أدريان ريتش [2]: مهمَّتي تغييرُ قوانين التاريخ لا الفوز بالجوائز
كان تأثير أدريان ريتش في الثقافة الأميركية هائلاً خلال النصف الثاني من القرن العشرين. بموهبتها الشعرية الثرية وثقافتها الفكرية العميقة، جعلت من الصعب على مؤسسات السلطة تجاهلها.


كان تأثير أدريان ريتش في الثقافة الأميركية هائلاً خلال النصف الثاني من القرن العشرين. بموهبتها الشعرية الثرية وثقافتها الفكرية العميقة، جعلت من الصعب على مؤسسات السلطة تجاهلها. وفي المقابل فإن توجهها السياسي الاحتجاجي والمتطرف جعل استيعابها من قبل تلك المؤسسات أمراً صعباً. إضافة إلى كتابتها النسوية المضادة، شِعراً ونثراً، كتبت شِعراً سياسياً مُناهضاً لحروب أميركا وإسرائيل من فيتنام إلى العراق وأفغانستان وإلى غزة ولبنان، وجاهرتْ بعدم أخلاقية هذه الحروب. وتبنَّت قضايا المهمَّشين والمحرومين في العالم عُموماً وأميركا خصوصاً.
وكثيراً ما استهجنت الدعم الأميركي للقتلة في بلدان أميركا الوسطى. وحين أُعلن عن منحها «الجائزة الوطنية للفنون» عام 1997 رفضتها بقول بليغ: «مهمَّتي تغيير قوانين التاريخ لا الفوز بالجوائز»، معللةً رفضها باستيائها ممَّا آلتْ إليه الديموقراطية «من انحدار في هذا البلد». وفي رسالة وجهتها إلى الرئيس كلينتون آنذاك، كتبتْ: «إنَّ الفجوات الجذرية بين الثروة والسلطة في أميركا تتسع بمعدَّلٍ مدمِّر. ولا يجوز للرئيس أن يكرِّم فنانين محدَّدين، بينما يتعرَّض البشر في عمومهم للإهانة». ولأنَّ المعنى الحقيقي للفن كما تفهمه يتعارض مع السياسة العدائية للإدارة الأميركية، فقد أعلنت أنّها «ضد الدولة التي تتركز فيها كل هذه القوة في أيدي عدد قليل من الناس، ما جعلني أشعر بأنه لا يمكن استغلالي بهذه الطريقة، فلا معنى للشعر إن أصبح مجرَّد تزيين لمائدة عشاء يُحتجز فيها رهينة. وأنا لا أستطيع المشاركة في طقوس قد تبدو لي منافقة إلى هذا الحد».
مهمَّة «تغيير قوانين التاريخ» موضوع أساسي في شعر ريتش منذ مجموعتها الأولى «تغيير العالم» ودأبت على تكريسه وتعميقه في تجاربها اللاحقة لتربطه برفض الظلم والاضطهاد والقتل. ولعلَّ قصيدتها الطويلة «الينابيع» في ديوان «أرضُك الأصليَّة حياتك» التي كتبتها في أوائل ثمانينيات القرن العشرين نموذج لذلك:
«هذي المزارعُ على الهضبات
هي مزارعُ الغُزاة،
هذي القُرى
الناصعة بالعَدْل والموت
شُيِّدتْ على أرضٍ سليبة
الْمُضطهَدون، الشَّاحبون من الغضب
عرفوا كيفَ يَضْطهِدون
أولئك الذين يشعرون أنهم مُقدَّرونَ، تحت عين الله
ليسوا بحاجة إلى التفكير في الاختلاف
وإنْ قَتَلوا الآخرينَ كونَهم ما هُمْ عليه
أو حيثُما كانوا
أهو قانونُ التَّاريخ
أمْ ببساطة، ما الذي يجب أنْ يتغيَّر؟».
منذ بداياتها، أشاد بها الشعراء الكبار، لا سيما و.ه.ـ أودن كونها واحدة من الشعراء القلائل الذين نجحوا في مقاربة القضايا السياسية في قصائدهم من دون الوقوع المفرط في الواقعية الاجتماعية. «شعرتُ بأنني مدفوعة -من أجل سلامتي العقلية -إلى الجمع في قصائدي بين عالم الأطفال الذين أصبحوا أشلاء بتفجير الديناميت أو النابالم، وعالم الأحياء الفقيرة والعنف العسكري -والعالم الغنائي المفترض للجنس والعلاقات بين الذكور والإناث... إنّ الشعر يمكن أن يقارب السياسة ويمكن أن يتجذر فيها، وإن تبنَّى التمرد السياسي والثورة أو تنصل عنهما، فإنه يستطيع، بل يتعين عليه، أن يفسر نفسه سياسياً، وينخرط بوعي في لجة التقلبات السياسية، من دون التضحية بقوة اللغة.
لستُ حقلَ القمح
ولا الغابةَ العذراء
لم أخترْ قطُّ هذا المكانْ
لكنَّني منهُ الآنْ».
ومنذ وقت باكِر من تجربتها، كتبت قصيدة في رثاء الفنانة الأميركية إثيل روزنبرغ التي أعدمت مع زوجها يوليوس روزنبرغ على الكرسي الكهربائي عام 1953 بتهمة التجسس لمصلحة الاتحاد السوفييتي.
وحتى حين يعالج شِعر ريتش موضوعات اجتماعية كالظلم والفقر والجوع، فإنه يعكس وعياً سياسياً إنسانياً. وتشكل قصيدتها «قاطعو الماس» مثالاً واضحاً على ذلك حيث تُدين سَوْقَ السود إلى العمل القسري واستغلالهم في مناجم الماس وتكشف عن معاناتهم غير المرئية، بينما تتأمل في قصيدة «الجوع» التي أهدتها إلى الشاعرة الأميركية السوداء أودري لورد معاناة النساء في مختلف أنحاء العالم. ومن واقع كونها أمَّاً، تشعر بصلة وثيقة مع أمهات في أفريقيا، حيث «أكواخ ممتدة على امتداد الجفاف وعن أثداء الأمهات الجافة والأطفال الضامرين من الجوع».
وفي العقدين الأخيرين من عُمرها، ظلت تتصدَّى للطاغوت الأميركي كتابةً وممارسةً. كتبت في آخر قصيدة في كتابها «الحقول المظلمة للجمهورية»: «الشعر يعني رفض الانحياز للقتل، لكن هذه الحياة المستمرة هي للمجانين العقلاء. والوحوش الأكثر ضراوة»، وشاركت في الاحتجاج على غزو العراق، وحضرت أنشطة مناهضة للحرب وأسهمت في اليوم الوطني للشعر ضد الحرب، حيث قرأت مع شعراء من بينهم و.س. ميروين وستانلي كونيتز، وكتبت مراجعة نقدية لكتاب «الشعر العراقي اليوم» الذي ترجمه سعدي السماوي وصدر قبل بضعة أشهر من الغزو الأميركي للعراق.
ودحضت ما اعتبرته أساطير الحلم الأميركي، وفنَّدت خطاب الرياء السياسي الرسمي، وظلت ثابتة في اعتقادها بأنّ مهمة الفن تفكيك الأساطير، وليس خلقها، مثلما ظلت رغبتها في التغيير الاجتماعي الثوري والنهضة الثقافية ثابتة في كتاباتها. في قصائدها اللاحقة (2010-2012)، تقوم باستكشاف غنيٍّ بالصور لعالم محكوم بالتجارة العالمية والتكنولوجيا... عالم تؤدي فيه التأثيرات السامة لممارسات العمل الاستغلالية إلى انحلال الروح البشرية.
«أميركا
حيثُ أكتبُ
أشباحُ الحربِ بأزيائِها التنكُّرية الممزَّقة تدُوسُ السَّحابْ
وما ندفعُهُ مِن ثمنٍ هُنا لا يزالُ غَامِضَاً كالضَّبابْ»
كما نبَّهتْ إلى ما سمّته «ديموقراطيتنا المحتضرة» في قصيدتها «مدارس بين الأنقاض» التي صدرتها بعبارة: «مدارس في بيروت. وبغداد. وسراييفو. وبيت لحم، وكابول، وليس هنا بالتأكيد»، مصرّحةً بأنّ ما تتعرّض له المدارس والأطفال في هذه الأماكن من تفجيرات انتحارية سببها أميركا بسياستها الغاشمة وتحمّلها المسؤولية عن بركان التطرف والعنف الذي عصف بالعالم الإسلامي.
وفي مقالها «عقيدة المتشككة المتحمسة»، تقول إنّها أصبحت أميركيةً متشكِّكة «بعدما أصبح القول إن كل شيء تغير في الحادي عشر من سبتمبر عبارةً مبتذلة في وسائل الإعلام وعلى أفواه المحللين. فمع تحول قصف بلد يعاني الفقر إلى حملتنا الصليبية الأميركية في القرن الحادي والعشرين، ومع إعلان امتداد هذه الحملة إلى العالم أجمع، ومع التنافس على شاشات التلفزيون بين أنباء الفساد لأنّ الكثيرين لا يعرفون تاريخنا الاقتصادي. مع أنباء براعتنا العسكرية المزعومة في مواجهة الشر، فإن ما حدث في أميركا بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 كان بمنزلة تصعيد للعنف، حيث غرست حكومتنا الخوف في كل مكان». وبالنسبة إلى شاعرة أميركية، اشتراكية، لم يكن الأمر ««كل شيء قد تغيَّر» بل «كل شيء أصبح أكثرَ وضوحاً»، فقد كانت الأمَّة، في الواقع، ممزقة من الداخل وتدور في دوامة من العنف المفرط في الخارج، وظلت لمدة طويلة، تتخيَّل نفسها آمنةً خلف الأسوار الإلكترونية والموارد المخزَّنة في مجتمع مسور. والآن، تأمرنا الحكومة التي استولت على السلطة بعملية انتخابية فاسدة بالالتفاف تحت راية الوحدة الوطنية من أجل الأمن. فأصبح الاختلاف في الرأي تحت طائلة الاتهام بالتعاون مع «محور الشر» وأصبحنا مواطنين في جسد مهان وجريح، وأصبحت الحرب التي لا تنتهي هي الدواء الشافي لألمنا».
ورغم إيمانها بأهمية الشعر، إلا إنها تعبّرُ أحياناً عن العجز والإحباط إزاء هول وفظاعة ما يجري في العالم. ففي قصيدة «الليلة، لا شِعْرَ سيُجدي» وهو عنوان آخر مجموعة شعرية نُشرت في حياتها، تشير ريتش إلى عالم «غاشم لا يجدي فيه جمال الشعر». وكما أوضحتْ في حوار لاحقاً، فإن هذه القصيدة، التي كتبتها عام 2007، تأثرت بمقابلات حول غوانتانامو، والتعذيب بالماء، وإنكار الولايات المتحدة الرسمي للتعذيب، رغم أن مثل هذه الممارسات في أبو غريب وغوانتانامو كانت تمارس منذ مدة طويلة في سجون أميركا.
وفي محاضرة بعنوان «الشعر والمستقبل المنسي» قدمتها في جامعة ستيرلنغ عام 2006 ضمن مؤتمر «حول الشعر والسياسة» تصف رؤيتها لأهميّة الشعر، وتكشف عبره عن مدى معرفتها الواسعة بالشعراء المعارضين من مختلف أنحاء العالم وكيف استُخدم وسيلة للمقاومة والعمل السياسي.
«لا أفكِّرُ الآن في شعراء ما بعد الحرب العالمية الثانية فحسب. بل أفكر أيضاً في القصائد المعاصرة ضمن مجموعة حديثة من إسرائيل «عشرون عاماً من الشعر العبري الاحتجاجي» أججته السياسات والممارسات الفظيعة التي انتهجتها إسرائيل في احتلالها لفلسطين. لكن هل «تنجح» قصائد مثل هذه يومَ تشقُّ فيها إسرائيل طريقها إلى غزة، وتقصف لبنان؟ الشاعر كالناشط «ولعله كلاهما» لا بد أن يتحسَّب للكارثة واليأس والعناء. فحين تتسمَّم المياه، وتفيض مياه الصرف الصحي إلى المنازل، ويصبح الهواء غير صالح للتنفس بسبب غبار أنقاض المدارس والمستشفيات المقصوفة، لا بد من أن يلهث الشعر بحثاً عن الهواء. لكن لو أن الشِّعرَ خرس بعد كل إبادة جماعية في التاريخ، لَمَا بقي شِعرٌ في العالم، ولربَّما كنَّا إزاء موضوع مختلف الآن: «موت القصيدة » ربما؟»
* شاعر وكاتب عراقي
