوق منضدة صغيرة. ظلّ قابضاً على الإطار بيد متشنجة ولم يكفّ الصوت العميق داخله من الثرثرة وغدا ضجيجاً حقيقياً. اندفعت أطياف رفاقه أمامه وهي تلوّح برايات النصر ثمّ تطوّقه بعيون ثائرة وأجساد مضرّجة بالدماء وقبل أن تختفي وتمتصّ خوفه شعر بثقل يده المبتورة ثم بدأت تتمطّط وتتمدّد أكثر فأكثر حتى أصبحت مصلوبة على جسده.
التفت برأسه إلى اليسار ثم اليمين وتمادى في البحث عن رفاقه حتى ظهر أمامه سامر. سار نحوه ببطء حاملاً سلاحاً. إنه مسدس أسود كاتم للصوت. سرعان ما أسقطه فوقه. كلّ هذا جعل عينيه تزوغان ذعراً لينخطف وعيه في لحظات، ثم يختفي كلّ شيء. لم يستطع السيطرة على ذلك الشعور بالغياب المنبثق من الخوف، ما دفعه إلى الهروب من نفسه. فارقه الاضطراب وخُيّل إليه أن حكايته ستبدأ الآن حين يغادر جدران هذا البيت الصغير وينصهر وجوده برقعة وطن شاسع. لكنه لم يعرف قطّ ماذا كان مُحتملاً أن يحدث لو التحق باكراً بفصائل المقاومة وضمن لنفسه البطولة من أجل القضية رغم عدم مقدرته على حمل السلاح وإطلاق رصاصة واحدة. إنه يشعر بغيظ أو الأصح بالقهر.
وفجأة، نسي إعاقته وتذكر شيئاً واحداً فقط. شغفه بالهندسة وتخصصه في هندسة الاتصالات والترددات اللاسلكية ومعالجة الأجهزة الإلكترونية. إنها المهارات والأنشطة التي تتيح له الانضمام لسلاح الهندسة. هكذا خمّن بعد أن بدأت الصورة تتوضح أكثر في ذهنه. لم يكن يظن لحظة واحدة أنه قريب من فعل المقاومة. كلّ الوقت كان يعتقد أنه يعيش بلا جدوى، ولم تكن عنده مقدرة التوغل في الحياة.
قالوا له مرّة إن الشعور بالإحباط والعجز لا حلّ له إلا بمواجهة الواقع. وقرأ يوماً في كتاب أرض البرتقال الحزين: «إن الحياة لا قيمة لها قطّ إن لم تكن دائماً واقفة قبالة الموت»، وهو العاشق لكل ما يكتبه غسان كنفاني، ولكنه لم ينتبه لكل ذلك، لقد فوجئ بوعي يتكوّم داخله ويختطف صوراً وأشياء وأطيافاً عدة لأناس مرّوا بحياته القصيرة لتدخل إلى مسامات جلده وتوقظ دمه المتخثّر قبل أن يصبح مصيره مُعلّقاً بهجمة العدوّ.
* تونس العاصمة

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك