ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

جـــــــــــواد

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

لم يكن نائماً طوال الليل، كما ظنت أمه التي طرقت الباب في الصباح الباكر لإيقاظه، كي يشاركها عادتهما اليومية، وهي شرب القهوة تحت صورة والده الشهيد.

رماح إسماعيل
رماح إسماعيل
السبت 1 شباط 2025
عماد العُمدة ـــ «الشَّهيد» (زيت على قماش ـــ 2018)
عماد العُمدة ـــ «الشَّهيد» (زيت على قماش ـــ 2018)
الخط


لم يكن نائماً طوال الليل، كما ظنت أمه التي طرقت الباب في الصباح الباكر لإيقاظه، كي يشاركها عادتهما اليومية، وهي شرب القهوة تحت صورة والده الشهيد.
ابتسم جواد في فراشه، وشقّ شباكه ليرى حال الطقس في الخارج، فدائماً ما وصفته أمه التي لا تبالغ في أمر بـ«المجنون»، فهذا يعني أنّه عاصف جداً.
وبالفعل، الشتاء في القرى الحدودية جنوبي لبنان، غالباً ما يكون بارداً، لكن أهل الجنوب يحبّون هذا الطقس، ويتعاملون مع قسوته بحنوّ، فيشعلون النار في المدافئ، ويجلسون حولها، كعائلة كاملة، كل الأفراد من دون نقصان، حتى أولئك الذين يقطنون في بيروت بسبب العمل، عليهم الالتحاق بهذه الجلسة يومَي السبت والأحد.

بينما كان يرتشف القهوة من فنجانه، كانت ترتسم على ملامحه ابتسامة عميقة، كأن منبعها قلبه، لكنه كان يدرك تماماً أنّ ما يجعله يبتسم هو الحلم الذي رآه في الليل، وما زال يسأل نفسه:
— كيف جاء الحلم، وأنا لا أذكر أنني نمت؟
إنّ أصدق الأحلام، هي تلك التي نراها في يقظتنا، على هيئة رؤية تفرض نفسها على مساحة الوعي في رأسنا، ولعلها محترفة في أخذنا إلى عوالمها، أكثر من تلك الرؤية التي تنتظر غفوتنا لتداهم لا وعينا، فقد نصحو منها لا نذكر شيئاً، عاجزين عن تفسيرها أو محاولة فهمها!
غرق جواد في حيرته، لتقاطعه أمه بالسؤال عما يجول في رأسه:
— فنجانك فرغ ولا زلت ترشف منه يا جواد، أين تسرح في خيالك؟
يضحك لوالدته ثم يقبّل يدها:
— ما رأيكِ أن تناديني بـ«العريس»؟
لعيني هذه الأم بريق لا يلمع إلا إذا نجح وحيدها، أو رُزق، أو عاد من سفر، لكنه كان بريقاً مختلفاً حين اشتمّت رائحة عرس قريب، عروسه لا تعلمها بعد، لكنها توقن أنها كابنها، فـ «الطيّبون للطيّبات»، كما كانت تقول له دائماً.

يبتسم جواد متأملاً أمه، وتجاعيدها، وتفاصيل وجهها التي كانت كل منها ترقص على حدة على أنغام عرسه الذي ستسمع به «كل الضيعة»، هكذا وعدت أم جواد وحيدها مذ تخرج من الجامعة، وبات جاهزاً لتأسيس عائلته الصغيرة.
غادر المنزل، وطمأن والدته إلى أنه سيعود بعد أيام، ليأخذها إلى منزل شريكة حياته التي اختارها رفيقةً له، ولتزف وحيدها وتحقق فيه حلماً انتظرته طويلاً.
خلف ظهر جواد كان بيته، ووالدته التي تعلو وجهها ابتسامة نورانية مصدرها يقين من الوجهة التي مضى وحيدها نحوها، وصورة والده الشهيد التي لم تكن يوماً جماداً على حائط، بل كانت ملاكاً حارساً لا يكل الرجاء ولا يمله.

كان جواد مقاتلاً فذاً تشهد له جبهات الجنوب، شرساً عنيفاً كأنه يخوض المعارك مع عدوه منذ ولادته، غيوراً يحب الصفوف الأمامية كي يظفر بمجرمي العصر من قرب، وكل رصاصة من بندقيته بشبه رجل من خصومه.

تلك الليلة كانت خاصة بالنسبة إليه، ليست المرة الأولى التي يذهب فيها إلى الجبهة، لكنه اختار صورة والده الشهيد لتكون أنيساً له قبل ساعات من عملية خاصة ضد موقع للاحتلال الإسرائيلي على الحدود اللبنانية–الفلسطينية، طلب فيها أن يكون في المقدمة. ولدى سؤاله عن السبب من أحد القادة، أجاب جواد:
— لا ثأر لي مع هذه النقطة العسكرية بالذات، إنّ لثأري امتداداً لا نهاية له، إنّه ثأر الأمهات والآباء والزوجات والأبناء، الذي لا يشفى إلا بالدم.

تبسم جواد للقائد وأكمل حديثه:
— أنا أشبه أبي كثيراً، هكذا يقول كل من يراني، حتى من دون أن يعلموا أنني ابنه، مع أني لا أشبهه في الشكل يا قائد، لعلي أشبهه في الروح، فيطغى ذلك على كياني، وهل هناك فخر أكبر من أن تكون روحي تشبه روح الشهيد؟ فإذاً لا يمكن أن أقبل بمرتبة أقل، فدعني في الخطوط الأمامية، أعلم أنك حذرٌ لأني وحيدُ والدتي، لكن من في منزلها شهيدان، لن تكون وحيدةً أبداً.

خاض جواد معركة مشرفةً مع العدو، كان بمنزلة جبهة كاملة على هيئة مقاوم واحد، ولم يقبل بالقليل من الخسائر، بل كان حريصاً على دك الموقع المستهدف بكل ما أتيح له من صواريخ، وبعد انتهاء المعركة عاد إلى موقعه ورفاقه سالماً، مستشعراً الرضى في كل ما جرى خلال الساعات الفائتة، وكأنه التمس من والده الشهيد ثناءً روحياً، ومسحة من يده المضرجة بالدم على جبينه.

في طريق عودته إلى المنزل بعد انتهاء مهمته التي لم تكن الأولى في صفوف المقاومة، كان يقود سيارته بهدوء بين قرى الجنوب التي نشأ فيها، وأصبحت جزءاً من كينونته، لكن غصة ما كان يشعر بها، كانت تزداد كلما نظر إلى صورة والده التي أمامه في السيارة.

أوقف سيارته إلى جانب الطريق، وأراد التحدث مع والده الشهيد، كطفل يحتاج إلى مساحة للتبرير:
— أبي، لقد وعدتك وأمي أن أعود عريساً، لكن سامحاني، لقد عدت جواد...
— لقد ضربت لنفسي موعداً معك منذ أن زرتني في يقظتي، وهذه المرة الأولى التي أعدك فيها بشيء وأخذلك، فأنا عائد إلى أمي، حياً على قدمي، في الوقت الذي كنت أعد فيه الثواني لأعود إليك روحاً حرةً يعصف بها الشوق، وأحمل لك في جعبتي أخباراً تسرك ورفاقك الشهداء عن ملاحم أبنائكم على جبهات الجنوب، وكم من ثأر سجلوا، فاعذرني يا أبي؛ لقد تأخرت، لكن عزائي هو أنّني كنت أنفذ وصاياك، وأحفظ درب الجهاد بجسدي، إلى أن أفديه بروحي.

أراد جواد أن يحقق أمنية والدته، ويتزوج من شابة تشبهه وتشبه منبته، ولم يكن ذلك ببعيد، فما هي إلا أيام من عودته سالماً، حتى بدأت التحضيرات للعرس.
حبال الأضواء علقها رفاقه بين طرفي مدخل المنزل، وطاولات الزينة والضيافة عمت الدار، لتتصاعد الزغاريد عالياً فوق سطح بيت أبي جواد، الذي كانت روحه تعلو كل تلك الأصوات، وتباركها بشفاعة الشهداء.

خرج جواد من محل الحلاقة، بلحية مشذبة، وشعر أسود مسرّح، مرتدياً بدلة سوداء أنيقة، وجلس في سيارته مستعداً للعودة إلى منزله حيث ينتظره المدعوون من شبان القرية، وعراضة من السيف والترس تليق بزفاف ابن شهيد، يتمنى المسير على خطى والده فداءً لأفراح قريته وبلاده.
وفي طريقه القروي الأخضر، وضع جواد يده على قلبه وكأنما استشعر نفساً قريباً من والده، وأبصر يداً تمتد بين النيران لتسحب روحه وتصعد بها نحو السماء.

سمعت أم جواد في منزلها ومن حولها النسوة صوت انفجار قريب، فلم تستطع تحريك قدميها نحو الباب لتسأل الشباب في الخارج عن الخطب.
إنّ حدس الأم كان أسرع في الجواب، ولم يتطلب منها الأمر نطق حرف واحد، فقط تبسمت وانهالت دموعها فوق خدها الوردي، وقالت: — الحمد لله.

كان رد فعل أم جواد مدهشاً للحاضرين الذين لا يعلمون من أين جاء صوت الانفجار، ومن هو المستهدف، إلى أن جاء رجل من القرية مسرعاً، ليقتحم جموع المنتظرين ويخبر الأم أنّ طائرة إسرائيلية مسيّرة استهدفت سيارة وحيدها على الطريق العام، مؤكداً لها نبأ استشهاده.
كان لجواد عرس من نوع آخر، عرس لم تعد أمه بعده إلى المنزل وحيدةً، بل بروحين تطوفان حولها، وتمسكان بذراعيها من اليسار واليمين، كي لا تميل أم الشهيد، أو تُكسر.
* بانياس/ سوريا

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك