
انتهت الحرب وما زالت الحروب الصغيرة في داخلنا تشتعل.
كيف ننجح في العودة إلى حياتنا السابقة؟ إلى روتيننا اليومي الذي دائماً ما خلناه مملّاً؟
أستيقظ صباحاً، فأدخل في دوّامة: هل أذهب إلى العمل؟ بأي حال وبأي قوة؟
أريد أن أفرح، أن أتحسّس الفرحة التي كنا نشعر بها، الامتنان، الأمان، والنعم...
ضجة المدينة، انتظار التاكسي، جيراننا الذين يملأ ضجيجهم المكان باكراً، وعائلتي التي أحبّ، ولكن كيف يحصل ذلك؟
أليست العائلة كل شيء؟ لماذا لم نعد كما كنّا قبل الحرب؟ إذ بك تكتشف أنّ الأمان مصدر سعادة كل عائلة!
أذكّر نفسي بالوعد الذي قطعته لها بأن أقضي معها وقتاً أطول بعد انتهاء الحرب، وأهتمّ بجميع التفاصيل التي شغلني العمل والحياة اليومية عنها. فأجد نفسي، منذ اندلاع حرب أيلول، لا أستمع إلى أختي الصغيرة كما كنت أفعل، إلى أفكارها أو أشاركها قراراتها كما تحب... تزداد تساؤلات أخي وتتشعب أفكاره بعد الحرب، كان عليّ أن أصحّح بعضاً منها، لكن لا بأس ربما غداً...
دخلنا في شهر الميلاد، شهر الأعياد، هل نُخرج الشجرة من الصندوق ونتحلّق حولها لنزيّنها؟ هل نجتمع كعائلة ونحتفل ونفرح ولو قليلاً؟ لا، لا فكل ما يحيط بنا حزين. لكن قلوبنا جميعاً متعبة، ألا تستحق أياماً جميلة؟
أتت الإجازة الأسبوعية من العمل. خطّطت أن أجهّز منزل الزوجية الذي سأنتقل إليه قريباً وأرتّب الأغراض وأنجز الأعمال المتراكمة فيه. لكن جسمي وأفكاري لا يساعدانني على ذلك.
«سقطت سوريا». ماذا لو تأخّر سقوطها ليوم واحد؟ لربما كنت أنجزت ترتيب منزلي بشكل أفضل وأسرع. ماذا عساي أفعل بتلك الأفكار التي تجتاحني الآن؟ هل ستعود الحرب إلى لبنان؟ ماذا سيحصل لسوريا؟ وكيف هي حال محور مقاومة إسرائيل؟
بينما أغرق في غضبي وخوفي وقلقي، ينتشلني أبي قائلاً: «طبعاً سنظلّ نقاوم ونواجه العدو فمهما حصل، هذه الأرض لنا».
أبكي. لماذا؟ وعلى ماذا؟ هل أبكي على أبي الذي أصبح يتابع ويترقّب أي صوت يصدر من حوله ويعتقد أنه غارة أو جدار صوت؟ أبي الذي بقي صامداً في منزله في الضاحية الجنوبية، ورفض أن يغادر. أم على أمي التي تبكي بلدها، «أرض الياسمين»، بعدما تحولت إلى ساحة مشرّعة أمام الفتنة والفوضى والأطماع الإسرائيلية؟
يبدو أنّ الفوضى هي أكثر ما بكيت من أجله. فسوريا، حبيبتنا ووطننا الثاني ذهبت إلى غير رجعة، إلى المجهول.
أياً تكن الأسباب. لنحتفل بعودتنا من الحرب أحياءً سالمين، بيدنا مفتاح الأمان الذي يعدّ أساس الحياة، مقاومة قوية، رغم كل ما عاشته، قادرة على حماية بلدنا.
لنفرح إذاً أننا قمنا بدورنا كوطن مقاوم للاحتلال، فواجهنا وحمينا بلدنا بدماء أبطالنا ودافعنا عن قضيتنا الأولى فلسطين وساندناها.
لقد حان الآن وقت الفرح، الفرح الذي اشتاقت إليه أرواحنا، والذي تستحقه.
* بيروت/ لبنان

