الأدب الفلسطيني شاهداً على حياة أصحاب الأرض

ما زال الأدب الفلسطيني المقاوم، ينهض من تحت ركام الاحتلال، ليبقى شاهداً على حياة أصحاب الأرض، الذين يمضون في متاهات حياة، تكاد تنعدم مقومات الأمان فيها، حتّى في أشدّ الأيّام التي تبدو طبيعيةً، وسط جحيم الحواجز الذي يفترش طرقات فلسطين. ومن حاجز «قلنديا» المفصليّ في حياة آلاف الفلسطينيين، الذين يعبرونه ليصلوا إلى وجهاتهم بين مدن الضفة والقدس ورام الله، تنطلق الكاتبة الفلسطينيّة باسمة التكروري، لسرد أحداث روايتها «عبور شائك» الصادرة في طبعتها الثانية عن «دار مرفأ للثقافة والنشر» (2024)، والحائزة جائزة مؤسسة «نيكست-بيج» في طبعتها الأولى (2009).
تعتمد التكروري على تقنية «التناوب بين الشخصيات»، لسرد رحلة ثلاثة أشخاص (زياد، منار، شذى) إلى مدينة رام الله، مع قَصّ للأسباب التي دفعت بهم للتوجّه إليها، يترافق مع سرد خاطف عبر أزمنة متنوعة لحياتهم ومنشئهم. يصدُف وجودهم على الحاجز ذاته، ليتضح أنّهم كانوا رفاقاً في الطفولة: «لم تكن الصورة أو الصف التمهيدي هو ما جمعهم فقط، بل أيّام طويلة، وصُحبة طويلة، جمعت الثلاثة في السنتين اللتين سكنت فيهما شذى مع أهلها في حارتهم. بدا للثلاثة أنّ عمراً كاملاً ولّى على تلك الأيّام. عمراً كاملاً جعل رؤيتهم لبعضهم بعد كل تلك السنوات، وهم في شبابهم أمراً غريباً ومضحكاً».
تسرد باسمة التكروري رحلة ثلاثة أشخاص
إلى مدينة رام الله
تُمرّر التكروري عبر روايتها رسائل عدة. بالإضافة إلى الحدث الأساسيّ الذي تُبنى عليه الرواية، أي عبور الفلسطينيّ اليوميّ للحواجز الإسرائيليّة، الذي يبدو خطيراً وليس شائكاً فقط، ثمّة أحداثٌ قاسيةٌ نقرأها، تتعلّق بالفاقة والتحرّش والإدمان والأحياء العشوائيّة والاعتقال. أضف إلى ذلك حياة المرأة الفلسطينيّة في ظلّ النظام الأبويّ الذي يحكم أساساً معظم المجتمعات العربيّة، فيرسم مسار حياتها كما يريد، لا كما تُريد هي، وتمرّر التكروري هذه الرسالة، عبر شخصيّة منار، التي تبدأ صباح ذاك اليوم برحلة بصُحبة طفليها، إلى سجن عوفر، حيث يقبع زوجها المُعتَقل. يتبيّن عبر مجرى الأحداث أنّها رحلة قاسية، إلى درجة تدفعها إلى ما يُشبه محاولة الانتحار: «أحقّاً حصل ذلك؟ هل كانت يائسة إلى درجة أنّ مخيلتها زيّنت لها الانتحار مع ولديها بتلك الطريقة، أم أنّ ذهنها ما عاد قادراً على تحليل الصور التي تراها أمامها؟». والحقيقة أنّها تجاوزت عتبة الألم بدرجات، ويستنتج القارئ ذلك بيُسر، عندما يقرأ سيرة امرأة تسترجع شريط حياتها ضمن مجتمع أبويّ يدفع بالمرأة إلى الزواج من أجل الإنجاب، واستمرار النسل، بغض النظر عن المقدرة الماديّة للزوجين، وظروف المعيشة الصحيّة. إذ فُرض عليها الزواج وهي ابنة الرابعة عشرة، لتجد نفسها في السادسة عشرة أمّاً لطفلين، يُعتقل والدهما، لتنهال عليها بعد اعتقاله مُسكّنات لفظيّة، أكبر من مقاسها، إذ كانت حينها لا تزال طفلة ترتدي ثوب امرأة: «السجن للرجال، صرتي مرت مُعتقل، مرت بطل... إلخ». تتركها الحياة بذلك وحيدة في غرفة مُتعفّنة من رطوبتها، جُدرانها مُتقشّرة، ولها شُبّاك صغير بإطار خشبي مسوّس، وصنبور ماء يُنقّط بلا انقطاع، تُعشعش فيها رائحة الحمّام العربي الداخلي المُلتصق بها، الذي تتشاركه مع عائلة زوجها التي لا ترحمها، ولا ترحم طفليها.
كان بإمكان الكاتبة أن تبني الرواية بأكملها على حياة قاصر، أصبحت أمّاً عنوةً، وسط فقر وجهل بيئتها؛ لكنّها تستعرض لنا مفارقتين عبر سيرة موجزة لحياة البطلين الآخرين: الأولى مع رفيقة طفولتها «شذى» التي لم تكن حياتها أكثر يُسراً، رغم أنّها أصبحت طالبة جامعيّة، لكن كيف لأنثى أن تنعم بحياة طبيعيّة وسط مجتمع متطرّف ومكبوت، وقادر على ملاحقة فتاة والتحرش بها حتّى تحت رصاص الاحتلال؟ والثانية، مع ابن عمها ورفيق طفولتها زياد، الذي انقطعت علاقتها معه، ومع جميع أعمامها لمجرد زواجها من ابن خالتها، وليس ابن عمها. توضّح التكروري أنّ حياة الرجل ليست أقل صعوبة من حياة المرأة تحت بطش الاحتلال الإسرائيلي، إذ يتحمّل مسؤوليات أثقل من طاقته. ففي ذاك اليوم، توجّب عليه بصفته الابن البكر التوجّه من القدس إلى رام الله، لتسلّم جثة والده من المستشفى، والعودة في أسرع وقت ممكن، لاستكمال تفاصيل الدفن (الإعلان، التغسيل، الجنازة)، فالميت يجب أن يُدفن عقب صلاة الظهر. يُفاجأ عند وصوله باستشهاد عمه، ليُصبح بذلك أمام جثتين: جُثّة أب مُدمن على المخدرات والشرب، وجثمان عم مقاوم! ثمّ ينتبه أنّه نسي بطاقة هويته، وأنّه لن يستطع تسلّم جثة والده من دونها، فيحاول العودة إلى القدس. لكن على حاجز «قلنديا»، يتعرّض لتنكيل الجنود الإسرائيليين ببنادقهم، وبأحذيتهم العسكرية، لاعتقادهم أنّه شخص من رام الله يحاول التسلّل إلى القدس، فيدفعونه إلى الجانب الآخر من الحاجز حيث يلتقي بشذى ومنار، ليسترجعوا معاً خلال تسع ساعات من الانتظار حكايات الطفولة والمدرسة وأسباب فراقهم في حي الزنار المقدسيّ، تحت حبّات البرد التي تزخ بين الحين والآخر. تنهال عليهم القنابل المسيّلة للدموع، ليجلدهم بذلك البرد والدمع والضعف، أمام المجنزرات والدبابات الإسرائيليّة، التي بدأت تجتاح رام االله في ذلك اليوم الموافق لـ28 آذار (مارس) 2002... ذلك اليوم الذي سقطت فيه معاهدة السلام، وكان القرار العسكري فيه يقول: «من داخل الحاجز داخله، ومن خارجه خارجه، لا عبور بين الجانبين، وعلى الجانبين»، لتولد على حاجز «قلنديا» في ذاك اليوم، وتموت مئات الحكايات المُشبعة بالاستنزاف الروحي والجسدي والنفسي لأُناس، حين خرجوا من بيوتهم صباحاً، اعتقدوا أنّهم خارجون إلى الحياة، حياةٌ هي بالأصل قاسية.

