
سبعة أيّام مرت على غيابه، لا حسّ ولا خبر، ولا معلومة واحدة تطمئنها عنه، سبعة أيام وكلما دق باب منزلها أو رن هاتفها تتسارع دقات قلبها الذي ما عاد يحتمل الخيبات والمآسي...
وجاء ذلك الاتصال الهاتفيّ ليحرّك رتابة أيّامها ويزيد من قلقها الدفين الذي لم يفارقها لأيامٍّ وليالٍ. صوت مألوف اعتقدت أنها عرفت هوية صاحبه من بضع كلمات مشفّرة قالها ليقفل بعدها الخط ويتركها فريسةً لتساؤلات كثيرة لا طاقة لها على احتمالها.
لم تنم ليلتها تلك. حاولت جاهدةً لكنها لم تنجح، ومع أول خيوط الشمس، جهزت نفسها وانتظرت هاتفاً آخر من الشخص نفسه كما وعدها، وبالفعل، وعند الثامنة، ظهر اتصال من رقم مجهول ليبلغها بمكان اللقاء، حيث أقلتها سيارة بزجاجٍ مظلّلٍ إلى باب المستشفى البعيد من منزلها.
لم تستطع تحديد مسيرهم لتشعّب الطرقات التي مرّ بها السائق، وهناك صدق حدسها فالمتصل ما عاد مجهولاً... صادق، صديق والدها، بشحمه ولحمه، استقبلها وأقلها إلى غرفة خاصة في الطبقة الخامسة، ومع كل رقم يلوح على شاشة المصعد كانت ترافقه دموع لم تدر ما سببها، لكن الخوف كان سيد الموقف ولم تستطع التفوّه بأيّ كلمة... كان الطبيب الخاص بانتظارهما... رحّب بها كثيراً، وأشاد بمناقب والدها وبصحبتهما القديمة، لكنها لم تستطع مجاراته في الحديث، همّها الوحيد كان معرفة سبب وجودها هناك وسبب اجتماعها بهما، وبصعوبة خرجت كلمات مرتعشة من شفتيها: «هل أصاب والدي مكروه؟»... تنهّد الطبيب وأخبرها أنه بخير لكنه يحتاج وقتاً وجهداً ليعود إلى طبيعته...
- إذاً أين هو الآن؟
- إنه في غيبوبة نحتاج دعاءك وعونك كي يخرج منها.
لم تستطع السيطرة على أعصابها، وفقدت وعيها للحظات لتستيقظ في إحدى غرف الطوارئ، وصادق بقربها...
- عمي أرجوك أخبرني عن والدي وما حل به!
- عزيزتي فاطمة والدك نجا من الموت بأعجوبة بعدما تعرّض مقرهم لغارةٍ قويّةٍ أفقدته القدرة على الحركة وأدخلته في غيبوبةٍ لا يعلم متى يخرج منها إلّا الله... لم نشأ إخبارك، لكنّ الوقت ليس في مصلحتنا ونحتاج وجودك... كوني قويّةً وساعديه كي يعود!
كان وقع الخبر ثقيلاً على قلبها لكنّها اعتادت أن تقف من جديد، وأن تنفض الغبار عن روحها المتهالكة. طلبت أن تزوره في غرفته بعدما هدأت، فأدخلوها إليه لتجده ممدّداً بلا حراك، الغرفة باردةٌ تخلو من الأصوات سوى رنين الأجهزة الطبيّة المقيتة.
تلمّست يده الدافئة وجبينه النديّ، تمنّت لو تحتضنه، لو تقبّل خدّه الأجعد لتفرغ شوقها على صدره الحنون، لكنّ الأجهزة نفسها منعتها من ذلك، دمدمت له بعض الكلمات ووعدته أن تزوره كلما سُمح لها بذلك.
هي تعلم مكانة والدها في عمله وتعتاد غيابه، لكنها تبعد فكرة فقدانه للأبد، وهو الذي يملأ فراغ أيامها ويضفي عليها طعماً ولوناً.
عادت إلى منزلها مع وعود صادق بأن يهاتفها ليحدد موعد زيارةٍ قريبة.
استغربت عمّتها غيابها عنها ذلك اليوم وهي أوّل من تسمع صوتها صباحاً، وآخر من تفرغ عنده أحاديثها قبل أن تنام. كانت عمّتها الوحيدة، مكمن أسرارها، عوضها الجميل، وملجأ قلبها المسكين تمسح عنه الألم والوجع وتسلّيه في غربته، وكانت تزورها يوماً بعد يوم لتطمئنّ عليها وتحضر لها الطعام، فبيوتهما متقاربة، ولا أحد سواها يفهم فاطمة ويعرف ما تمرّ به من مآسٍ. لكنّها أبت أن تنام ليلتها قبل أن تطمئنّ إلى حال ابنة الغالي، فزارتها مساءً وأسرّت لها فاطمة ما تخفيه من وجعٍ وتقاسما الدعاء ليلاً بصوتٍ مرتجفٍ وعينين لا تتوقفان عن البكاء.
ثلاثة أيّام مضت وما من خبر، وحيدة في غرفتها لا حيلة لها ولا قوّة على الطعام أو النوم أو حتّى الدراسة التي كانت سلوتها في حياتها وغايتها السامية كرمى لعيني والدها، لكنّ إلحاح صديقاتها على لقائها اضطرها إلى الخروج إلى المقهى القريب من جامعتها، لكنها لم تكن كعادتها، لم تمازحهنّ، لم تنثر نكاتها الطريفة على جلستهنّ الوديّة، فشعرن ببرودة قلبها وحاولن معرفة السبب الذي أكدّت أنّه مرتبط بانشغالها بالدراسة وخوفها من الامتحان القادم.
ودّعتهنّ وهمّت بالعودة إلى منزلها، لكنّها تفاجأت بصادق ينتظرها عند باب المقهى، ويشير إليها كي تلاقيه في الشارع المقابل ليقلّها بنفسه إلى المستشفى.
كان اللّقاء مختلفاً هذه المرّة، قبّلت يديّ والدها، مسحت جبينه الناصع، وجلست تحدّثه بقوّةٍ لم تعلم من أين أتت بها:
— هل اشتقت إلى أمي يا حاج؟ كلّنا اشتقنا إليها، لكنّها الآن في مكانٍ أفضل. ارتاحت من وجعها ومن المرض الخبيث الذي فتك بجسدها فأنهكه لسنوات. استيقظ وأخبرني عن ذكرياتكما القديمة، عن طفولتنا معكما، عن أجمل لحظات العمر، اروِ لي قصص بطولاتك وانتظارات أمّي لك، انتصاراتكما معاً، قل لي إننا سننجح مجدّداً، فأنا أقوى بك، أرجوك لا تتركني أسيرة الفقد!
رغم صغر سنّها، استطاعت فاطمة أن تساند أمّها في مرضها، فقد مكثت معها في المستشفى لأشهرٍ، وتحمّلت مسؤوليّة المنزل، فكانت أمّاً لأبيها الذي ما فارقهم حضوره الدافئ يوماً، لكنّ المرض كان أقوى، فسرق روح البيت وأجمل ما فيه.
مضى يومان قبل أن يزورها صادق في بيتها ويطلب منها بأن تجهّز نفسها لزيارة أبيها في صباح اليوم التالي.
أحضرت لأبيها هذه المرة عطره المفضل لعله يحرك قلبه الرقيق.
تتبدل علاقتنا بالأشياء مع الوقت وكذلك ارتباطنا بالأماكن والعطور، فالحاج جلال ترك دفء أمكنته القديمة وصار يلجأ إلى بقعة صغيرة يفرغ فيها ثقل أيامه وهمومها، هي الفسحة الصغيرة الفاصلة بين قبرين، يتمنّى لو ينام بينهما إلى الأبد، وترك جميع العطور ليحتفظ بعطرين: عطر زوجته المرحومة، وعطر ابنه الشهيد الذي ترك في صدره جرحاً كبيراً لن تشفيه الأيام ولا السنوات.
لقد مضى عامان على فقدانه لولده الوحيد وتوأم فاطمة، ليصبح السند والرفيق الباقي لابنته الحزينة. رشّت رشّة واحدة من عطر أخيها، وحدثته طويلاً مستذكرة طفولتهما وحبَهما لأبيهما، أخبرته بأن يعود كرمى لعيون فاطمة ولغربة قلبها ووجعه الكبيرين. ثم غادرته واعدةً إياه بزيارة قريبة تسرّها وتسرّه آملةً أن تعيده إليها ثانيةً.
بعد انقطاعها عن الدراسة لمدة، قررت أن تنكبّ على دراستها وتستعيد جهوزيّتها للامتحان، وانتقلت إلى منزل عمتها التي كانت تحمّلها في كلّ زيارة لوالدها باقات من الشوق والحنين ودعوات رقيقات، ووعود بأنها تقف إلى جانب روحه لتجتاز امتحانها القادم بنجاح.
وبعد أسبوعين صدرت النتائج، لم تصدّق عينيها عندما رأت لائحة أسماء المقبولين في كليّة الطب، نعم لقد فعلتها. وبين مشاعر الفرح والحرقة المتضاربة، هاتفها صادق ليطلب منها أن تقرأ الرسالة التي تركها عند باب بيتها، فتحت الباب مسرعةً وبيدين مرتعشتين تناولت الرسالة، لم تسعفها أصابعها على فتحها وبصعوبةٍ أخرجت ورقةً صغيرةً من المظروف عليها عنوان المستشفى الذي اكتشفت للمرّة الأولى أنّه يبعد بضعة أمتارٍ فقط عن شقّتها، ترى هل كان والدها يسمع مناجاتها كلّ ليلةٍ، ولماذا تركها صادق وحيدةً تواجه قدرها هذه المرّة؟ هل خجل من إخبارها بفشل محاولاتها لاستعادة روحها؟
لم تدرِ كيف خرجت من منزلها وكيف تعثّرت ألف مرّةٍ بألف سؤال وسؤالٍ قبل أن توصلها قدماها إلى مدخل ذلك المستشفى الكئيب، انتهى موعد الزيارات وأوقفت جميع المصاعد، ركضت نحو الدرج وراحت تعدّ الطبقات صعوداً بجهدٍ كبيرٍ لا يتناسب وعمرها الصغير، لكنّها تدرك جيّداً أن الفقد يقصّر عمر المرء ويأكل من جسده وقوّته، وأخيراً ها هي تتخطّى درجات الطبقة الرابعة لتصل إلى الخامسة، حيث الرواق الطويل وفي آخره غرفة والدها. فتحت الباب وانهارت كل التساؤلات المحبوسة في عقلها وسقطت جميع أحلامها وآمالها أمام السرير الفارغ، من تنادي؟ وماذا تقول؟ رنّ هاتف الغرفة فأسرعت لتردّ عليه دونما تفكير.
صادق: أنتظركِ في الطبقة الثالثة في الغرفة المقابلة للمصعد.
جرّت نفسها بريبةٍ كبيرة، ماذا تخبّئ لها هذه الغرفة؟ هل ينتظرها الطبيب نفسه لينقل لها هذه المرّة خبر فقدان والدها؟ هل سيقول بأنّ حبائل الأمل انقطعت بالكامل ولا سبيل لنجاته؟
عند باب الغرفة تمتمت ببضع آيات، وبيدها المرتجفة فتحت الباب لتستقبلها يدان نحيلتان بينهما دفء الكون كلّه وفرح افتقدته لسنوات، ركضت ودموع الشوق تبلل وجهها المتعب ورمت بنفسها حيث يكمن أمان العالم بأسره.
* صور/ لبنان

