في شرقنا طفلٌ يرقص... خوفاً
شهر مضى على النجاة من حرب لُطّخت فيها أيادي العالمين من سفك دمائنا. استقلّيتُ سيارة أجرة، واتجهت إلى «الحمرا»، المكان الذي يحتضنك بأي هوية كنت، ويبدع في الاحتضان. أمد يدي من النافذة، أحاول إمساك شيء ما.


شهر مضى على النجاة من حرب لُطّخت فيها أيادي العالمين من سفك دمائنا. استقلّيتُ سيارة أجرة، واتجهت إلى «الحمرا»، المكان الذي يحتضنك بأي هوية كنت، ويبدع في الاحتضان. أمد يدي من النافذة، أحاول إمساك شيء ما. مطر، زمن، أو حتى نفسي. في لحظات العودة إلى الحياة، يصبح لكل شيء قيمة. الأزمنة، الأمكنة، وحتى زحمة السير على الطرقات التي دائماً ما بغضتها. كل شيء يدلّ على أنك حيّ يصير ذا قيمة. وبما أنني على موعد مع فصل من طفولتي، فأنا من الأحياء المتجذّرين في الماضي الممتدين في الزمن. هكذا أكون، وهكذا فرضَت الحياةُ على الموت كوني.
في مقهى في شارع الحمرا، جلست ليلى قبالتي. لم ألتقِها منذ اندلاع الحرب على لبنان. كنت أتهيّب مقابلتها وسؤالها عن حالها. هي صديقتي منذ الطفولة، المثقفة التي تروي لك أحداث العالم وحروبه بكل ما للموضوعية من معنى. هذا كله اختفى مذ أنجبت ابنتها، مرام. لقد باتت تتحدث عن الحروب بفكر أم، تخاف على ابنتها من شرارة تندلع في أقصى الأرض، فتنجرّ نيراناً إلى سرير ابنتها. بل حتى إنني لاحظت أنها، في لقائنا الأخير بعد «طوفان الأقصى»، أصبحت أماً لكل أطفال العالم، والغزيين خصوصاً.
يومها أخبرتني أنها منذ اندلاع الحرب على غزة، وأمام مشاهد قتل الأطفال، ترتجف برداً – أو خوفاً - وأنها تشعل سيجارتها بأعواد ثقاب، فيسري في فمها طعم دماء. أيحمل المرء من طفولته كل شيء، حتى طعم الدماء في فمه؟
فمنذ حوالى العقدين ونصف العقد من الزمن، جاءتني مرتجفة باكية، تنعى إليّ موت طفلة. هدّأت من روعها لأستفهم عن هوية الميتة، فأجابتني أنها «بائعة كبريت» ماتت، بالأمس، من البرد وعيناها مسمّرتان إلى عود ثقاب تتأمل أن يهبها دفأً أكثر من أملها في الحياة، على رصيف شارع تشرف عليه نوافذ من أتخمتهم الموائد، وأسكرهم الدفء حدّ الهذيان. لم تنم في تلك الليلة، وفي الصباح، حاولت إخضاع الأمر للتجربة. أخذت علبة أعواد ثقاب، و«سيجارة» - للإنصاف، كانت تجربتان في تجربة واحدة - والتجأت إلى الحديقة الخلفية. أشعلت أعواد الثقاب لتتدفأ منها، ولكنها انطفأت جميعها، وظلت هي تترجف من بردها، أو خوفها. وبعود ثقاب متبقٍّ، أشعلت السيجارة وغرقت في حزنها، عندما شاهدتها والدتها تدخن، ضربتها على فمها وسال الدم منه.
ضممتها في ذاك اليوم، وبكينا سوياً، وقررنا أن هذا مجرّد عته، فالأطفال لا يموتون «برداً». وإن حدث، فسنضع حداً لهذا الأمر عندما نكبر، وسنجعل أطفال العالم جميعهم يعيشون بسلام. وعندما كبرنا، اكتشفنا صنوفاً أخرى لموت الأطفال، لم نستطع وضع حد لها، ولكن قررنا أن ندعوَ كل من كان يشاهد أفلام الكرتون في زمننا إلى الخضوع لعلاجات نفسية!
-كيف سرت الحرب عليكِ؟
لم أجد طريقة أخرى لقطع حاجز الصمت الذي طال بيننا. بعينين شاخصتين إلى العدم، ويدين مرتجفتين تحاولان الإمساك بفنجان قهوتها تارة، وبدمعها المنسكب على الوجنتين أخرى، قالت لي: «أتعلمين؟ كان كلٌّ منا يشاهد حرب الإبادة في غزة منذ بداية «طوفان الأقصى» بعين مختلفة، واحدة حكمتها السياسة، ثانية حكمتها الجغرافيا، ثالثة حكمتها الديانة/ الطائفة، ونادراً ما حكمتها الإنسانية. أما أنا، وغيري من الأمهات، فرأيناها بعيون الغزيات وأطفالهن. ولكننا جميعنا، بشيء من الإنكار، تناسينا أن عدوّنا الذي خبرناه جيداً يريد أن يبني وطنه القومي على جماجم رجالنا وأوصال أطفالنا، فأجمعنا في اتفاق ضمنيّ - نفسيّ- جماعيّ، أن هذا الموت يحدث «لهم» فقط، في مكان بعيد مهما قربت الجغرافيا أو بعُدت، وأن هذه اللعنة لن تحيق بنا».
كان في عينيها شيء ما قد تحطّم. كان في صوتها المبحوح كلام تحاول دفنه، ولكنه تمرّد عندما قالت: «ولكنها أحاقت بنا في النهاية. لا بأس، نجونا، هكذا يقولون، لذا هناك شيء واحد يستحقّ أن نتكلم عنه بعد اليوم: الأطفال... أطفال الحروب».
في مقهى يعجّ بالناس، وتراه فارغاً إلا مني ومنها ومن ارتجافات يديها المنتظمة، راحت تحدّثني عنهم. «رأيت أطفالاً ترتجف من الخوف! صديقة لي تحدّثني عن أن ابنها كان طوال الحرب يصرخ عندما يسمع صوت انفجار، ولكن الحالة امتدت معه بعد انتهاء الحرب، يكفي أن يُضرب باب بقوة حتّى يبدأ حفلة الصراخ خاصته. أخرى حدّثتني عن تبوّل ابنها اللاإرادي. وتقول جارتي إن أولادها أصبح لديهم فرط في الحركة، لا يهدؤون ولا يكلّون، عداكِ عن شرودهم وانعدام قدرتهم على الاستيعاب والتركيز. أما ابنة أختي، ففي صمت مطبق، وهنا يكمن الخطر، فقط عينان شاخصتان ما إذا أحست بخطر، وانعدام القدرة على الإتيان بحركة واحدة، أو التفوّه بحرف».
-«ومرام؟» سألتها...
جحظت عيناها، ارتجفت شفتاها، وقالت: «كانت الصواريخ تتساقط في زنّار نار ظننت لوهلة أنه مسحٌ لتاريخنا وحيواتنا وهويتنا الجماعية. أما مرام، فقد رفعت يديها ورقصت!».
كادت تتهاوى. استجمعت رباطة جأشها وأضافت: «سمعت من أمهات كثيرات عن حال أطفالهن في الحرب. وحدي كنت أُداري إخبارهنّ أنني رأيت طفلتي ترقص. كنت أنظر إليها برعب. خطرت في بالي لحظتئذٍ تفاسير صور كثيرة، عصفور يتحيّن ذبحه فيتحداه بالرقص! فراشة تتراقص حول النور! صوفيٌّ هائم في دائرة العشق الأبدية! مددت يدي وسحبتها إلى صدري. تخيّل إليّ أنني أنتشلها من موت محتّم».
بشيء من القهر الممزوج باللعنة، وبيأس من راوده للتوّ المشيب، أشعلت سيجارتها بعود ثقاب، وقالت: «أظنّ أنك فهمتِ أن الأطفال يموتون، برداً، جوعاً، قصفاً، حرقاً، تقطيعاً، وحتى خوفاً!»، وأضافت: «أما الناجون منهم، فقد تحدد مستقبلهم للتو. كما تعلمين، الطفولة تحدد معالم المستقبل، تحدد شخصياتنا وعقدنا النفسية أيضاً. وليس الأهالي جميعهم لديهم الثقافة والوعي اللازمين، أو حتى القدرة المادية على إخضاع أطفالهم لعلاجات نفسية». فأجبتها أن هنا تكمن مسؤوليتنا جميعاً وتحدينا الأساسي لنشل أطفال مستقبلنا من براثن تبعات الحرب وأثرها النفسي على حيواتهم. هزت رأسها بأمل ضعيف، أشعلت عود ثقاب مجدداً، راحت تراقب ناره تتراقص، وغرقت في عالم بعيد.
مضى عقدان ونصف عقد من الزمن، ولا زالت ليلى تبحث في عود الثقاب عن المتناقضات. الظلام والنور. البرد والدفء. الفقر والغنى. الأمل واليأس. الشغف والانطفاء. الإيمان والكفر. الحب والكره. الظلم والعدل. الحرب والسلم. الطفولة والمشيب. والشرق والغرب.
مضى عقدان ونصف عقد من الزمن، وكلما أشعلَت عود ثقاب تذكرت أنّ الأطفال في شرقنا يموتون، برداً، وجوعاً، وفقراً، وظلماً وجوراً، وإن عاشوا، عاشوا مسلوبي الطفولة، كباراً منذ الميلاد. ولعنت اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقيات «جنيف» الأربع – التي تمثل الأساس القانوني الدولي لحماية المدنيين في وقت الحرب –وكل سرديات القوانين والحقوق التي لم تُنصّ من أجلهم، بل من أجل أبناء من شرّعوا القوانينَ أينما حلّوا.
مضى عقدان ونصف عقد من الزمن، ولا زالت تبحث في عود الثقاب عن أجوبتها، وتشم رائحة دخان، وتستطعم دماً. وبعد عقدين ونصف عقد من الزمن، لا زالت تتساءل، إلى كم عود ثقاب يحتاج الفقير لكي يتدفّأ، والظلم لكي يزول، والعدل لكي يسود، والشرق لكي ينتصر، والصوفيّ ليشعل دائرة العشق؟ وإلى كم عود ثقاب يحتاج الطفل كيلا يموت، فقيراً، على رصيف في شارع تشرف عليه نوافذ من أتخمتهم الموائد، وأسكرهم الدفء حدّ الهذيان؟
* بيروت
