ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

العبور إلى النور

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

كانت أطراف صفحات الدفتر قد اصفرّ لونها، فأدركتُ أن وقتاً طويلاً مضى على آخر محاولاتي للكتابة، شهور كثيرة لم أحسبها.

مروة رزق
مروة رزق
السبت 11 كانون الثاني 2025
أندري ماسون ــــ «مجزرة» (حبر على ورق، 1932)
أندري ماسون ــــ «مجزرة» (حبر على ورق، 1932)
الخط


كانت أطراف صفحات الدفتر قد اصفرّ لونها، فأدركتُ أن وقتاً طويلاً مضى على آخر محاولاتي للكتابة، شهور كثيرة لم أحسبها.
كنت أريد أن أصبح كاتبة مشهورة تجوب قصصها العالم وتدخل إلى كل بيت، وكان عليّ أن أكتب عدداً من القصص كي أصير كذلك، بل ربما أن أكتب كل يوم... لكن في ظل هذه الأوضاع، ماذا سأكتب؟ كل ما استطعت التفكير فيه في تلك المدة هو كيف سيمضي هذا اليوم.
الأحداث الأخيرة في فلسطين قلبت حياتنا رأساً على عقب، فنحن من سكّان قرية حدودية في جنوب لبنان، وعندما طالت صواريخ العدو قرانا، اضطررنا إلى الانتقال إلى قرية أخرى في الخطوط الخلفية، فتركنا منزلنا وأعمالنا حاملين ما هو ضروري فقط، من ملابس وأوراق مهمة وأموال سرعان ما بدأت تنفد نظراً إلى الغلاء، ما دفعنا إلى العمل في أي وظيفة تقع تحت أيدينا.


الحياة في مستقرنا الجديد كانت هادئة نسبياً، ما خلى جدار الصوت الذي تخرقه طائرات العدو مرة أو اثنتين في كل أسبوع، وبضع غارات تطال أطراف البلدات المجاورة.
أعود إلى دفتري الفارغ وأفكر في ما يمكنني كتابته، أشعر للحظة أنني نسيت كيف أكتب، عمَّ أكتب وكل ما يحصل عصيّ على الكتابة؟ عن الحرب والنزوح؟ أم عن المجازر بحق المدنيين؟ أم أروي قصصاً عن الشهداء؟ لا أعتقد أن في اللغة صوراً بيانية تكفي لوصف المشهد.
أما فكرة الحب في زمن الحرب، فقد كانت ساذجة رغم ما تحمله من دفء وأمل. كيف يمكن لإنسان أن يفكر في الحب وسط هذا الألم؟
لم أكن لأسمح لنفسي بالحب فكيف أكتب عنه؟ أو لعلي سمحت؟
لم نكن العائلة الوحيدة النازحة في هذه القرية، سكان المنزل المجاور لنا كانوا كذلك، عائلة لطيفة من أم وأب وثلاث فتيات في مثل عمري تقريباً، وشاب وحيد في الثلاثين، أتى بعائلته إلى هنا منذ حوالى أربعة أشهر بعدما قُصف المنزل المجاور لهم.


لا أنكر أن قلبي نبض بشكل مختلف حين رأيته للمرة الأولى، لم يكن دائم الإقامة مع عائلته لكنه كان يأتي ليمضي معهم أيام إجازته كل أسبوع، وأحياناً كل أسبوعين، لم نتكلم كثيراً لكن النظرات لا تكذب، شيءٌ ما حصل من دون إرادة منا، كنت أترقب حضوره وأراقبه من شباك غرفتي كلما مر من أمام منزلنا، وكنت – بعد أن أدركت طبيعة عمله وسبب غيابه الطويل - أصلي من أجل سلامته عند سماع أي خبر عن غارة جديدة.
أدفع تلك الأفكار بعيداً وأعود إلى دفتري، ماذا سأكتب؟
في اللحظة نفسها يعلو صوت التلفاز بالحديث عن أحوال المستشفيات في قطاع غزة، فأجد فكرتي أخيراً.
«بنيامين طبيب إسرائيلي دخل إلى قطاع غزة أثناء الهدنة التي دامت ثلاثة أيام، مع مجموعة أخرى من الأطباء أرسلهم الكيان كبادرة حسن نية تجاه الفلسطينيين، لتلميع صورته أمام العالم الذي شهد وحشيته منذ بدء العدوان، زيارة الطبيب لم تكن عادية ولم تجرِ كما تم التخطيط لها. كيهودي صهيوني لم تكن معاناة أي عربي شيئاً مهماً أو محزناً له بصرف النظر عن قسمه كطبيب بإنقاذ الأرواح من دون السؤال عن جنس أصحابها ولونهم وهويتهم، ولكن ما رآه هاله وأوجع قلبه، وبينما كان الأطباء الآخرون يعبثون بأجساد الجرحى ويسرقون أعضاءهم ويزوّرون تقارير الوفاة، كان الحال مختلفاً بالنسبة إليه، كان يقدم كل ما يستطيع، يداوي الجراح ويبكي مع كل أم ويحتضن كل طفل، ويمسك بيد كل تائه لم يعثر على أفراد عائلته، كان يشعر أن شيئاً ما يحصل في قلبه في كل مرّة يقترب فيها من فلسطيني، وتبدد كل ما تعلمه عن مكانته الأعلى ومكانتهم الأدنى، وكل الكره الذي زُرع في قلبه تجاههم تبدل.


لاحظ بقية أفراد الوفد الطبي اختلاف حاله، فرفعوا تقريراً إلى الجهات المعنية بضرورة إيقافه، فقد كان يعيق عملهم، فمناداته بالإنسانية وضرورة وقف الأعمال الإجرامية لم تكن تناسبهم، وبالفعل تم إخراجه من القطاع وإعادته إلى تل أبيب».
لم أكن لأتوقف قبل أن أنهي قصتي، لكن الأصوات القادمة من منزل جيراننا شتتت انتباهي، وحين نظرت من النافذة رأيت أم يوسف تشهق بالبكاء عند باب منزلها، اعتصر الألم قلبي... لم أرد أن أفكر أن يوسف قد استشهد. كانت نهاية طريقه معروفة، ويا لها من نهاية مشرفة تستحق الافتخار، خاصة أنه كان يطلبها دوماً، لكنها تبقى رغم ذلك مؤلمة.
ركضت إليها محاولة قدر الإمكان أن أتماسك وسألتها عما جرى، فأخبرتني أن غارة استهدفت مكان تواجده مع رفاقه ولا خبر عنه بعد، وليس معلوماً إن كان قد استشهد أو أصيب.
كانت الأربع والعشرون ساعة التالية أقسى ما يمكن أن يمر على الإنسان لكن النهاية كانت تستحق: لا زال على قيد الحياة.
فرحت رغم ألمي لِما أصابه من جراح، وعدت لاستكمال قصتي.


«في المنزل التقى والده الذي لم يكن مسروراً من الأخبار التي سمعها عنه، واستقبله بحفلة من التوبيخ.
كان الأب ضابطاً في الموساد، خدمه بإخلاص لما يزيد عن عشرين سنة، وكان من العار بالنسبة إليه أن يقوم ابنه بتلك الأفعال، لم تكن الرحمة والرأفة والتعامل بإنسانية كلمات موجودة في قاموسه، خاصة في التعامل مع العرب.
لم يلقِ بنيامين بالاً لكل ما سمع، وكان جل تفكيره في كيفية المساعدة من موقعه هذا، لم يتردد في نشر ما يفكر فيه على مواقع التواصل، حاول إظهار مظلومية الشعب الفلسطيني، نشر صور المجازر بحق الأطفال ونفى كل خبر يتعلق بتواجد مسلحين في المستشفيات، حاول إثارة الرأي العام والضغط على أهالي المخطوفين، كل هذا جعله في حالة صدام مع والده بشكل دائم، حتى حانت لحظة المواجهة الكبرى».
اليوم سيعود إلى المنزل، ويمضي فيه أسابيع عدّة قبل معاودة العمل، كنت مبتهجة أنجز الأعمال بسرعة بانتظار وصوله.
أمضيت غالبية اليوم في الساحة الخارجية للمنزل، وها قد وصل، رأسه ملفوف بالضمادات البيضاء، ويده أيضاً، ويتوكأ على عكازتين لأن قدمه مكسورة.
فرّت من عيني دمعة عند رؤيته، فأرسل إليّ من طرف فمه ابتسامةً صغيرة مطمئنة.


قررت عائلتي زيارة الجيران في المساء لتهنئتهم بسلامة يوسف، كانت الساعة تشير إلى الثانية ظهراً، ولتمضية الوقت لجأت إلى دفتري، وكتبت:
«كانت المواجهة حادّة بين الأب وابنه، وعبثاً كانت محاولته لثنيه عما يفعله، وعجز عن إفهامه أن ما تقوم به إسرائيل حق لها، حق مشروع بالدفاع عن النفس وعن أرض كانت لهم، أرض الميعاد ووطن اليهود. لكن كل هذه الكلمات سقطت قبل أن تصل إلى أذن بنيامين، لم يستطع تقبل فكرة أن الدفاع عن النفس يكون بقتل الأطفال والمدنيين العزّل، أو أن الله اختار شعباً بهذه الوحشية ليرث أرضه.
بعد ساعات من الجدال ضاق صدر الأب من عناد ابنه، فرمى بوجهه كلمات كانت كفيلة لتقلب دنياه: «فعلاً العرق دساس». لم يفهم بنيامين ما يقصده والده حتى فجر قنبلة هزت أعماقه عندما أخبره أنه ليس ابنه، وأن أصله فلسطيني!
عندما بدأ الاحتلال وصار اليهود يتوافدون إلى فلسطين عمدوا إلى سرقة الأطفال من عائلاتهم بعد قتل كل أفراد العائلة، وإيداعهم عند أسر يهودية، وتحديداً تلك الأسر التي لم يحالفها الحظ في الإنجاب، وكان هو أحد هؤلاء الأطفال.


للحظة شعر أن قدمَيه لا تعينانه على الوقوف، ولكنه لم يجد ما يمكن أن يتكئ عليه، انهار العالم من حوله، واختلطت مشاعره فلم يعد يدري أيشعر بالفرح لأنه لا ينتمي إليهم؟ أم بالحزن بعد اكتشافه أن حياته كانت عبارة عن كذبة وأنه طوال حياته عاش كشخصٍ آخر؟ أم يشعر بالألم؟ لكن على ماذا يجب أن يتألم؟ على نفسه؟ أم على وطنه؟ أم على شعبه؟ وقبل أن يحدد موقفه أعاده صوت تلقيم السلاح إلى الواقع. فتح عينيه فوجد الرجل الذي ربّاه يصوّب المسدس إلى رأسه، وينهال عليه بعبارات شتم وتحقير لم يسمعها من قبل.
لم يكن مستغرباً أبداً، فمن يسرق أرضاً بغير حق ويقتل شعبها ويهدم منازلها ويختطف أطفالها بدم بارد، سيقتل ابناً ربّاه ما يزيد عن ثلاثين عاماً، لانتمائه إلى أرض، بذات الدم البارد.
ضغط على الزناد، وانطلقت الرصاصة، وعبر بنيامين إلى النور، ومن مكان مرتفع نظر فرأى فلسطين تُزهر».
أنهيت قصتي وقمت بطباعتها على الحاسوب لأرفعها على صفحتي في مواقع التواصل، وانطلقت بعدها لأستعد للزيارة المنتظرة، وفي اللحظة التي كنا فيها على وشك الخروج من الباب دوى صوت طقطقة يشبه الرعد، ثم ضوء ساطع.

* مشغرة/ لبنان

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك