روث ماوسكرات: «درب الدموع» من المسيسيبي إلى غزة
مِنْ على متن الطائرة الرئاسية، أعلنَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب (السبت 25 -1-2025) عن رغبته بما سمّاه «انتقال» مئات الآلاف من أهالي غزة إلى الدول المجاورة، ووجهاتهم قد تشمل الأردن ومصر.


مِنْ على متن الطائرة الرئاسية، أعلنَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب (السبت 25 -1-2025) عن رغبته بما سمّاه «انتقال» مئات الآلاف من أهالي غزة إلى الدول المجاورة، ووجهاتهم قد تشمل الأردن ومصر.
كان هذا الإعلان مسبوقاً بتصريحه بعد يوم واحد من تنصيبه: «غزة مكان مثير. موقعها رائع على البحر. وتتمتع بأفضل طقس، وكل شيء فيها جيد. يمكن فعل أشياء جميلة هناك، إنها مثيرة للاهتمام!». ثم نقل عنه موقع «أكسيوس» الإخباري (الأحد 27-1-2025) قوله: «أريد أن يعيش سكان غزة في مكان خالٍ من العنف، فقد كانت غزَّة أشبه بالجحيم».
هذه التصريحات المتدحرجة التي تحمل بين طيات تدحرجها خطةً باتت واضحة لتهجير الفلسطينيين من غزة، تعيد إلى الأذهان خطة الرئيس السابع للولايات المتحدة أندرو جاكسون، في أول خطاب له بعد انتخابه الذي تعهّد فيه أمام الكونغرس بتنفيذ قانون إبعاد الهنود «على أن تكون الهجرة طوعية».
والواقع إنَّ ثمة ما يجمع بين الشخصين وسلوكهما، بل إنّ ترامب نفسه عبَّرَ عن إعجابه بجاكسون حين علَّقَ صورته في مكتبه البيضاوي في مدة ولايته الأولى، التي شملت سياسته فيها حظراً للهجرة استهدف اللاجئين ومواطني بعض البلدان المسلمة، وتوسيع الجدار الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك؛ كما نفذ لمدة سياسة فصل العائلات المهاجرة. كذلك فإنّ جاكسون يعرف بلقب «زعيم الغوغاء» لأنه أدخل مؤيديه إلى البيت الأبيض، فأثاروا الفوضى وعاثوا فساداً بأثاثه في مشهد شبيه بالشغب الذي أثاره مؤيدو ترامب أثناء اقتحامهم مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني (يناير) 2021، لتغير نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020.
وفي العودة إلى تعهدات جاكسون بـ «هجرة طوعية»، نجد أنّها لم تكن حقيقية. بين عامَي 1838 و1839م، أُجبِرتْ قبيلة الشيروكي على التخلي عن موطنها الأصلي في شرق نهر المسيسيبي والهجرة إلى أراضٍ غرب المسيسيبي الواقعة في أوكلاهوما حالياً، في حملة قسرية بموجب «قانون إبعاد الهنود» الصادر عام 1830، لأنّ المستعمر الأبيض اكتشف أنّ الموطن الأصلي لهؤلاء «مكانٌ رائعٌ!» و«مثيرٌ للاهتمام! »، ولا سيما بعد اكتشاف الذهب فيه.
أطلق شعب الشيروكي على رحلة التهجير هذه اسم «درب الدموع» بسبب آثارها المفجعة، إذ مات خلالها الآلاف ودُفنوا على طول الطريق الموحش. وواجه المهجَّرون أثناء مسيرتهم القسرية البرد والجوع والإرهاق واليأس والحزن، ما أوهن إرادتهم في الحياة. وكان على من وصلوا أحياء إلى أوكلاهوما أن يبتكروا سبلاً لبدء الحياة من جديد، لكنهم لم ينسوا قط تلك الرحلة الحزينة، وظلّت القصص التي رووها لأبنائهم وأحفادهم حيَّةُ ومأساوية.
وأصبح «درب الدموع» موضوعاً أدبياً مهماً منذ القرن التاسع عشر، حيث قدم كتّاب تلك الحقبة روايات وتأملات وانتقادات للإبعاد القسري للهنود الحمر. وكُتبتْ غالبية تلك الشهادات بأقلام المبشّرين والجنود والمستوطنين ممن شاركوا في عملية التهجير. ورغم كونها مشوبةً بالانحياز ومداهنة لأيديولوجيات ذلك العصر، إلا أنّ تلك السرديات تعد وثائق تاريخية قيِّمة تقدِّم رؤيةً مبكرة لأهوال «درب الدموع». كذلك كتب المبشرون المسيحيون عن صور الظلم الذي واجهته القبائل الهندية، وأسهمت مقالاتهم ورسائلهم في تشكيل رأي عام مناهض لقانون الإبعاد. كما اشتملت أدبيات تلك المدة على خطابات وكتابات لزعماء الهنود أنفسهم. وتعدُّ رسالة الاحتجاج التي رفعها الزعيم الشيروكي جون روس إلى الكونغرس، نموذجاً مبكراً للخطابات البلاغية المؤثرة للهنود التي جرى توثيقها في الأدب السياسي. مجمل هذه الكتابات المبكرة ضرورية لفهم التأثير المباشر لمأساة «درب الدموع» وما أثارته من إدانة واحتجاج.
نتوقَّف هنا عند واحدة من بواكير القصائد المكتوبة عن تلك المأساة للشاعرة روث ماوسكرات برونسون (1897 -1982) على أن نتبعها بنماذج أخرى لشعراء وشاعرات من الهنود الحمر.
ماوسكرات شاعرة وناشطة هندية من قبيلة الشيروكي هُجِّر أسلافها على «درب الدموع» من جورجيا إلى ما سمّي «الأراضي الهندية» حيث ولدت في محمية بعد إعادة التوطين والتحقت بـ «جامعة أوكلاهوما»، لكنّ الصعوبات المالية أجبرتها على التوقف عن الدراسة، فعملت في التدريس لعامين لكسب أموال لمواصلة دراستها العليا وحصلت على منحة في «جامعة كانساس». وفي وقت لاحق، تخرجت من «كلية ماونت هوليوك» وأكملت دراستها العليا في «جامعة جورج واشنطن». وخلال دراستها الجامعية، سافرت إلى الصين لحضور مؤتمر دولي للشباب، فكانت من أوائل الهنديات اللواتي يحضرن كمندوبات طالبيات خارج الولايات المتحدة. وألهمتها هذه الرحلة التي تجولت خلالها في معظم دول شرق آسيا أهمية العمل من أجل المساواة العرقية. وكانت من بين الزعماء المؤسسين للمؤتمر الوطني للهنود الأميركيين عام 1944 وعملت أول سكرتيرة تنفيذية للمؤتمر. وتعد من أهم الشخصيات الفكرية الهندية المؤثرة في النصف الأول من القرن العشرين.
تجسد ماوسكرات في شِعْرها صوراً من ثقافة الشيروكي ضد محاولات طمسها، ولا سيما «سونيتات من الشيروكي» التي تجمع بين الحزن والأمل والحب. أما قصيدتها «درب الدموع» التي نشرتها عام 1922، فتصوّر فيها الجانب المفجع من قصة أسلافها:
«في الليلِ يُعولُونَ، ويئِنُّون
في الظلامِ تنُوح الصّنوبرات السامقة
وهي تحرسُ الدربَ الكئيب.
يقولُ الشيروكيون إنهُ نحيب،
كلُّ عَويلٍ وكلُّ أنين
أصداءُ أسلافِهم الذين قَضَوا
معَ آمالِهم الكسيرة ومخاوفِهم المريرة
على دربِ الدُّموعِ المُضْني ذاك.
.....
حشدُ مُرتجفين بقُلوبٍ كسيرة
يُساقُونَ على الدَّرب
كاتِمينَ الآهةَ المُستهَلَّة
مُختنقينَ بأنينِ
أربعة آلافٍ منهم قَضَوا؛
لكنَّ «الروح العظيمة» ما زالَ يظلِّلُ شعبَهُ
وهُمْ يجتازون دربَ الدموع.
مِنْ بُيوتٍ شيَّدها آباؤهم،
مِنْ قُبورٍ تُظلِّلُها الأشجارُ الباسقة،
مِنْ أجل الجشَعِ والذَّهَب،
أُجبِرَ الشيروكيون على الرَّحيل
إلى أرضٍ لا يعرفُونَها؛
لا «سيّدُ الزَّمن» ولا الحكمةُ القديمةُ يُمكنُ
أنْ يمحوا، على مَرِّ الدَّهور،
ذكرى دربِ الدُّموع».
تعكس إدانة القصيدة للجشع والتهجير القسري للشيروكيين المناخ الاجتماعي والسياسي السائد في تلك الحقبة، وتصبح «ذكرى الأسى» على «درب الدموع» تذكيراً دائماً بالعواقب المأساوية لجرائم الغزاة البيض وأهمية الحفاظ على السرديات التي توثِّق تاريخَ القهر. كما تشير إلى اكتشاف الذهب في داهلونغا في ولاية جورجيا المتزامن مع حمى اندفاع الرجل الأبيض نحو أرض الهنود لأجل الثراء السريع. وتذكّر كذلك بموت أربعة آلاف شخص قضوا في «درب الدموع» داحضة التقديرات والأبحاث الحديثة التي حاولت التقليل من ذلك العدد.
وفي مقالها «أمُّنا الأرض» ضمن كتابها «الهنود شعبٌ أيضاً» (1944) الذي أصبح عنوانه شِعاراً احتجاجياً، تشدِّدُ ماوسكرات على أنّ المستوطنين الجُدُد في أميركا لم يستطيعوا فهم الشعور الروحي الذي ربط الهنود بالأرض. لذا كانت الحرب بين الهندي صاحب الأرض والأبيض العازم على الاستيلاء عليها أمراً لا مفر منه. فانتهاك الوطن يعني للهنود انتهاكاً لجذور خصوصيتهم العرقية، فهم لا يعرفون سوى مكان واحد ينتمون إليه: موطنهم الذي تقدّس ببركة النوم الأبدي لأسلافهم؛ وأثمر بنعمة أرواح أطفالهم وأولئك الذين لم يولدوا بعد، فالأرض أمُّهم التي احتضنتهم منذ بدء الخليقة، ومن هنا يمثِّل حبهم لها نوعاً من الوجد الصوفي، وإنهاكها بالحرث غير المنضبط، يشبه إلحاق جروح بصدر الأم، ولا يزال بعض القبائل الهندية يطأ الأرض برفقٍ خشية أن تقلق حركة هوجاء جسدها النائم، فتؤذي البذور في بطن الأمّ. والأرض بالنسبة إليهم مِلْكٌ مشاعٌ للجميع، ومن غير المتصوّر بالنسبة إليهم أن يشتري إنسانٌ بقعةً من الأرض ليحتكرها ويمنع عنها الآخرين لأنَّ فلسفتهم تقوم على أنّ للإنسان أن يحتفظ ببقعة من الأرض لنفسه ولأسرته فقط طالما استخدمها واعتنى بها. لذا «كان فقدان تلك العلاقة الحميمة وانتزاعهم من الأرض التي رقد فيها آباؤهم، خسارة كبرى، لأنه يعني ضياعهم روحياً وإخماد نبض الحياة لهذه السلالة».
استرجعتُ هذا الفهم الهندي للأرض والأسى وأنا أتأمَّلُ ساحلاً بشرياً لعشرات الآلاف من الفلسطينيين وهم يشقُّونَ طريق «البحر الرائع» مكافحين في درب المشقَّة والألم، ولكن بأمل نحو الشمال نحو أنقاض بيوتهم على أرضهم، عازمين على قطع الطريق على أميركا ترامب لتكرار مأساة «درب الدموع الهندي» التي لا تزال حية في الذاكرة الإنسانية.
