
الثورة التي أحدثتها أنظمة الذكاء الاصطناعي (AI) منذ نهاية عام 2022 أثارت اهتمام كثيرين، إذ جرب عدد منهم هذه التقنية واستخدموها، وبالنسبة إلى كثيرين أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية. وإذا كنتم من المهتمين بمعرفة ما الذي ينتظرنا في 2025، فإن هذا المقال موجّه إليكم
لقد شهد مجال الـ AI تطوراً مذهلاً خلال العقد الأخير، محقّقاً قفزات نوعية جعلت ما كان يُعتبر خيالاً علمياً أقرب إلى واقع يومي. فتح هذا التقدم السريع الأبواب أمام إمكانات غير محدودة، وأصبحت النماذج اللغوية والأنظمة التوليدية (مثل تشات جي بي تي) قادرة على تقديم حلول مبتكرة في التعليم، الطب، والصناعة. ومع ذلك، فإن ما ينتظرنا في عام 2025 يُتوقع أن يكون أكثر ثوريةً، إذ نتجه نحو تطوير ذكاء اصطناعي عام (AGI)، وأنظمة متعددة الأبعاد (Multidimensional AI)، ووكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يمكنهم التفاعل مع العالم بطرق غير مسبوقة. هذه المرحلة القادمة لن تغيّر فقط طبيعة التكنولوجيا، بل ستعيد تشكيل أسلوب حياتنا وطريقة تفكيرنا، ما يجعلنا أقرب إلى مستقبل يتشابك فيه الذكاء البشري مع الآلي في تناغم متكامل.
وكلاء الذكاء الاصطناعي
يُتوقع أن يصبحوا جزءاً رئيسياً من حياتنا اليومية مع دخولنا عام 2025. ببساطة، وكيل الذكاء الاصطناعي نظام متطور يستطيع فعل مهمات معقدة بشكل مستقل، ويتفاعل مع البشر والبيئة الرقمية بطريقة تشبه إلى حد كبير المساعد الشخصي البشري. يتمتع هذا النوع من الذكاء الاصطناعي بقدرة على فهم السياق، التعلم من التجارب، واتخاذ القرارات بناءً على الأهداف المحددة له. على سبيل المثال، يمكن لتلك الأنظمة أن تتولى إدارة المهمات اليومية مثل حجز تذاكر السفر والمواعيد، وحجز الفنادق والمطاعم، أو حتى تنظيم المهمات المنزلية. لكن دورهم لا يقتصر على المهمات الروتينية، بل يمتد إلى مجالات أكثر تعقيداً، مثل دعم فرق العمل في تحليل البيانات، وتقديم استشارات طبية دقيقة بناءً على السجلات الصحية، أو التحكم في الروبوتات المنزلية والمهنية. الابتكار الأساسي الذي يميز وكلاء الذكاء الاصطناعي هو قدرتهم على التفاعل مع أنظمة متعددة في وقت واحد. على سبيل المثال، يمكن لوكيل ذكاء اصطناعي أن يستجيب لرسائل البريد الإلكتروني، وينسق اجتماعاً بناءً على جداول الأطراف المختلفة، ثم يُرسل الملاحظات تلقائياً إلى الفريق، وكل ذلك من دون تدخل مباشر منك.
القفزة التالية هي جعل الآلة تمتلك ذكاء مكانياً مماثلاً للبشر
عملياً، القادم يحمل شراكة متزايدة بين الذكاء الاصطناعي (AI) والبشر في حياتهم اليومية وأعمالهم، وهو ما سيؤدي إلى تعزيز إنتاجية الشركات بشكل ملحوظ. سيجوب وكلاء الذكاء الاصطناعي الإنترنت نيابةً عنا، يبحثون عن أفضل الأسعار وأفضل الخيارات، بل اتخاذ قرارات استثمارية مثل تخصيص جزء من الأموال في العملات المشفرة أو الأسواق التقليدية. الفئة الأكثر إفادة من هذا التطور ستكون أولئك الذين يمتلكون أفكاراً ملهمة ولكنهم يفتقرون إلى الوسائل لتحويلها إلى واقع. عام 2025 سيكون عام انطلاق وتفعيل التوأم الرقمي، الذي سيعمل بمنزلة نسخة رقمية متكاملة تدعمنا في تحقيق أهدافنا وإدارة حياتنا.
الذكاء المكاني
مع التحديثات المستمرة لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل «تشات جي بي تي»، وتطور قدراتها في الرسم والموسيقى والفيديوهات والرياضيات وكتابة السطور البرمجية، يرى الباحثون أن الوقت قد حان لمنح الذكاء الاصطناعي القدرة على الرؤية. فقد تجاوز هذا «الطفل الرقمي» مرحلة النمو الأساسي، وأصبح مستعداً للتفاعل مع العالم الحقيقي الثلاثي الأبعاد، ما يتيح له تطوير ردود أفعاله، وتكوين ملاحظاته، وتحسين برمجياته بشكل مستمر.
في مقال لها في مجلة «إيكونوميست»، قالت الباحثة الصينية فاي فاي لي، المديرة المشاركة لـ «معهد الذكاء الاصطناعي البشري» في جامعة «ستانفورد» والرئيسة التنفيذية لمؤسسة «وورلد لابز»، والملقبة بين أوساط التقنية بـ «الأم الروحية للذكاء الاصطناعي»، إن المستقبل الحقيقي للذكاء الاصطناعي يكمن في تجاوز النماذج اللغوية الحالية (مثل تشات جي بي تي) نحو نماذج قادرة على فهم العالم بصرياً ومكانياً. تعتبر فاي فاي لي أن الذكاء البصري أو «الذكاء المكاني» أكثر أساسية من الذكاء اللغوي، لأن رؤية العالم وفهمه بصرياً هو جوهر التفاعل البشري مع الواقع.
وتشير لي إلى أن تحقيق قفزة نوعية في الذكاء الاصطناعي مشابهة للثورة التطورية التي أحدثتها القدرة على الرؤية قبل ملايين السنين (القدرة على البصر ورؤية العالم لم تكن موجودة دائماً). وتسعى مجالات مثل «بصر الحاسوب» إلى جعل الآلات تمتلك ذكاء مكانياً مماثلاً لما لدى البشر أو حتى أفضل منه. وتوضح أنّ العمل في هذا المجال بدأ مع تطوير قدرات التعرف إلى الكائنات، وهو ما كان ممكناً فقط بفضل التقاء ثلاثة عناصر: الشبكات العصبية التلافيفية البرمجية (فئة من نماذج التعلم العميق)، وشرائح معالجة الرسوم الحديثة GPUs (تحاول أميركا منع الصين من استيراد أحدثها)، والبيانات الكبرى.
أطلقت لي مشروع «إيميج نت» عام 2007، وهو قاعدة بيانات تحتوي على ملايين الصور المصنفة، ما أسهم في تدريب النماذج على التعرّف إلى الصور وتفسيرها بشكل متطور. لاحقاً، أدى هذا التقدم إلى ظهور جيل جديد من الأدوات التوليدية في الذكاء الاصطناعي التي لا تكتفي بالتعرّف إلى الصور، بل تستطيع توليد محتوى بصري جديد استجابةً للنصوص (لهذا تلقّب بالأم الروحية).
مع ذلك، ترى الباحثة الصينية أن الخطوة الحقيقية القادمة للذكاء الاصطناعي هي الانتقال من النماذج اللغوية الضخمة إلى «النماذج العالمية الضخمة» التي تستطيع محاكاة العالم الثلاثي الأبعاد والتفاعل معه. عبر هذه النماذج، يمكن التحكم في الروبوتات عبر أوامر نصية، وتحويل الصور الثنائية الأبعاد إلى عوالم ثلاثية الأبعاد قابلة للاستكشاف.
تتوقع لي أن هذه القفزة ستفتح مجالات لا حصر لها، مثل الروبوتات التي تساعد في رعاية كبار السن، وأدوات طبية تدعم الأطباء، وتقنيات محاكاة متقدمة للتدريب والتعليم. وترى أن الذكاء المكاني يمثل مستقبل الذكاء الاصطناعي، إذ يُمكن للبشر الإفادة من أنظمة قادرة على فهم العالم والتفاعل معه بطرق لم تكن ممكنة من قبل.
الـ AI في الروبوتات
شهدت الروبوتات تطوراً هائلاً بفضل التقدم في الذكاء الاصطناعي وأدوات المحاكاة الحديثة، ما جعلها أقرب إلى البشر. تقنيات مثل NVIDIA Isaac Lab وProject GR00T تسهم في تسريع تطوير الروبوتات البشرية والتكيفية، ما يمنحها قدرة أكبر على التفاعل مع العالم الحقيقي. اليوم، أصبحت الروبوتات قادرة على التعلّم عبر النماذج الذكية، والتحكم في الحركة، والتعامل بدقة مع الأشياء، بل حتى التفاعل مع البشر بطرق معقدة وفعالة.
بفضل أدوات تنتجها شركة «انفيديا» مثل Cosmos Tokenizer وNeMo Curator، أصبحت الروبوتات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات المرئية والفيديوهات بسرعة وكفاءة، ما يعزز قدرتها على فهم البيئات المحيطة بها وبناء نماذج ثلاثية الأبعاد للعالم الحقيقي. هذه التقنيات تجعل الروبوتات قادرة على تنفيذ مهمات معقدة مثل التنقل في الأماكن الضيقة أو التفاعل مع أدوات دقيقة في الصناعات والطب.
هذا التطور يقرب الروبوتات من حياتنا اليومية، حيث يمكنها أن تلعب دور المساعد في المنزل، الزميل في العمل، أو حتى شريكاً في المهمات الخطرة لا سيما الإغاثة في الكوارث. ومع اقتراب عام 2025، يبدو أننا على أعتاب حقبة جديدة من الروبوتات التي تجمع بين الذكاء والقدرة على التكيف، ما يجعلها أكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا اليومية.
علي...

