ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

جسر

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

اسمي المكتوب على باطن ساعدي يبدو واضحاً كعين الشمس. نجا اسمي ولا أعرف إن كنت قد نجوت. الآن أستطيع أن أرى جسدي المرمي على سرير في مشفى ميداني، موصولاً بأجهزة طبيّة بدائية، أتأرجح بين الحياة والموت... نحيلاً بائساً... غائباً عن الوعي.

روز إسماعيل
روز إسماعيل
السبت 4 كانون الثاني 2025
مِنْ محيط «مستشفى كمال عدوان» في بيت لاهيا شمال غزة (تصوير مريم أبو دقة، 2024)
مِنْ محيط «مستشفى كمال عدوان» في بيت لاهيا شمال غزة (تصوير مريم أبو دقة، 2024)
الخط

1.


اسمي المكتوب على باطن ساعدي يبدو واضحاً كعين الشمس. نجا اسمي ولا أعرف إن كنت قد نجوت.
الآن أستطيع أن أرى جسدي المرمي على سرير في مشفى ميداني، موصولاً بأجهزة طبيّة بدائية، أتأرجح بين الحياة والموت... نحيلاً بائساً... غائباً عن الوعي.
ألتفتُ إلى يوسف، يبتسم بوجهي ابتسامة آسرة مطمئنة، الآن يبدو جميلاً بكامل صحته، ليس كآخر مشهد رأيته فيه حين حملته فوق كتفيّ، وقد أصبح خفيفاً جداً في الآونة الأخيرة، يلمس وجهي بكفيه الصغيرتين، أخرج من البيت متجهاً إلى المسجد القريب، أعلّم يوسف الصلاة، أعلّمه الحياة، التي لم تعد من المسلَّمات، لم يستطع الموتُ الذي زرعه العدو حولنا على كل أشكاله وألوانه أن يقتل الله فينا، يسألني يوسف:
- هل يسمعنا الله يا أبي؟
- لا أحد يسمعنا غيره.
- لماذا لا يرسل أحداً ليساعدنا؟
- أحبابه يقاتلون من أجلنا...
ألتفت لأرى يمنى لا تزال تقف على باب البيت تنظر إلينا بحزنٍ كأنها تشيّعنا، لقد اعتدت هذه النظرة، أراها كلّما افترقنا، لكننا كنا نعود دائماً.
خطوةٌ أخرى وتموج الأرض من تحتي، وتهتز السماء، يرتعش جسد يوسف الصغير، أتحسس موطئ قدمي، تهوي قدم في الفراغ، وأخرى ثابتة كأنها جذر زيتونة في أرض فلسطين.
أرى نفسي أمرّ بنفق طويل مظلم، في آخره نور، تتناهى إلى مسمعي أصوات صراخ وضجيج، ما تلبث أن تتحول إلى طنين يتلاشى شيئاً فشيئاً، يشدّني الضوء فأتبعه، أستسلم للخفة، يتحول المكان حولي إلى فراغ شاسع، أرى نفسي ذرّة من ضوء أبيض، بلا جسد أهيم في كون لا محدود، وحيداً في سكون مطلق، أحاول أن أفهم، أين يوسف؟ يمنى، ما الذي حدث؟ هل هذا هو الموت؟
تنزل عليّ سكينة غريبة، يتناهى إليّ صوت ضحك يوسف، يوسف الذي كان بالكاد يبتسم في أيامه الأخيرة، بالكاد يقوى على الحركة، لو أن لحمي يؤكل لأطعمته قلبي، مات يوسف جائعاً وخائفاً، مات فوق كتفيّ، أُغلِقت كل المعابر في وجه يوسف، وحده باب السماء بقي مفتوحاً.
ظننت أن كل شيء قد انتهى، لكنني سمعت همس زوجتي: - لم يبدأ بعد.
ألتفت حولي، فأرى جسدي البائس لا يزال ينبض ببعض الحياة، أرى دم يوسف الندي على وجهي مختلطاً بدمي.
أهرب من هذا المشهد، فأرى وجه يوسف مجدداً، يأسرني بريق عينيه الممتلئتين بالحب، يوسف الذي كنت أتجنب نظراته سابقاً، نظرات كفّت حتى عن اللوم أو البحث، نظرات فارغة مشتتة مذهولة، ها هي الآن أكثر حياةً مما كانت عليه يوماً.
تلحّ زوجتي:
- ها قد اطمأننت علينا... حان وقت العودة.
أتأمل وجهها السمح الراضي، وهدوءها الغريب، أتذكر كيف ارتجفت يدها وهي تحمل القلم ذا الحبر الثابت، إذ كانت التعليمات أن نكتب هوياتنا على أجسادنا، كي تتمايز أشلاؤنا في حال تعرضنا لتفجير، تَقبّلنا هذا القدر على أنفسنا، لكن كيف يمكننا أن نتقبّله على أولادنا؟ كيف يمكن لأم أو أب بكامل وعيه وحبه أن يخطّ على جسد ولده هويته، متوقعاً له الموت؟ أو ربما ما هو أصعب من الموت، كم هو مهمّ أن يقرأ أحد اسمنا بعد موتنا؟ وأن يتعرف إلى جسد مشوّه؟ أن يصلي علينا بأسمائنا، هنا كلنا غزة ابنة فلسطين.
يمدّ يوسف ذراعه باتجاه أمه، فتقبّلها... عند الله تكفي قبلات الأمهات.
تكتب:
هذا يوسف، ابن جواد ويمنى.
عمره أربع سنوات ونصف.
زمرة دمه O إيجابي.
لديه حساسية من البنسلين.
أتخيّل حينها أن يمنى ستكتب هوايات يوسف والحروف التي يلثغ بها وكل شيء يحبه أو يخيفه، وأنّ جسده الصغير لن يتسع لكلماتها...
أراقبها ويعتصر قلبي ألم يشبه الذبحة، لا تقلقي يا حبيبة، لا أدوية لدينا، ولن يعطوا يوسف أي نوع من المسكنات، لذلك لن يتحسس من البنسلين، ولن يضطروا إلى إعطائه مضاد حساسية أيضاً، رجوت الله في كل صلواتي، ألا يريني بيوسف ويمنى ألماً لا أملك أن أحمله عنهما، لم أتجرأ مرة واحدة أن أدعو لنا بالموت، رغم أنني كنت أموت في كل لحظة يسألني بها يوسف عن طعام ليأكله.
كيف أسلي جوع يوسف؟ كيف أنسيه صراخ أحشائه؟ كيف أراوغ الموت؟ أو الحياة؟ حقاً لست أدري! هكذا كان الطريق إلى حريتنا... الجوع.
- لا أريد العودة...
- ليس الأمر بيدنا، ردّت يمنى.
أشير إلى جسدي باستنكار علّها تقتنع.
- انظري إلى هذا الجسد، ماذا في استطاعته أن يفعل؟
لا أستطيع أن أصف لكم شعوري تجاه الحياة الأرضية وكل أحداثها، ربما كمن يشاهد فيلماً يعرف أنه سينتهي، وأن كل المشاعر التي تعتريه متأتية من قيم روحية أصيلة كالحق... الصدق... الحب المطلق... الحرية...
أه الحرية، لا شيء على الأرض يشبه هذا الشعور.
خفيف بلا جسد... بلا جوع أو ألم... بلا خوف أو قلق... أشعر بقوّة تحتضنني وتخصني بحب نقي، أسمع وأرى بلا كيان ملموس.
يدخل عليَّ... أو على جسدي... مجموعةٌ من الأطباء، بطريقة ما أدرك أنهم قرروا أن يبتروا ساقي اليسرى، بسبب ضرر بالغ قد أصابها، يحاولون إعادتي إلى الحياة بشتى الوسائل. الأطباء لا بد أنهم رسل من السماء، يقاتلون من أجل عودتك، من أجل بقائك ولو على شكل نفس يصعد ويهبط بلا صوت...
- انظري، لقد قرروا أن يبتروا ساقي اليسرى، سيضيق المكان بروحي أكثر.
- ستوسعه بالصبر والإيمان.
فكرت في كلامها، فكرت كيف أنّ الله وهبنا هذا الوداع الأخير، أو اللقاء ربما... لا بد من حكمة في كل ذلك.
تنظر بحب إلى يديّ الخشنتين.
- إن لم تستطع أن تكون باباً... فلتكن جسراً.
تتحدث يمنى وكأنها انتقلت إلى وعي أعلى... لم أرها في حياتي بتلك الثقة والهدوء.
أتأمل يديَّ، أشعر بقوتهما، بالدم الذي يتدفق في عروقي دافئاً.
- ماذا تقصدين؟ ماذا عليّ أن أفعل؟ أو ماذا في استطاعتي أن أفعل في حال عودتي؟
تجيبني بابتسامة وادعة، كأنها تقول: أنت تعرف ما يجب فعله.
أراقب ساقي النازفة المضمدة بخرق بالية، وأعود وحيداً أشرد في الفراغ المطلق.

2.


أستيقظُ من نومي مفزوعاً، أتفقد ساقي اليسرى... لا تزال في مكانها، أنظر حولي، هذا بيتي، في الجنوب اللبناني، وليس في غزة، لست متزوجاً وليس لدي طفل اسمه يوسف، أتنفس بعمق محاولاً ضبط ضربات قلبي. هذا الحلم الذي تكرر مرات عدة بتفاصيل مختلفة، أصبح أكثر كثافة في الآونة الأخيرة، أستذكر التفاصيل السابقة وأقاطع بين الأحداث، محاولاً تفسير ما لا يفسر، لم أقصّ الحلم على أحد؛ ببساطة لأنني متأكد من عدم قدرتي على نقل الشعور الذي أعيشه في الحلم، كأن الحلم هو الحقيقة، ويبدأ الحلم عندما أستيقظ، أحاول النهوض فأشعر بثقل فوق كتفي، إنه يوسف!
تطفر الدموع من عيني رغماً عني، أشتاق ليوسف لا أعرفه، لكن يبدو أنه يعرفني جيداً، في كل مرة كنت أقنع نفسي أن الأمر مجرد حلم ناتج عن تداولي ورفاقي تفاصيل الأخبار، والعمل الذي ننغمس فيه. لم تعد مهمتي في تحرير الأخبار كافية على ما يبدو، حان دوري لأكون أنا الخبر، لأكون الرسالة، الآن لا توجد قوة في الأرض تقنعني بغير ذلك، لن أرتاح حتى أرى يوسف يخطو خطوته الأولى على جسر النجاة، يوسف ليس فرداً، يوسف حكاية وطن، تُروَى كل يوم، فلتكن إذاً مشيئة الله، ولأكن جزءاً من هذا الجسر، ليعبر من خلالنا الحق وأصحابه.

3.

أراقب أبي وهو يتناول طعامه ببطء بعد أن فقد معظم أسنانه، أشعر بحب كبير لهذا الرجل، أنتظره لأخبره بما عقدت العزم، أنا وحيده، الذي حملني فوق كتفيه صغيراً، علّمني الحياة بكلّ ما يملك منها، الآن أفهم حبه لي، كم سيكون هذا الخبر قاسياً عليه!
كان لأبي حلمٌ ككل الآباء أن يرى أحفاده، أن يختار لهم أسماء، يسجلها على دفاترهم المدرسيّة، لا على أجسادهم، كان لي حلمٌ أيضاً أن أصبح روائياً، أكتب عن الحب والسلام، وعن تاريخنا، كما حَلُمَ ابن عمي أن يشارك ببطولات للعب الشطرنج، لكن تغيرت الرقعة، وأصبحت ساحة الحرب لعبته، كلنا لدينا أحلام نأمل أن نحققها، ولكن... وقبل كل شيء... كان حلمنا الأول الحرية، إذ لا قيمة لبذرة تحلم بأن تصبح شجرة إن لم تحتضنها أرض حيّة، نبذر أجسادنا في قلب هذه الأرض، وكلنا إيمان أنها ستنبت يوماً.
ينهي أبي طعامه، يحمد الله على نعمته، يرفع وجهه نحوي، تلمع عيناه بحزن عتيق أكبر مني بكثير، يتمعّن في ملامحي كمن يحاول حفظها، أعرف هذه النظرة، أعرفها جيداً، كثيراً ما رأيتها في وجوه الناس الذين حرّرتُ أخبار فقدهم لذويهم، يلوح طيف ابتسامة على محيّاه، يهزّ رأسه راضياً فخوراً.
* اللاذقية/ سوريا

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك