عبّاس بيضون في مدارات الحب والدين و «الجماعات القلقة»


«الشيخ الأحمر» هو العنوان الذي اختاره الشاعر اللبناني عباس بيضون لعمله الروائي الجديد والصادر أخيراً عن «دار الشروق» المصرية (2024). ولئن ارتبطت تسمية «الشيخ الأحمر» في القرن الماضي بالعلامة الشيخ عبدالله العلايلي الذي عُرف بمواقفه الفكرية واللغوية التجديدية وشارك في تأسيس أحزاب عدّة، من بينها «الحزب التقدمي الاشتراكي»، إلا أنّ بيضون يحيلنا في عمله الجديد إلى سيرة مغايرة للشيخ «عبد الحسين» الذي ينشأ في قرية جباع العاملية في فترة ما من الوصاية العثمانية على بلاد الشرق، ثم يسافر إلى النجف. يصف بيضون بسلاسة ويسر هذه الدائرة الدينية والفقهية، حيث تربط أواصرُ التشيع الاثني عشري البيئةَ العاملية المحلية بالفلك العراقي الأوسع بكل تقاليده وطقوسه وفولكلوره. فالعراق هو موضع العتبات المقدسة التي تضم رفات كبار الأئمة مثل علي بن أبي طالب، والحسين الشهيد، وموسى بن جعفر، والإمامين الجوادين في سامراء. كما تحتل حوزات التعليم الديني في النجف الأشرف موقع القطب من الرحى في حفظ التراث الإمامي الروحي والفكري والحيلولة بين الشيعة والانقطاع عن ماضيهم. لا يكتمل حجّ هؤلاء إلى الديار المقدسة في مكة والمدينة المنورة ويبلغ التمام إلا بترددهم على مقامات العراق ومزاراته. كذلك كان العراق مقصد طالبي العلم من أقطار العالم الإسلامي كافةً ممن يعوّل عليهم أهلهم لتحصيل علوم الدين والشريعة، وللقيام بمهمات رجل الدين المعمّم بكنف جماعته المحلية، وكذا هي حال الشيخ عبد الحسين الذي ينتمي إلى قرية جباع في إقليم التفاح التي لطالما اشتهرت بأنها من المدارس الدينية المهمة التي خرج منها زين الدين الجبعي (1505-1559م) الذي يسميه الشيعة «الشهيد الثاني» واشتهرت باتصال قوي بمراكز الفقه الإمامي في العراق وإيران.
يعود الشيخ إلى بلدته ليواصل حياته في خدمة الدين ومجتمع المؤمنين، وقد تزوج «خديجة»، وهي امرأة عراقية وأنجب منها ولدين هما «زيد» و«آمنة». كما تصحبه شقيقة زوجته «عاصمة» التي تتحول تدريجاً لتصبح سيدة البيت بشخصيتها القوية ووراثتها لتقاليد مدينية راسخة من بيئتها الأصلية. يضعنا بيضون في طيات السرد في متناقضة بين العالم الخارجي للشيخ الذي يربطه ببيئة المؤمنين، إذ تريد الجماعة المحلية أن ترفعه إلى المكانة التقليدية لرجال الدين بكل ما يلزم هذه المكانة من سطوة وعدّة الخطابة والوظيفة الفقهية والسياسية التي تتوسط المسافة بين الشعب بمزارعيه وكادحيه وعامّته وبين زعمائه الإقطاعيين من جهة، ومن جهة أخرى بين عالمه الداخلي حيث تنمو قناعة فعلية بأنّ الدّين عبارة عن أسلوب حياة، وسلوك، وطريقة عيش. كما ينطوي ذلك العالم على بذرة من الجرأة أكثر ما نجدها في العائلات ذات التقاليد الدينية الراسخة بأنّ الدّين ليس مقدساً، بل على المرء اختراعه وممارسته، لتلتفّ حول قناعات الشيخ مجموعة من المثقفين أو الانتليجنسيا التي تمثل القابلية الشيعية لقبول الجديد ولتَبنّي الاقتراحات التي تأتي من الخارج، وخصوصاً إذا ارتبطت بأخذها إلى الحداثة من ملابسها وأناقتها وتقاليد الاغتسال والتأنق (ينقل بيضون في كتابه الحواري مع حسين مروة بعنوان «ولدت شيخاً وأموت طفلاً» أنّ الأخير اتّهم في دينه لانتعاله حذاءً لامعاً، وهو ما اعتبر في حينه نوعاً من التغريب والخروج عن المألوف). فهناك شعور دائم يتملّك تلك «الأمة القلقة» بحاجتها إلى اقتراحات الآخرين بسبب عطش وجودي إلى من يُقدّم لها شيئاً جديداً، أو يأخذ بيدها ويُدخلها إلى العالم من باب أوسع، إلى من تشعر معه بدرجة أقلّ من الارتباك في وجودها.
ينجح في نقل مناخ إيروسي حسّي يطلع من تفاصيل في غاية الدقة
ارتباك لازمها حتى الزمن الحالي ومنه كانت قومية بعض تلاوينها في مرحلة ما، ثم تقلّبها بين بعثية أهلها وشيوعيتهم وصولاً إلى خمينيتهم. يولع الشيخ بالفلسفة، ما يكسبه لقب «الشيخ الأحمر»، ويولع بالنساء ويستفيد من الإرث الديني الكبير الذي ترد فيه أحاديث ومرويات من قبيل «العبد كلما ازداد للنساء حباً ازداد في الإيمان فضلاً»، إضافة إلى الهامش الكبير الذي توفره سلطة رجل الدين في التعاطي مع الأرامل والمطلقات ضمن بيئة اجتماعية ذات تراتبية صارمة وتشريعات اجتهادية على هوامشها كزواج المتعة الذي يسمح بالخروج من إطار الزواج التقليدي، وهو ما يوفر للشيخ علاقات متعددة مع «وجيهة» العاشقة المتيّمة التي تكمن له عند كل موضع وتنجح في نهاية المطاف في أن تحظى برتبة زوجته الشرعية بعد وفاة زوجته، وكذلك علاقته بالحاجة «نظام» الأرملة الميسورة التي تحلّ ضيفةً على حياة الشيخ وتقترح أن يتزوجها قبيل وفاة زوجته لتتحول العلاقة بين المرأتين إلى نوع من المودة والعناية، لكن بيضون يبرع في أخذنا أبعد من المستوى الأول المباشر في علاقة الرجل بالمرأة الذي تمثله هذه العلاقات المتشعبة للشيخ إلى أفق فرويدي لعلاقتين نقرأهما كلما تطورت الحبكة: الأولى بين الشيخ والأختين «خديجة» و«عاصمة»، فموت الزوجة يضع العلاقة بين عبد الحسين وأختها التي تجد في نفسها ميلاً إليه على المحك، ويضع كلاهما أمام صراعات معقّدة وحساسة، إضافة إلى آمنة التي يفرد بيضون فصولاً كاملة من الرواية لتصوير علاقتها بحبيبها الضابط العثماني الذي يقضي نحبه بمرض مفاجئ، لتصير حبيسة وصيته بالزواج من شقيقه: في التحليل الفرويدي، يَنفرد جانب من العقل للوقوف في وجه النزعات والرغبات الغريزية وكبتها متى تعارضَت مع النُّظُم والقوانين والمطالب التي تمليها البيئة (الأم أو البيئة والعرف). ويسمَّى هذا الجانب في مجموعه بالقوى الكابتة، فهو لا يسمح بالظهور إلا لِما يُوافق عليه المجتمع كما يتمثَّل في السلطة الحاكمة أو سلطة العرف التي تجبر «عاصمة» على التنازل عن رغبتها المكتومة في زوج أختها كي لا ترث أختها في مخدعها، وهي التي أحبتها حبّاً جماً، وكانت قيّمة على أسرتها في حياتها وطهّرت بيت الشيخ من محظياته بعد وفاتها صوناً له كبيت علم وتقاليد. تنحى «آمنة» في رواية بيضون منحى مختلفاً عن خالتها، فبدلاً من أن تخضع رغبتها أو تَحتال على الرقيب فتظهر مُتخفيةً في صور رمزية، نراها تفضّل كسر طوق القوى الكابتة، فتذهب في نهاية المطاف إلى القتل الرمزي للرقيب ووصيته (التي بعكس ما تنص عليه، تلقي بالحرم الأبدي على علاقتها بشقيقه)، فتنجح بمعية الأخير وإصراره على حبها أن تخرج من متلازمة سفاح القربى إلى الحب الطوعي. ينجح بيضون أيضاً في نقل مناخ إيروسي حسّي يطلع من تفاصيل في غاية الدقة نعثر عليه في طقوس اغتسال الشيخ وتفضيله لهذه المتعة على اللقاء بجماعة المؤمنين، أو أكثر في مشهد اغتسال الفتاة. مشهد يتقاطع جزئياً مع الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا في «دفاتر دون ريغوبيرتو» وهي الجزء الثاني من تحفته «امتداح الخالة» حيث اللوحات الإيروسية في صالتي الحمام والمرحاض تختلط بطقوس النظافة الجسدية للدون الذي يخصص كل يوم في الأسبوع لعضو من أعضاء الجسد، ويحيلنا إلى فانتازيا تحضير ذلك العضو لدور محدد في الاتصال الجنسي بحبيبته. كما يركز بطل يوسا على عملية التغوط والتبرز كعملية تحمل بُعدي التطهير والسعادة، وضرورة ممارستها بتؤدة وتركيز ومراقبة لطيفة لانزلاق تلك الفضلات من الشرج. الإيروسية عند بيضون أغزر باللغة الشعرية أثناء مشهد اغتسال آمنة التي لا تستحضر رجلاً بعينه لاستكمال ثنائية الرجل -المرأة (تغيب الإيروسية بالكامل عن لقاءات آمنة بخطيبها الضابط وتستبدل بملامسات أو ملاطفات خفيفة)، بل يتحول الماء المنسكب في ضربة فنية جميلة إلى رجل يلامس الفتاة المغتسلة. كما أنّ لعبة الفتاة مع الصابونة مثيرة في اكتشاف الفتاة للشهوة (استعمال الصابون في البيئة علامة على شهوة الجماعة على انتقال الجماعة من طور إلى آخَر في الحداثة)، وتعرّفها على جسدها. ينجح بيضون في تطوير مشهد ايروسي مكتمل بعيد عن البورنوغرافية بشخص واحد (آمنة) في مساحة ضيقة (الحمّام وحفرة المرحاض) وبعناصر بسيطة (الماء والصابون): «لقد تجرأت أخيراً ومرَّت بالصابونة على عنقها. فعلت ذلك وهي تكاد ترتجف خوفاً، لحظة نزلت الصابونة على صدرها كانت حاسمة إلى درجة الخطر، كأن هذا اللقاء بين الصابونة وجسدها يحدث كالخطر». بين انطلاق بيضون من مسقط رأسه الأبوي في الشعر (قصيدة صور)، واستلهامه أحداث عمله الروائي هذا في مسقط رأس والدته (جباع)، لا يزال يحفر في الأسئلة القلقة في الدين والحب والحداثة وهوية الجماعات القلقة وحاجتها الملحّة والمستمرة ربما إلى «شيخ أحمر».
