ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لينا كريديه... في هجاء الجنس البشري

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

 من خصائص الرواية الجيدة: الإبداع والإمتاع، وهذا ما نجحت فيه الروائيّة البيروتيّة (كما تُعرّف نفسها على غلاف الرواية) لينا كريديه في روايتها «العرجون اللُّجين» (دار النهضة العربية ــــ 2024).

فاطما خضر
فاطما خضر
السبت 18 كانون الثاني 2025
لينا كريديه... في هجاء الجنس البشري
الخط


من خصائص الرواية الجيدة: الإبداع والإمتاع، وهذا ما نجحت فيه الروائيّة البيروتيّة (كما تُعرّف نفسها على غلاف الرواية) لينا كريديه في روايتها «العرجون اللُّجين» (دار النهضة العربية ــــ 2024).


رواية تحمل في عنوانها تكثيفاً مجازيّاً يُحيلنا إلى العرجون المذكور في الآية الكريمة: «والقمَرَ قدَّرناهُ مَنازلَ حتّى عاد كَالعرجون القديم»، التي تُشير إلى مراحل تكوّن القمر، أي دورة حياته، وهذا ما ضمّنته كريديه بين دفتَي روايتها، مع إحالة المعنى إلى دورة حياة الإنسان. ففي جوّ فانتازيّ، تحيك كريدية حواراً سورياليّاً بين بطل روايتها أبراهام دافيد عزرا ومرآته اليهوديّة، التي سُجِن فيها بعد وفاته. وكأنّ في ذلك عقاباً، لأنّه عاش حياته الأخيرة قبل موته هذا، مُدّعياً هو وعائلته أنّهم مسيحيون لبنانيّون، وليسوا يهوداً لبنانيّين، خوفاً من مجتمع لا يُميّز بين الدين اليهودي والصهيونية كحركة استعماريّة استيطانيّة. فيأتي المقطع الأوّل في الرواية صادماً للقارئ، ليكون بمنزلة صنّارة تتلقّف انتباهه، وتشدّه إلى متابعة القراءة: «منذُ توفّيتُ، لم أستطع مغادرة هذا المنزل. لا أعرف السّبب! أنا أبراهام عزرا دافيد، توفّيتُ البارحة عصراً، وقد بلغتُ من العمر عتيّاً. وها قد عَلقتُ في مرآتي اليهوديّة، وما استطاعت روحي أن تنفذ من جحيم الأرض إلى ما بعدها....».


وهكذا تبقى روح أبراهام عالقة في المرآة حتّى الصفحة الأخيرة، حيث النهاية التراجيديّة، بعد أن يتقاسم أخوه «مناحيم» وأخته «ديانا» وعائلتاهما أصول منزله، كلٌّ بحسب اهتماماته، من دون أن يكترث أحدٌ للكتب النادرة والمهمّة في مكتبته التي عنت له الكثير، وهو البروفسور الحاصل على دكتوراه في النقد الأدبيّ المعاصر من جامعة «السوربون»، وفي ذلك إشارة إلى أنّ الإنسان يُنسى بعد موته أمام سطوة المال، كأنّه لم يكن. ثُمّ تُباع الشّقة لزوجين، يخشى أبراهام أن يُكمل وجوده العالق في قلب المرآة معهما، لكن يتلاشى هذا القلق عندما يتحرّر من سجنه، مع وصول عُمّال لتسلّم ما بقي من مفروشات: «صرخ بهم رئيس العمّال كي يحذروا فلا يكسروا المرآة، ولكنّه ما كاد ينتهي من جملته حتّى ارتطمت بحافة الدرج وتهشّمت قطعاً صغيرة. تشظّت المرآة فشعرت براحة كبيرة... شعرت بحريّة مُطلقة. ما عدت مكبّلاً بالمرآة، وهي أيضاً تحرّرت، كأنّني طائر استعاد جناحيه، وانطلق».


ما بين بداية الرواية «الموت»، ونهايتها «الانعتاق»، تلعب كريديه لعبة مكاشفة فلسفيّة عبر 21 مشهداً، ما بين أبراهام ومرآته اليهوديّة المُقعّرة السوداء. فما لونها الأسود سوى كناية عن قتامة البشريّة بسلوكها وتاريخها منذ الأزل. وما شكلها المُقعّر سوى كناية عن الجمود وتلاشي الشعور، حيث يُمثّل اللاشعور قعر الألم. أمّا المرآة بعينها فكناية عن خبايا الذات، وانعكاسنا في المرآة يُرينا وجهنا على حقيقته، لكنّ كريديه تأخذنا بذكاء إلى ما هو أبعد من صورتنا في المرآة، إلى صورة البشريّة ككل، عندما يبدأ أبراهام بالاعتراف للمرآة بخطاياه؛ كأنّها تُشير إلى أنّ الإنسان يتنبّه إلى أخطائه ومعاصيه بعد فوات الأوان، عندما تستحيل فرصة تصحيحها، حتّى وإن تكرّرت حيواته، رُبّما لأنّ الإنسان بذاته ابن الخطيئة والنقص! مع هذه الاعترافات، تختلط عند أبراهام الأمكنة والأزمنة والحيوات، فنسافر معه عبر الزمن في رحلة ارتجاعية، تسرد عبرها كريدية جزءاً من التاريخ العربي واليوناني والمشرقي، وتُحمّل هذا السرد أبعاداً سياسيّة واجتماعيّة ودينيّة وجندريّة، وفقاً لخطاب فكريّ مُشبع بالرمزيّة لتاريخ بشريّة يُعيد نفسه منذ الأزل، وفقاً لشهوة السلطة والجنس والمال، ومبدأ الغاية تُبرّر الوسيلة، وإن تجسّدت هذه الوسيلة بالخيانة، أو بالقتل، أو حتّى بالحرب إن لزِم الأمر.


يكمُن تميّز الرواية في قدرة كريديه على التنقيب في وقائع تاريخيّة ومقارنتها بطريقة غير مباشرة مع زمن الراوي المتوفّى. فكما اشتعلت الحروب منذ عصر الجاهلية، وما تلاه، ابتداءً من عصر صدر الإسلام، حيث دُسّت السموم ونُصبت المكائد لهثاً وراء السطوة والسلطة والمال؛ لهاثٌ امتدّ إلى العصر الأمويّ، فالعباسيّ الذي تزامن مع الفاطميين في مصر، واستمرار الأمويين في الأندلس، وحتّى ما بعده من أيوبيين ومماليك وعثمانيين؛ اشتعلت الحروب في زمن الراوي بين بيروت الغربيّة والشرقيّة، وبين شارعَي الشيّاح وعين الرمّانة. وكما شهدَت الأزمنة المذكورة مئات الخيانات السياسيّة والدينيّة والجندريّة، ينفضح في زمن الراوي أمر جارتهم الجاسوسة «شولا كوهين»، التي عملت على تهريب يهود لبنان إلى الكيان العبري، وإدارة عصابة مؤلّفة من 13 جاسوسة يحترفن الدعارة، إضافة إلى مجموعة موظّفين في وظائف حكومية عالية الشأن، ومجموعة مُهرّبين.


يمتد مسلسل الخيانة ليشمل خيانة الرجل للمرأة، فوالد أبراهام خان والدته، لذا يعيش أبراهام عقدة الحياة الزوجيّة، فيختار أن يعيش عازباً، ليخون عشيقاته. سلسلة طويلة من الخيانات، والهزائم، والمكائد، والخيبات تُسيطر على أحداث الرواية، بلغة يتوارى خلفها هجاءٌ للجنس البشري وشهواته التي لا تنتهي، ولعرب يحترفون تكرار الماضي من دون ملل: «المرآة: أنت تعترف بأنّك ستستعمل مرآة للسحر إذن. أبراهام: صدقيني، لا حاجة لي بها في السحر. السيناريو ذاته يتكرّر بوجوه عدة. وفي كلّ حياة عشتها، استمرّ العرب على المنوال نفسه مع تعديلات طفيفة شكليّة، تُحافظ على الشكل الخارجي ويبقى جوهرها عالقاً في الزمن الأول. أريدها لغرض آخر وهو العبور».


وسط هذا الجو الغرائبي والسوريالي والكئيب، المشغول بحنكة لجهة مزج الأزمنة والأحداث، تستدعي كريديه أيضاً مجموعة كُتّاب، وتستنبط من أفكارهم وحيواتهم ما ينسجم مع حالات أبراهام المختلفة باختلاف حيواته، وبما يتّسق مع حواره مع المرآة، مثل: عنترة بن شدّاد، السموأل، لويس كارول، تشارلز ديكنز، أغاثا كريستي، باروخ سبينوزا، كافكا، شوبنهاور، محمود درويش... وغيرهم.
هكذا تبدو الرواية من عنوانها حتى صفحتها الأخيرة، أشبه بدورة حياة كاملة، ما بين الولادة والموت بالمعنيَين المجازي والاصطلاحي، في فضاء تتنوّع فيه أزمنة عُجنت ببؤس الخيانة وشهوة المال والجنس والسلطة والحروب.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك