
سواء كنت من عشاق أغنيات أم كلثوم أو من محبي الطقطوقة الشعبية، اعلم أن تفضيلاتك الثقافية ليست مجرد مسألة ذوق أو متعة شخصية. على الأقل، هذا ما أثبته مُحطِّم الأحلام الثقافية عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930 - 2002) في كتابه الشهير «التميُّز: النقد الاجتماعي للحكم» (1979) الصادر حديثاً بنسخته العربية عن «الشبكة العربية للأبحاث والنشر» (ترجمة نصير مروة). بأسلوبه المكثف (الذي قد يجعلك أحياناً تشعر بأنك تائه في غابة من الأفكار)، يستكشف بورديو فكرة بسيطة لكنها مُحيّرة: إنّ ذوقك ليس ملكاً لك بالكامل، بل هو نتاج لعبة اجتماعية مُعقّدة، حيث كل اختيار – من قهوتك اللذيذة إلى أفلامك المفضلة – هو فعل تميّز واستعراض للانتماء الطبقي والاجتماعي.
لنبدأ بجوهر الموضوع: الذوق. في مجتمعنا، يُقدِّر الناس بعض الأذواق ويعتبرونها راقيةً (الأدب الكلاسيكي، الأوبرا الإيطالية، معارض الفن المعاصر)، بينما تُصنَّف أخرى بشكل لطيف على أنها «شعبية ومبتذلة» (كرة القدم، تلفزيون الواقع، وللأسف شغفك بالكاريوكي). هذه التمييزات الثقافية هي في الواقع علامات على المنزلة الاجتماعية، فلكل طبقة إدراك ووعي فنيّ وثقافي يُحدّدهما ما يسميه بورديو بـ «الهابيتوس» الطبقي.
لكل طبقة إدراك ووعي فنيّ وثقافي يُحدّدهما ما يسمّيه بـ «الهابيتوس» الطبقي
أمّا إذا كنت تعتقد أنك روح حرة، فكّر مجدداً لأنّ «الهابيتوس» يمسك بزمامك بقوة. هذا المفهوم، الذي يعد أساسياً عند بورديو، يشير إلى مجموعة من التوجهات المُتجذِّرة بعمق التي تجعلك تحب أطباقاً أو أفلاماً أو أنشطة معينة، من دون أن تعرف السبب. يُعرِّف بورديو «الهابيتوس» بأنه مجموعة من الاستعدادات الدائمة التي يكتسبها الفرد عبر تجاربه الشخصية وجراء تنشئته الاجتماعية لتتحوّل مع الوقت إلى بُنيات مُنظِّمة لسلوكه. على سبيل المثال: إذا نشأت في عائلة تقضي عطلات نهاية الأسبوع في زيارة المتاحف، فسوف تُطوّر ذوقاً «طبيعياً» للفن الانطباعي وستتمكن من التمييز بين مونيه ومانيه. أما إذا كانت أيام الأحاد مخصّصة لمشاهدة المسلسلات التركية وتناول الشطائر، فإنّ «الهابيتوس» يُوجهك نحو الملذات البسيطة والوظيفية. بإيجاز، الهابيتوس يشبه نظارة غير مرئية لا تدرك وجودها، لكنها تلون رؤيتك للعالم.
يتفق بورديو مع كارل ماركس على أهمية الرأسمال الاقتصادي في تحديد مكانتنا الاجتماعية، لكنه يؤكد أنّ الأموال في حسابنا المصرفي ليست وحدها مسؤولة عن تحديد موقعنا الاجتماعي، بل أيضاً محتويات مكتبتنا أي «رأسمالنا الثقافي». «الرأسمال الثقافي» ـــ كما يُعرّفه بورديو ـــ هو مجموعة المعارف والمهارات والقيم والعناصر الثقافية التي يكتسبها الأفراد عبر التنشئة الاجتماعية والتعليم، والتي تُستخدم كوسيلة لتحقيق الامتياز الاجتماعي أو الاقتصادي. يقسم بورديو هذا المفهوم إلى ثلاثة أشكال رئيسية: الرأسمال الثقافي المُتجسّد، الذي يتمثل في المعارف والمهارات المكتسبة كطريقة الكلام أو الذوق الفني؛ والرأسمال الثقافي المحسوس الذي يمثّل الممتلكات المادية ذات القيمة الثقافية مثل الكتب واللوحات الفنية؛ والرأسمال الثقافي المؤسسي (أو الأكاديمي)، الذي يشمل الشهادات والاعتراف الرسمي بالمعارف والمهارات.
تستخدم الطبقات المسيطرة الذوق الفني كأداة لفرض هيمنتها الثقافية على الطبقات الأخرى، حيث يُقدَّم الذوق «الرفيع» بوصفه معياراً عالمياً للفن والجمال. تعمل السياسة، بمعناها الواسع، على إعادة إنتاج هذه الهيمنة عبر مؤسسات مثل المدارس والمتاحف والمعارض الفنية، التي تُعرِّف ما يُعتبر فنّاً وما يُعد ذوقاً جيداً، ما يعزّز التفوّق الثقافي للطبقات العليا. في المقابل، يصبح الفن مساحة للصراع السياسي والاجتماعي، إذ تسعى الطبقات الدنيا إلى تحدي الأذواق «الرسمية» التي تكرّس الهيمنة، وابتكار أنماط فنية جديدة تعبّر عن تجاربها وقيمها الخاصة.
رغم عبقرية بيار بورديو وإسهاماته العميقة، إلا أن أعماله لم تسلم من النقد. يرى بعضهم أنّ بورديو يبالغ في تصوير تفضيلات الإنسان كأنّها مبرمجة مسبقاً، أشبه بقائمة تشغيل على «سبوتيفاي». مع ذلك، لا يمكن إنكار أن أطفال الطبقات العليا لم ينشأوا، غالباً، وهم يشاهدون «غراندايزر» و«ساسوكي». كذلك، انتقد بعض الباحثين أسلوب بورديو ووصفوه بأنه معقّد جداً، ما يجعله عسير الفهم بالنسبة إلى غير المتخصصين، بينما رأى آخرون أنه يُبسّط العلاقة بين الطبقة الاجتماعية والأذواق الفنية بشكل مفرط، ما يجعله أحادي النظرة ولا يعكس التعقيد الكامل للسياقات الاجتماعية المتغيرة. منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو تاريخ صدور كتابه «التميّز»، تغيرت الكثير من المفاهيم بفضل العولمة والانفتاح على ثقافات متعدِّدة، مدعومة بثورة الإنترنت.
اليوم، أصبح ممكناً لشخص من خلفية اجتماعية متواضعة أن يطوّر شغفاً بموسيقى بيتهوفن وموزار أو بالفن التشكيلي، بفضل الوصول المفتوح إلى المعرفة الرقمية. في المقابل، قد تنجذب النخب إلى الثقافة الشعبية، مثل موسيقى الراب أو ألعاب الفيديو. هذا التداخل في الأذواق يعكس تعقيداً حديثاً لم يكن بورديو قادراً على استشرافه بشكل كامل، ما يفرض علينا إعادة النظر في مدى صلاحية نظرياته في سياقنا المعاصر.
كذلك، يؤخذ على بورديو إغفاله للتأثيرات التاريخية التي قد تُعيد تشكيل الأذواق الثقافية مع مرور الزمن، فضلاً عن اتهامه بالاختزال الثقافي لتركيزه على العوامل الطبقية من دون الالتفات إلى عوامل أخرى مثل الجغرافيا، والعرق، والجندر. إضافة إلى ذلك، أثيرت تساؤلات حول دقة رؤيته للعلاقة بين الفن والسياسة، إذ يرى بعض النقاد أنه لم يوضح بشكل كافٍ كيفية تأثير السلطة السياسية في الأذواق الفنية.
من ناحية أُخرى، يجب الإشارة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، التي لم تكن موجودة وقت تأليف كتاب «التميّز»، أصبحت اليوم منصة جديدة لإعادة إنتاج الفروقات الطبقية التي تحدث عنها بورديو، لكن بأسلوب أكثر خفاءً ودقة. فقد أصبحت أذواقنا الثقافية تتشكل وتُعرّف عبر ما نشاركه ونستهلكه على هذه المنصات، إذ باتت متابعة صفحات معينة، ونشر صور لعطلات في أماكن محددة، أو اختيار نوع المحتوى المفضل بمثابة رموز تعكس المكانة الاجتماعية. على سبيل المثال، إنّ متابعة صفحات تعرض وصفات من مطابخ عالمية أو عروض أزياء فاخرة قد تُعتبر مؤشراً على رأس مال ثقافي مرتفع، بينما يُنظر إلى الاهتمام بمقاطع الفيديو الفكاهية أو المسلسلات الشعبية على أنه تعبير عن ذوق «عادي» أو «شعبي». في هذا الإطار، تلعب الخوارزميات التي تتحكم في عرض المحتوى دوراً كبيراً في ترسيخ هذه الفروقات، حيث تعمل بشكل غير واعٍ على فرز المستخدمين إلى فئات اجتماعية تعكس أنماط التمييز الطبقي التي وصفها بورديو قبل عقود، لكن في قالب جديد يناسب العصر الرقمي.
رغم كل الانتقادات، يظل كتاب «التميّز» أحد أهم الأعمال التي صدرت في القرن العشرين، بفضل تحليله العميق للعلاقة بين الثقافة والمجتمع، ودورهما في تشكيل أذواق الأفراد وتقييماتهم الجمالية. في النهاية، لا بد من أن نعترف أنّ قراءة هذا الكتاب تشبه تسلّق جبل مرتفع بحذاء ذي كعب عالٍ. فالأسلوب المُكثّف والمصطلحات السوسيولوجية تجعل الكتاب تحدياً للقارئ العادي. ومع ذلك، من المستحيل أن تنهيه من دون أن يترك أثراً عميقاً فيك، لأنّه يجبرك على إعادة النظر في أحكامك: هل هي فعلاً نابعة من حريتك الشخصية، أم أنها مجرد إرث اجتماعي خفي لا تُدركه؟ فإذا وجدت نفسك متردداً بعد القراءة في الاعتراف بأن طبقك المفضل هو السردين المقلي مع رقائق البطاطا، وليس فيليه السلمون بصلصة الثوم والزبدة أو الأخطبوط المشوي مع بوريه الخرشوف، ستكون قد بدأت تدرك كيف تُصمّم أذواقنا الأكثر حميمية بعناية داخل هذا المسرح الاجتماعي الكبير. وهنا يتضح أن الحريّة الثقافية ليست دائماً كما تبدو؛ بل إن هذا الإدراك هو الخطوة الأولى نحو التحرُّر – ولو قليلاً – من قيودها.

