من لوس أنجليس إلى غزة: محارق الإنسانية
شرّح بعض الكتّاب نفسيّة المجتمع المقهور وأثر القهر المزمن فيه وفي ثقافته وسلوكه، فوجدوا أنّ العنف والقهر وما يواجهه الإنسان في المجتمعات المتخلّفة يولّد نوعاً من الخيبة والانكسار والعجز عن تغيير الواقع المستبد.


شرّح بعض الكتّاب نفسيّة المجتمع المقهور وأثر القهر المزمن فيه وفي ثقافته وسلوكه، فوجدوا أنّ العنف والقهر وما يواجهه الإنسان في المجتمعات المتخلّفة يولّد نوعاً من الخيبة والانكسار والعجز عن تغيير الواقع المستبد.
مع الزمن، تبرز آثار نفسية مدمّرة في كينونة ذلك الإنسان عبر أنماط متعددة من الحقد والعدوانية ضد الآخرين. لقد حلّل ذلك صاحب الربيعي مثلاً في كتاب صادر في دمشق في عام 2007، وأوضح فيه بالحجج والأمثلة علاقة الاستبداد السياسي بالثقافة التي تروّج في المجتمعات المقهورة. مع ذلك، فإنّ نفسية المجتمعات العربية لا تتحسّن بين ليلة وضحاها. يمكن أن نلاحظها عبر ما يروّج من سخط وغضب وتشفٍّ وكراهية للآخر، وأحياناً حتى للذات.
يشكّل ذلك العنف مكوناً من مكونات المجتمع الذي يجد في التعبير عن سخطه وغضبه شكلاً من أشكال التنفيس عن مخاوفه العميقة وسجنه الكبير: سجن ثقافة الخوف والتخويف والقهر والقمع، بل سجن ثقافة الانتظار المرير للبطل المخلّص الذي يأتي على فرس سريع ليحمل في جرابه العدل والأمل والخبز والسعادة. وتلك هي أحوال نلاحظها حولنا في شكل شائعات لما يتصوّره بعض الجماهير العريضة أخباراً حقيقية: انتشر مثلاً خبر عن منزل نجا من حرائق لوس أنجليس الأخيرة، وسرعان ما قيل إنه مركز لتعليم القرآن، وتبيّن أنّ الصورة لا أساس لها من الصحة ولا علاقة لها أصلاً بالحرائق التي جدت في الولايات المتحدة لتفتتح سنة جديدة بغضب الطبيعة التي لا تتعقّل. لقد عبّر كثيرون عن إيمانهم بأنها معجزة من الله بل تناقلوا صوراً تقارن بين مدن أميركية أحرقها ما اعتبروه «الغضب الإلهي»، ليقارنوها بصور لغزة المدمّرة بفعل الحرب الإسرائيلية البشعة التي أتت على الإنسان والحيوان والبيوت والشجر. في الصورة الأولى «عقاب إلهي» وفي الصورة الثانية «ابتلاء إلهي»، والفرق بين أولئك المحروقة بيوتهم والمدمرة بيوتهم، هو فارق كفر وإيمان في نظر هؤلاء. غير أنّ منطقاً مماثلاً يخفي جريمة الإنسان الذي قتل ودمر بيديه وحرق أطفالاً ونساء في خيامهم وهدم بيوتاً ومستشفيات ونكّل بالجرحى وبالمرضى وعبث بالقوانين. ففي الصورة الأولى فعل الطبيعة وغضبها يحلّ بالمؤمن والكافر لا يفرق بينهما. وفي الصورة الثانية جرائم ضد الإنسانية وحرب يقرّرها الإنسان ويمارس بها القهر على الإنسان. إنّهما صورتان لا يمكن مقارنتهما في أي حال من الأحوال.
إنّ صوت أنين الإنسانية يصعد مع دخان الحرائق وصرخات الأمهات وبكاء الأطفال، ليشهد كل هذا الأنين على مذبحة الإنسانية في هذا العالم العجيب الذي نعيش فيه ونحن نراقب بأعيننا كيف يتشفّى البشر في آلام الناس ومصائبهم، وكيف ينهمر الموت على رؤوس الأطفال والأبرياء، فالجامع بين الصورتين هي آلام الإنسان وعذاباته والفرق بين الصورتين هو الفاعل والمسؤولية. إنّ تسمية مثل غضب إلهي أو نقمة إلهية، قد تخفي هشاشة المنزلة البشرية، فمهما تسلّح الإنسان وعلت قدراته التقنية، لا يزال أضعف من أن ينجو من الريح والنار حين يقرران التحالف ضد مدن صنعها من أجل أن يتحدى الطبيعة ويتوسع على حساب غاباتها وحيوانها وتوازنها البيئي. وأما تسمية مثل «ابتلاء إلهي»، فإنها تخفي بدورها الدم على يد الذين أسهموا في المذبحة التي تواصلت عاماً وأكثر.
أليس الخطاب الديني هنا وسيلةً لإخفاء مسؤولية البشر عمّا يقترفونه في حق البشرية؟ أليس الخطاب الديني هنا قناعاً لإخفاء عجز العرب المسلمين أمام تحوّلات التاريخ المصيرية؟ وكذلك الحرائق الغاضبة تكشف هشاشة التطور العلمي والتقني، وتذكّر الإنسانية بما يهددها حقاً من كوارث قد تؤدي إلى انقراضها. في ذلك الجانب، حيث حرقت المنازل واختفت معالم مدينة بحالها، لم تميز ألسنة اللهب بين المسلم والمسيحي والملحد واليهودي والمرأة والرجل والعربي والآسيوي أو الأميركي، أما في الجانب الثاني من الصورة المأساوية لشعب مجرد من كل وسائل الحرب يقاتل طوال عام بالصبر والدعاء والأمل أمام عجز الجميع عن تخفيف مصائبه، فإنّ البشاعة تتمثل في صورة الحرب الكريهة القاتمة التي توضح للإنسان حقارته ووضاعته وهو يقاتل فيقتل رضّعاً في المهد ونساء وحيوانات من أجل مصالح اقتصادية ومادية تأتي عليها براكين تفنيها أو رياح تلهبها أو مياه طوفان فتغمرها. أي غايات يسعى نحوها البشر في عالم تهدده الكوارث الطبيعة التي قد تكفي مصادفة غير سعيدة واحدة لتجعل من كوكب الأرض خبراً لكان؟ أي مصالح في حروب وصراعات بين أديان وأجناس وأعراق وأفراد وشعوب ودول واقتصادات صاعدة تتنافس لتكون المهيمنة على ثروات العالم، وكل هؤلاء يمكن أن تمحوهم لحظة واحدة تتحقق فيها نبوءات بعض النظريات العلمية التي ترى نهاية العالم المأساوية مجرد مصادفة لارتطام جسم خرج عن مداره على كوكبنا المليء بالشر والعنف والآلام.
إنّ بعض العرب المسلمين لا يزالون يرون في بعض الحكايات العجيبة التي قد تكون المصادفة وراء بعضها والشائعات وراء الأخرى، متنفّساً للقهر الذي يحسّونه، وليس في تنفيس القهر عيب يُدان، ولكن أليس في البحث عن دواء لهذه العلل فوائد للمجتمعات؟ هل يمكن وصف دواء للقهر من دون معرفة الأسباب؟ هل يمكن الخروج من ثقافة العجز والكراهية والتشفي في مصائب الناس وتقبّل مصائبنا على أنها ابتلاءات إلهية سنعوّض عنها في اليوم الآخر. ألا يمكن الخروج من كل هذا بغير تقبّل وصف العلة التي في ثقافتنا ورؤيتها بأعيننا المجردة؟ والعلة واضحة: تغليب للعجيب على المعقول، وترك لأسباب العلم مع أنّ العلم نفسه محدود أمام كوارث تهدّد البشرية جمعاء، غير أنّ مزية العلم أنه يعرف أنه محدود، والعالم الحقيقي متواضع يدرك أنّه لا يملك كل الحقيقة عكس صنف من السياسيين أصحاب الخطابات الأيديولوجية القائمة على التمويه التي تحوّل الوقائع إلى وقود للانفعالات للتحكّم بالجماهير والتلاعب بها. ومن أخطر العلاجات على الإطلاق تشغيل العقل وقبول الاعتراف بأنّ العرب اليوم يعيشون أياماً حالكة وعليهم أن يتسلّحوا بكثير من العمل والنظام والعلم والأمل لتحرير قوى الحياة والحب والانبعاث من رماد الخوف والحزن والحرب والكراهية. وإذا الشعوب أرادت الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر وهي مقولة أثبتها التاريخ دائماً، وإن كان القدرُ في نهاية المطاف قد يضرم حريقاً هائلاً للتعبير عن وجوده، لكنّ أي ثقافة يمكنها أن تجابه هذا العالم الموحش لولا قيم التضامن الكونية التي رأيناها مع غزة يصدح بها أرجاء العالم الغربي حين صمت العرب؟ أوتلك الدعوات التي حين يصلي المسلمون يرفعونها إلى السماء وهم يطلبون الفرج والرحمة لكل غريق وأمام كل حريق ومهما كان جنس ولون ودين الإنسان، فإنهم لا يستثنونه من صلواتهم. وتلك هي الثقافة الحق: ثقافة الإنسانية التي يمكنها زرع شجر الأمل في كل مكان ساد فيه الخوف والقهر والألم.
* باحثة تونسية في مجال الحضارة العربية الإسلامية وتحليل الخطاب الديني
