ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بول تايلر: حان وقت الخروج من منطقة الراحة!

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

في عصرنا الحديث، أصبحت الحياة أكثر راحةً وسهولةً من أي وقت مضى. لم نعد بحاجة إلى الصيد أو جمع الطعام، ولا إلى السير لمسافات طويلة أو تحمُّل قسوة الطقس.

سلوى دبوق
سلوى دبوق
السبت 1 شباط 2025
بول تايلر: حان وقت الخروج من منطقة الراحة!
الخط


في عصرنا الحديث، أصبحت الحياة أكثر راحةً وسهولةً من أي وقت مضى. لم نعد بحاجة إلى الصيد أو جمع الطعام، ولا إلى السير لمسافات طويلة أو تحمُّل قسوة الطقس. اليوم يمكننا ببساطة أن نطلب طعامنا بضغطة زر، أن نتنقل في سيارات مكيّفة، ونقضي ساعات طويلة جالسين أمام شاشاتنا لكي نتصفح تطبيقاتنا المفضلة، من دون أن نبذل أي مجهود جسدي يُذكر. لكن الباحث الأميركي بول تايلر يؤكد في كتابه «الموت على كنبة مريحة» (2022) الصادر حديثاً عن «دار الساقي» بترجمة سلمى الحافي، بأنّ هذه الراحة الزائدة ليست في مصلحتنا، بل هي العامل الرئيسي وراء تدهور صحتنا العقلية والجسدية.

يشير تايلر إلى أن أجسادنا وعقولنا مبرمجة لتعيش في بيئات مليئة بالتحدّيات، فالإنسان البدائي كان يواجه الجوع والبرد والتعب، وكان عليه أن يتحرك باستمرار وأن يصارع للبقاء في ظروف قاسية. لكننا اليوم نحيا في عالم مختلف تماماً، عالم يوفر لنا كل وسائل الراحة والرفاهية، ويُبعد عنّا أي نوع من التحدّيات الجسدية أو الذهنية، فأصبحنا أشبه بالدببة الكسولة. هذه الفجوة بين بيئتنا الحديثة وطبيعة أجسادنا القديمة، أدّت إلى زيادة مخيفة في الأمراض المزمنة، مثل السمنة والسكري وأمراض القلب وارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق. المفارقة العجيبة ــــ كما يوضح الكاتب ــــ أنه رغم كل هذه الراحة والدلال، أصبحنا أكثر تعباً وتعاسةً وأقل صحة من أي وقت مضى.

من بين القضايا الرئيسية التي يناقشها الكتاب هو مفهوم التوتر. يعتقد معظم الناس أنّ التوتر أمر سلبي يجب تجنّبه، لكن تايلر يعيد تعريف التوتر، ليكشف أنّ هناك نوعاً جيداً منه، وهو التوتر الذي يُحفزنا على النمو والتطوّر. عندما نتعرض لضغط جسدي أو ذهني معتدل، مثل ممارسة التمارين الرياضية أو مواجهة تحديات فكرية، فإنّ أجسادنا وعقولنا تصبح أقوى وأكثر مرونة. لكن عندما نعيش حياة خالية من أي ضغط مادي أو نفسي، فإننا نصبح أكثر هشاشة وأقل قدرة على التكيّف مع المصاعب. يضرب الكاتب أمثلة من تجاربه الشخصية في الجيش، حيث خضع لتدريبات قاسية جعلته أكثر قدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، بل جعلته أكثر مقاومةً للضغوط اليومية التي كان يجدها مرهقة في السابق.

إلى جانب التوتر، يناقش تايلر التأثير المُدمِّر لنقص النشاط البدني. في الماضي، كان الإنسان يتحرك طوال اليوم: يجري، يتسلّق، يصطاد، أو حتى يحرث الأرض. أما اليوم، فنحن نقضي معظم وقتنا جالسين، سواء في العمل أو أثناء مشاهدة التلفزيون أو استخدام الهواتف الذكية. يرى تايلر بأنّ هذا النمط من الحياة القائم على «الجلوس لفترات الطويلة» لا يقل خطورة عن التدخين من حيث تأثيره في الصحة. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الجلوس لأكثر من 11 ساعة يومياً يرتبط بمخاطر صحية كبيرة، بما في ذلك زيادة احتمال الإصابة بأمراض القلب والسكري، حتى لدى الأشخاص الذين يمارسون التمارين الرياضية بانتظام.

الفجوة بين بيئتنا الحديثة وطبيعة أجسادنا القديمة، أدّت إلى زيادة الأمراض

لكن الحلّ ـــ كما يؤكد الكاتب ــــ لا يقتصر على الذهاب إلى صالة الرياضة مرة أو مرتين في الأسبوع، بل بتغيير نمط الحياة بالكامل. يجب أن نعود إلى ممارسة الحركة المستمرة طوال النهار، وأن نعيد دمج النشاط البدني في حياتنا اليومية، سواء بالمشي أكثر، أو استخدام الدرج بدلاً من المصعد، أو حتى العمل في وضعية الوقوف لبعض الوقت. الأهم من ذلك كله، أنّه يجب أن نتحدّى أنفسنا بدنياً، سواء عبر ممارسة تمارين المقاومة، أو تعريض أجسامنا لمواقف غير مريحة، مثل الاستحمام بالماء البارد أو السير حفاة القدمين. هذه التحدّيات الصغيرة تعيد تنشيط الجينات القديمة في أجسادنا، وتُحفزها للعمل بكفاءة أكبر.

لا ينسى الكاتب موضوع التغذية التي لا تقل أهميةً عن الحركة. يوضح تايلر كيف أنّ الأطعمة الفائقة المعالجة مثل اللحوم المُصنّعة، والفطائر المحلاة والمشروبات الغازية أصبحت جزءاً أساسياً من نظامنا الغذائي، رغم أنّها تضر أكثر مما تنفع. في الماضي، كان الإنسان يتناول طعامه مباشرةً من الطبيعة ويتغذى على الفواكه، والخضر، واللحوم، والمكسرات. أما اليوم، فغالبية ما نأكله عبارة عن طعام مليء بالسكر والدهون المشبعة والمواد الحافظة مغلف في عبوات بلاستيكية. هذه الأطعمة ليست فقط عديمة الفائدة غذائياً، بل هي أيضاً مُصمَّمة لتُسبِّب الإدمان، ما يدفعنا إلى تناول المزيد منها من دون شعور حقيقي بالشبع. يقترح تايلر العودة إلى الطعام الحقيقي، والابتعاد عن المنتجات الصناعية، والتركيز على الأطعمة الطبيعية غير المعالجة، لأن الطعام الذي نستهلكه لا يؤثر فقط في وزننا، بل أيضاً في طاقتنا وحالتنا المزاجية وصحتنا العقلية.

إضافة إلى التمارين الرياضية والتغذية، يناقش الكتاب أيضاً أهميّة النوم والتواصل الاجتماعي. النوم ليس مجرد مدة راحة، بل هو عملية بيولوجية ضرورية لإصلاح الجسم والدماغ والتخلص من الخلايا الضارة. إنّ قلّة النوم تؤدي إلى اختلال في التوازن الهرموني، ما يزيد من التوتر، ويضعف الجهاز المناعي، ويجعلنا أكثر عرضة للسمنة والاكتئاب. كذلك، يُنبه الكاتب إلى أهمية العلاقات الاجتماعية بالنسبة إلى صحتنا النفسية، وخصوصاً أنّ التكنولوجيا الحديثة جعلتنا أكثر عزلةً من أي وقت مضى. يُشجِّع تايلر القرّاء على بناء علاقات حقيقية، والابتعاد عن الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي، وإعادة اكتشاف جاذبية اللقاءات البشرية وجهاً لوجه.

يتميّز هذا الكتاب بأنه لا يكتفي بتشخيص المشكلة، بل يُقدِّم حلولاً ناجعة قابلة للتطبيق؛ فهو لا يدعو القارئ إلى التخلي عن كل وسائل الراحة الحديثة، بل إلى استخدامها بحكمة واعتدال، وإيجاد توازن بين الإفادة من التكنولوجيا والحفاظ على صحة الجسد والعقل. كما يقترح تايلر إستراتيجيات لمساعدتنا مثل «ألواح الطقوس اليومية» (ritual boards) حيث يمكن للشخص أن يُسجِّل العادات المرغوبة ويتبعها بشكل مستمر لضمان تحقيق الأهداف كالمشي، والتعرُّض لأشعة الشمس، وممارسة التأمل، والصيام المتقطع لإعادة ضبط التمثيل الغذائي وتحفيز الجسم على حرق الدهون، وممارسة التمارين الرياضية.

وفي النهاية، يا أصدقاء الكنبة المخلصين ومحبّي الريموت كنترول الأوفياء، يبدو أنّ «الراحة» التي نعشقها ليست سوى قاتل متسلسل يرتدي روب حمام مخملياً! نعم، إنها تقتلنا ببطء، بينما نحن مشغولون بمشاهدة مسلسلاتنا المفضلة على اليوتيوب. إذا كنتم تريدون حياة أطول من عمر البطارية في هواتفكم القديمة، فقد حان الوقت للخروج من منطقة الراحة- تلك المنطقة السحرية التي تقع بين الأريكة والثلاجة. لقد حان وقت مواجهة الصعوبات التي تجعلنا أقوى، ولو كان التحدي الأول هو النهوض من السرير قبل أن يحين وقت الغداء! إذا كان مسلسلك المفضل يمنحك سعادةً مؤقتة، فهذا الكتاب يُقدِّم لك وصفة السعادة الحقيقية. وصفة قد تجعلك تتصبب عرقاً، لكنها ستجعل حياتك أكثر إثارة من أي دراما تركية. فهل أنت مستعد لتحدي نفسك والخروج من دوامة الراحة المفرطة للبدء في مغامرة جديدة؟ أم ستنتظر حتى تصبح أريكتك المريحة شاهد قبر عليك؟ القرار قرارك... ولكن تذكر: حتى الدببة الكسولة تخرج من كهوفها أحياناً!

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك