
ترجمة: عبد الوهاب الملوح
كان القطار متوقّفاً في المحطّة. جلست حذونا امرأة شابّة مع طفليها؛ صبي في العاشرة من عمره وبنت أصغر سنّاً. هم في طريقهم إلى بروتاني لقضاء إجازة. كان الولدان يبكيان بسبب فراقهما أبيهما الواقف هناك عند الرّصيف؛ في انتظار أن ينطلق القطار. بكت الأمّ بدورها لرؤية ولديها يبكيان. كانا يحاولان إخفاء تأثّرهما وقد بدا عليهما الحرج؛ ملوّحين بأيديهما في حركات توديع مسترقة. أذهلني تأثّرهما؛ ودموعهما عرّت عيوني.
■ ■ ■
زيارة القصر الذي قضى فيه شاتوبريان قسماً من طفولته. بناية شاهقة؛ ضخمة وصارمة لا زخرفة فيها شُيِّدت في القرن الحادي عشر وخضعت لتغييرات إلى حدود القرن الخامس عشر.
أربعة أبراج ضخمة تحصّن البناية الرّئيسية. فتحات قليلة.
عهدوا به في البداية إلى حاضنة؛ وصل شاتوبريان إلى كومبورغ في سنّ الثامنة واستقرّ هناك «دزينة» من السنوات على ما أعتقد. كانت أمّه تعيش هناك رغماً عنها؛ تعاني حالات انهيار عصبي وجدت في الصّلوات ومناجاة الله الطّويلة ملاذاً. أمّا أبوه فكان صارماً؛ ربّى أبناءه على الشظف.
لكي يبلغ غرفته عند قمة أحد الأبراج، كان على شاتوبريان وهو في الثامنة من عمره أن يخرج من القصر أوّلاً ويصعد على ضوء شمعة درج البرج الدّاخلي؛ ثم عليه أن يقطع جزءاً من الطريق في شكل دائري؛ ليجد بعد ذلك قاعةً دائريةً حيث سيقضي ليلته. إني أتصوّر ارتعاباته. كان ذلك في زمن؛ حيث الإيمان بالأشباح ما زال قائماً؛ ولطرد الأرواح الشريرة؛ يعمدون إلى دفن الأجنّة الميتة والهياكل العظمية للقطط النافقة في الحيطان وهي في طور البناء. أحاول أن أتخيّل كيف كان شكل الحياة في هذا القصر الجنائزي؛ خاصة في الشّتاء؛ بينما الأمطار تنقضّ على بروتاني.
يا لبؤس شاتوبريان! أيّ طفولة مرّ بها. أتذكّر دائماً مقاطع من «مذكرات ما وراء القبر» الذي درسته وأنا في صفي الأول. برؤيتي للقصر، اكتشفت أنّ ما تخيّلته سابقاً ما زال ينام في ذاكرتي. كنت أراه تائهاً في الأراضي البور والغابات في حين أنّ قصر الغرانيت الحقيقي جداً هو جزء من المدينة.
■ ■ ■
كنت قرأت كتابين لغوتفريد بنّ منذ ثلاثين سنة خلت: مختارات من القصائد وديوان من نصوص مختلفة: «شاعر والعالم».
أتذكّر الآن، بعد كل هذه السنوات، أني ما زلت مأخوذاً ببضعة أسطر وردت في إحدى دراساته. فهو يرى أن الشاعر لن يكتب أبداً أكثر من ثمانٍ إلى عشر قصائد جيّدة، تكون قد كلّفته أربعين أو خمسين سنة من العمل الشاقّ.
إلى اليوم، ما زلت أحمل ورائي مسيرةً طويلةً. أفهم الآن حكمة هذه المعاينة. لكن ماذا نقصد بالقصيد الجيّد؟ إنّه بلا شكّ ذلك القصيد الذي يعطي انطباعاً بالنجاح المطلق. هو ذلك القصيد الذي نعثر فيه على الإيقاع والموسيقى والانفعال بين الرّوحي وشفافية الشعور. كما أنّه من الضروري أن يكتسي التعبير عن الأشياء الذاتية بُعداً كونياً. إنّ قصيداً من هذا النوع لا يُكتب بتدخّل أيّ إرادة مهما كانت. كلّ محاولة تصبو إلى النجاح المأمول مآلها الفشل.
وأنا، هل كتبت قصيدة أو قصيدتين جيدتين؟ سيبدو في طرح هذا السّؤال شيء من الغرور.
لن أطرحه إذاً. فقط ما أعرفه هو أنه عليّ أن أعمل مدفوعاً بضرورة آمُلُ أن لا تلين. لن يكون بإمكان أولئك الذين لديهم القدرة على الحكم إعلان أنّ شاعراً ما من خلال بعض قصائده قد اقترب من الإتقان إلا إذا ما اكتمل منجزه. لو كان أبواي هما من ربّياني ما كان ممكناً أن أواصل دراستي. كنت سأذهب إلى المدرسة إلى حدود سنّ الثالثة عشرة من عمري؛ إثر ذلك كان يتوجّب عليّ أن أبحث عن عمل. غير أنّه في ذلك الوقت لم يكن بإمكان طفل صغير أن يختار مهنة في هذه القرية الصغيرة. عليه أن يشتغل العمل الذي سيحدّدونه له. إلى أين كان يتمّ توجيهي إذاً؟ من كنت سأكون؟ وماذا كنت سأصير؟ كثيراً ما كنت أطرح على نفسي أسئلة من هذا النوع ولا أجد إجابة عنها.
لكن ما حدث أنّني أُبعدت عن أمّي أيّاماً قليلة بعد ولادتي. وكان لهذا الانفصال نتيجتان مهمتان: لم أبق في قريتي؛ مسقط رأسي؛ إذ إنّه سوف لن يكون لي فيها أيّ مستقبل. على إثر ذلك، حالفني حظّ عظيم مكّنني من مواصلة دراستي. وبالنظر إلى ما جرى من أحداث، فما سأقوله قد يبدو صادماً: أعترف أنّ مأساة أمّي عادت عليّ بالفائدة. من المهمّ ونحن نتحدّث عن آلامها ألاّ نكثر من الكلام. لكنّ هذا لا يكفي.
يجب أن تكون الكلمات المستعملة مشبّعةً بالحياء ولا تهدف إلى إحداث أثر ما، وليست مثيرة للشفقة. في اعتقادي، على هذه الكلمات أن تتصف بالجدّية والبساطة التي يحتاجهما الألم الذي يسلخنا ويتركنا عراةً يسندنا كأفقر ما نكون.
بإمكاننا أن نجرح الآخر ونؤلمه بشتّى أنواع الأساليب. خدشات طفيفة ودنيئة أو عذابات تنتشر لا تكفّ عن نفث سمّها. وبقدر ما يعنيني عدم إيذاء الآخر، فالادّعاء الأخلاقي أقلّ من أن يتحكّم بآرائي وسلوكياتي. غالباً ما أدرك وأنا في حضرته ما يشعر به؛ أحسّ الألم الذي قد أسبّبه له؛ بشكل أجدني وبسرعة مضطرّاً ألَّا أقول شيئاً؛ ألَّا أفعل شيئاً خشية أن أؤلمه أو أجرحه.
■ ■ ■
لم يكن بإمكاني حضور جنازته وأسفت لذلك.
كان ينتمي إلى بلدة طفولتي وكنت أكنّ له كثيراً من الصّداقة. هذا إضافة إلى أنّ مراسيم دفنه اتّسمت بشيء لافت. عوض الموسيقى المهيبة والرخيمة المعتادة في مثل هذه المناسبات، كان صوت امرأة حقيقي يحيّي دخول النعش إلى الكنيسة ويهتف في أعلى درجاته: Non, je ne regrette rien (لا لست آسفة على أي شيء)، إحدى الأغاني النّاجحة لإديث بياف.
وعند نهاية المراسيم؛ حين جاوز حاملو التابوت الممرّ الرئيسي، إذ بأغنية أخرى La maladie d›amour (مرض الحب) ترافق الخروج. أُعدِّت تجهيزات صوتيّة في الرّواق لتبثّ الأغنية للجموع الغفيرة ممن جاؤوا لمواكبة مراسيم الجنازة.
كان معروفاً في جميع أنحاء المنطقة.
وما استطاعوا دخول الكنيسة. أبدى الكاهن استياءه، وهو الذي يحبّ إسماع صوته الجميل في مثل هذه المناسبات وفوّتوا عليه فرصة أن يكون نجم المناسبة. كما أنّ الكثير من الحاضرين لم ينجوا من الصدمة. وجاءت الأيام التالية محمّلة بالكثير من التعليقات حول الموضوع. أليس هو بالتأكيد مَن أراد أن يكون موكب دفنه مشابهاً للنخّاس الذي كان؛ وقد كان ينزع إلى التلذّذ الكامل بكلّ الأشياء التي يتيحها له الوجود.
في المحصّلة؛ عوض الهمّ والدموع، حلّت بهجة أغنيتين تتدفقان حبّاً للحياة مضطرماً أجاجاً.
■ ■ ■
تراودني ذكريات بعيدة...
بسبب عدم معرفة اسمي، منحتني العائلة التي استقبلتني عندما كان عمري ثلاثة أشهر اسمها.
عندما كنت في العاشرة؛ كنت معجباً به وأريد أن أكون نخّاساً. كان يلبس ما يلبسه كل تجّار الخيل في ذلك الوقت: وشاح وبلوزة واسعة. كنت ألفّ حول عنقي وشاحاً أحمر وألبس ميدعة سوداء كبيرة جداً بعدما سحبت عنها الحزام.
لمرة أو مرّتين طلب منّا، أنا وصبيّ آخر، أن نصطحب إلى الجبل خمس عشرة؛ عشرين بقرة من محطّة القطار. ما يزيد عن ثلاثين ميلاً! لحسن الحظ؛ كانت حركة السيّارات قليلة، لكن يا لها من كوريدا خلال الجزء الأطول من المسافة.
وهي تندفع خارج عربة القطار حيث كانت محبوسة ليومين أو ثلاثة؛ كانت الأبقار كما لو أنّها مجنونة؛ وكان من الصّعب علينا أن نوجّهها. هذا إضافة إلى أنها كانت تعاني من الجوع والعطش. تنفلت راكضة شمالاً ويميناً، رافضةً العودة إلى الطريق.
أذكر أيضاً حالة الإرهاق التي كنت أعانيها نهاية كل يوم من تلك الأيّام. لكن يا لها من متعة أني قد شاركت في ما بدا لي أنه مغامرة حقيقية.
روت لي فيرونيك وهي مدرّسة في نانتوا أنّها، منذ عشر سنوات، كانت أستاذة في مدينة صغيرة، وحدث أنّها كلّفت تلامذتها بدراسة كتاب «سنة الصحوة» L›année de l›éveil. كان أحدهم قد قرأ في صحيفة محليّة أنني كنت سأقدّم محاضرة في المدينة المجاورة فحدّثها بالأمر. في المساء نفسه، جاءت لتسمعني مصحوبةً بثلاثة من تلاميذها. وفي نهاية اللقاء قدّمت نفسها؛ شكرتهم على الحضور وعلى تحمّلهم عناء التنقل وصافحتهم. كنت قد نسيت كلّ ذلك بالتّأكيد؛ غير أنّها أعلمتني أنّ شكري الموجّه إلى تلاميذها ومصافحتي لهم، كانا عظيمَي الأثر فيهم، وشعروا أنهم ذوو قيمة لأنّ كاتباً حدّثهم. ولئن كانوا قد تأثروا بالقليل الذي قدّمته لهم، فذلك بسبب عدم ثقتهم بأنفسهم، فهناك عدد كبير من الشباب يعاني من يأس مستفحل، فيندفع في الحياة منهزماً منذ البداية ومتأكداً كلّ التأكد أنه لن ينجح في شيء سوى الهزيمة. لذلك أزور المعاهد أحياناً لأتحدث فيها. حين أجد نفسي قبالة فصل أو فصلين أو ثلاثة قام مجموعة من الأستاذة المتحمسين بإعدادها (في تسعة من عشرة من بينها تدرِّسهن نساء)، ألمس انتظارات لا بدّ من أن أجيب عنها. أتحدث بجديّة وعن قناعة محاولاً اللّحاق بهؤلاء الشباب عبر الأسئلة التي يهجسون بها، ولا أبني أوهاماً حول قدرة كلماتي، لكني أعرف أنّ جملة واحدة بإمكانها أن تحدّد كائناً إلى الأبد وقد تجعله يؤمن بنفسه ويوجّه حياته.
■ ■ ■
أعتقد أنني أتذكر أنّ هولدرلين في إحدى رسائله كتب: إنّ كلمة حرية جميلة لمن يعرف معناها؛ إذ إنّ كثيراً من الأشخاص يحملون تصوّراً خاطئاً عن الحريّة. فهم يعتقدون أنه لتكون حرّاً؛ يعني ذلك التملّص من بعض القواعد والواجبات، في حين أنّ الأمر ليس كذلك. أن نكون أحراراً هو عدم الخضوع إلى ما يمكن أن يحددنا سلفاً. يتعلق الأمر بأن يكون المرء قادراً على التفكير بنفسه.
■ ■ ■
قديماً منذ مئات السّنين، ما زال الكرم المعرّش عند واجهة بيتنا يانعاً ومورقاً بشكل مهمل، وعند الخريف؛ عناقيد مثقلة بالعنب المتراصّ (وهو عنب غير صالح للأكل بما أنّه لم يتم تلقيحه). ولكنّنا عندما نشاهد الدّالية وهي تتسلّق الحائط ليس لنا إلا أن نندهش؛ تقصّفت وهي في أقصى علوها. ستبدو كما لو أنها قطعة خشب ميّتة. وحين يتحوّل العمودي إلى أفقي يتمزّق بشكل غير معقول ويدور حول خيط من حديد من جهتين أو ثلاث، يمكن أن نجعل أجزاءه تنقسم إلى أجزاء صغيرة بإصبع واحد وأن نخلصها من أجزاء من القلف وهي سوداء قطيفية الملمس وسهلة التفتت، غير أنه في هذه الغابة بالتحديد يدور نسغ النبات وهو الطاقة الحيوية التي ترمز إلى سر الحياة.
ليتني أكون في آخر أيامي كمثل شجرة الدالية هذه، فهي تبقى حيّة بالرّغم من مظهرها البالي.
(*) روائي وناقد فرنسي معاصر (1934- 2024) معروف بشكل خاص بيومياته Journaux (التي شرع فيها عام 1957 حتى وفاته) التي تضم نحو عشرة كتب، ومنها اقتطفنا الأجزاءَ أعلاه.

