فاطمة زعرور وآخرون يروون «حكاية الله»
اثنان وعشرون كاتباً وكاتبة من لبنان وسوريا والعراق والجزائر وإيران، تناوبوا على سرد قصص المقاومة والصمود في المجموعة القصصية «حكاية الله» (دار الولاء لصناعة النشر ــــ 2024).


اثنان وعشرون كاتباً وكاتبة من لبنان وسوريا والعراق والجزائر وإيران، تناوبوا على سرد قصص المقاومة والصمود في المجموعة القصصية «حكاية الله» (دار الولاء لصناعة النشر ــــ 2024).
يتألف الكتاب من فصلين، يضمّ الأول القصص العشر التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الدورة الثالثة من «جائزة سليماني العالمية للأدب المقاوم»، التي تنظمها «جمعية أسفار للثقافة والفنون والإعلام»، بينما يضمّ الثاني اثنتي عشر قصّة ارتأت هيئة الجائزة إضافتها إلى الكتاب لتميّزها وارتفاع سويتها الفنية.
ومن البديهي أن تتفاوت مستويات القصص داخل الكتب الجماعية، مع تعدّد الكتّاب وتنوّع الأساليب والأجواء والشخصيات، إلا أن انتماء القصص في «حكاية الله» إلى الأدب المقاوم يبقي خيطاً متصلاً يربطها من الصفحة الأولى حتى الأخيرة، سواء دارت أحداث القصة في جنوب لبنان 2006 أم في فلسطين 2024 أم في أي مكانٍ وزمانٍ آخرين.
القصّة التي وهبت المجموعة عنوانها، «حكاية الله»، كتبتها اللبنانية فاطمة زعرور، وحصلت عبرها على المرتبة الأولى، وهي قصّة طفل في الخامسة من عمره، توفيت أمه وغاب أبوه في بلاد الغربة، فلم يجد إلا خالته التي حدبت عليه وأعطته من فيض حنانها وعطفها، وبينما الجوّ مكفهر بصواريخ العدوّ وغارات طائراته، يخاف الطفل، فيسأل خالته: «أين يسكن الله؟ ولماذا تأخر؟ وهل يمكن أن يتركنا نواجه آلة الحرب الهمجية ولا يتدخل لإنقاذنا؟». تختزل القصّة فكرة أدب المقاومة، وتأتي تكثيفاً للحظة إنسانية صادقة، وقد أضفى التقاط فكرتها اللطيفة بعداً مخصوصاً عليها، جعلها تخاطب ما هو كائن في أعماق كل منا، وتعيد إنتاج طريقة تمثّلنا للعالم ونحن صغار، وإيماننا بأن الخير ينتصر حتماً على الشرّ.
انتماء القصص
إلى الأدب المقاوم يبقي خيطاً متصلاً يربطها
وتحاول الخالة بالسرد المضمَّن أن تقنعه بأنّ الله ينصرنا إن نصرناه، ويثبّت أقدامنا إن وثقنا به، وتزرع في نفسه المرتاعة بذور الإيمان والثقة والأمل. كيف؟ بـ «تليين المعاني» بفضل موهبة «اختراع الحكايات» التي تتمتع بها، وتعيد عبرها صياغة العالم.
أما في «البوصلة» للسورية رانية ميكائيل (المرتبة الثانية)، فعبر حكاية المقاوم كاظم، التي تُختتم ببوصلةٍ توضع على قبره بعدما انتهت مهمّتها كما انتهت مهمّته في الحياة بشرف، تمكنت الكاتبة من المزاوجة بين السرد المتدفق بسلاسة وبين التصوير الفني البارع، والتكثيف الإيحائي المحكم، إذ يمكن القول إن بوصلة الكاتبة لم تخطئ وجهتها، وحققت المبتغى الفني المنشود ببراعة.
وفي «الواحدة والنصف بتوقيت الغيب» (المرتبة الثالثة)، تعالج اللبنانية زينب الضيقة فكرة الحياة الأبدية للشهيد والحضور الدائم لطيفه بين أهله ومحبيه، عبر استعادة قصة متداولة في إيران بطلها شاب يتيم شعر بفداحة فقد أبيه الشهيد حين أراد التقدم لخطبة فتاة اشترطت عائلتها وجود رجل من أهله، وكانت مشكلته تزداد تعقيداً في ظل عدم وجود أحدٍ من أقاربه سوى أمه، لولا رؤية غريبة رآها في منامه فأذعن لها وكان فيها الفرج له والحل لمشكلته.
أما «ثلاثٌ طوال انتهت بفاتحة» (المرتبة الرابعة)، للبنانية زينب رضى، فتنهل أيضاً من معين الواقع، ومن قصص شهداء المقاومة في لبنان، مع إضافة بعض التفاصيل الجوهرية التي استقتها الكاتبة من الخيال لإغناء السرد، بعد استئذان عائلة الشهيد المقصود، حيث نكتشف في ختام القصة أن العقدة النفسية لدى الراوي التي تكشف عن نفسها عبر تأتأته ونفوره من رائحة البطاطا المقلية وجزعه أمام نبأ استشهاد شقيقه الذي يتوجب عليه نقله إلى بقية أفراد العائلة، لها أسباب موضوعية تعود إلى ذكرى حملها من طفولته.
وفي «قبّعةٌ ومعطفٌ وأوعيةٌ بيضاء» (المرتبة الخامسة)، تبدع اللبنانية نسرين بدوي في رسم واحدة من حكايات بطولة المقاومين في مواجهة «داعش» في سوريا بريشة فنية بارعة، ومن بينهم الابن الوحيد للبطلة الراوية، التي تطل من النافذة في ليلة شتوية شديدة البرودة متطلعة إلى عودته أو سماع خبر عنه، فتتفاجأ بوجود جارها الطاعن في السن، وقد خرج مثلها منتظراً ابنه الوحيد، لتتطور الأحداث بعدها فتصل إلى نهاية غير متوقعة. وتراوح لغة الكاتبة بين الإيحاء والرمزية والسرد المباشر أحياناً، مع توظيف حَسَن لتقنية الاسترجاع.
وفي «الذائبون عشقاً» (المرتبة السادسة) يجتهد الجزائري بلمهدي عبد المجيد في ابتداع سياق سردي متخيل لحادثة حقيقية هي استشهاد شخصية عراقية معروفة (بنت الهدى شقيقة السيد محمد باقر الصدر) في زنازين صدّام حسين، موظفاً في سبيل ذلك اعترافات ضابط مخابرات ألماني متقاعد كان النظام السابق قد استعان به كخبير نفسي. واعتمد الكاتب في قصته أسلوباً سينمائياً مدهشاً مع حبكة قوية وتكثيف جيّد، مقدّماً رسالة قيمة تظهر جانباً من جوانب المقاومة السياسية في العراق في عهد القهر والظلم.
وفي نصٍّ مكثفٍ خالٍ من المباشرة وبعيدٍ عن الشعارات بعنوان «على هدير البحر» (المرتبة السابعة)، يحكي العراقي حسن سلمان قصّة عجوز تسكن مع زوجها في المنفى بعد أن شرّدهما الاحتلال من قريتهم التي فقدا فيها ابنتهما الوحيدة، لتنتهي القصة نهاية بارعة مفتوحة على القراءات المتعددة.
بدوره، يحكي السوري فاتح كلثوم في قصته «طوق النجاة» (المرتبة الثامنة)، مستغرقاً في المجاز والتكثيف والرمزية العنيفة واللغة الشعرية الأنيقة، عن معاناة الناس في مواجهة «داعش» وما صاحبها من تمزّق الأسر ودخولها في فتنة عمياء، لتأتي الخاتمة قوية مفتوحة على التأويل المرير.
وفي قصّة طريفة تقوم على التحليل النفسي وعلى لحظة التنوير، حملت عنوان «حين يحيي الميت وطناً» (المرتبة التاسعة)، جمعت اللبنانية مروة شامي بين بيسان التي تهوى المقاومة، وخالد الذي يكاد أن يتورّط في العمالة والتجسس لمصلحة العدو، قبل أن يوقظه حدث كبير، فينتقل إلى التنسيق مع المقاومة، لتأتي الخاتمة جميلة ومدهشة.
ويُختَتَم الفصل الأول بقصة «مكالمات مكتوبة» (المرتبة العاشرة)، للإيرانية مونا اسكندري، وبطلها جندي يتذمر من قائده الذي لا يحبّه لاعتقاده أنه يشكك به أو يتعمّد الحطّ من شأنه، قبل أن يغير رأيه بعد اطلاعه على مكالمات القائد التي كان مكلفاً بالاستماع إليها وتدوين محتواها مع سواها من مكالمات هاتفية.
ولا تبتعد بقية قصص الكتاب من حيث مستواها عن القصص العشر في الفصل الأول، وإن لم يحالفها الحظ في الوصول إلى القائمة الطويلة للجائزة. وإن كان المقام لا يتسع لاستعراضها بالتفصيل، فإن من الإنصاف ذكر أسماء كتّابها، وهم: السوري محمد طعّان الخضر واللبنانيات سلام المقداد وحوراء حجازي وزهراء السيد وبشرى زهوة وليلى كردي وكوثر شقير وليلى عماشا ومروة رزق وزهراء ريحان وميري نور الدين وفاطمة يوشع قصير. وإذا كانت الكتابة الإبداعية تقتضي أن يكون الكاتب ملمّاً بتقنيات ومعايير كتابة النوع الأدبي الذي يختاره، ممتلكاً لأدواته، فإن الأدب الملتزم لا يحقق غايته إن لم يكن الكاتب – فوق ذلك - مؤمناً بقضيته بعمق، مستعداً للتضحية من أجلها مثل من يكتب عنهم، وهو ما ينطبق على عدد من المشاركين في هذه المجموعة القصصية، ومنهم فاطمة زعرور التي استشهد والدها المقاوم أثناء تصديه مع رفاقه للعدوان الأخير على لبنان، وسلام المقداد التي استشهد طفلها وشقيقها وعائلته أثناء العدوان.
تصدر قريباً طبعة ثانية من الكتاب عن «دار الولاء» و«دار أسفار» في بيروت، بعدما تعرضت مستودعات دار الولاء في الضاحية الجنوبية للتدمير الكامل بفعل غارة جوية أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير، بما فيها من كتب، ومن ضمنها إصدارات الجائزة التي لم يكن قد مضى على صدورها سوى أيام معدودة.
