
بتُّ متأكدة من أنّها تتبعني. منذ أن عدتُ إلى الضاحية الجنوبيّة في بيروت، وهي لا تحلّق في السماء إلّا فور استيقاظي. أحياناً أتأخر عن موعد استيقاظي، فتحلّق بحثاً عنّي وأستيقظ على صوتها الزنّان المزعج الذي ينخر في عظام جمجمتي.
حُرمت من الاستمتاع بقهوتي الصباحيّة على صوت فيروز. في كلّ صباح، أحاول إشعال المطبخ بصوتها، لكن صوت المسيّرة يطغى على فيروزتي، وأُحرم من الخيط الوحيد الذي يقودني إلى الطمأنينة.
أحرص على إغلاق ستارة غرفتي بإحكام قبل أن أبدلَ ملابسي. لا أريد لتلك اللعينة أن تلتقط جسدي العاري. أستقل سيارة أجرة إلى عملي في فردان، فترافقني طوال الطريق حتى أصل. وتستمر في التحليق في سماء عملي حتى الظهيرة. في إحدى المرّات، تذمّر سائق الأجرة ممازحاً: «يا مخلوقة! بتحسيها عم تلحقنا!». أصابني الرعب في لحظتها. خشيت أن يدرك أنّها تتبعنا حقاً، وأنّها تراقبني أينما أذهب. خشيت أن يخاف على حياته بسببي، ويرفض إيصالي إلى العمل. ثم يُخبر آخرين فيخافوا من وجودي بينهم، وأن يصل الخبر إلى سكّان العمارة التي أقطن فيها، فيطردوني من منزلي حفاظاً على سلامتهم.
لا أعلم ما الذي تريده تلك المسيّرة الصهيونيّة مني. لا أجد سبباً منطقياً لتتبعها لي. ربما لأنّي ألعن «إسرائيل» يومياً على منصّات التواصل الاجتماعي؟ لكنّ غيري كثيرين يلعنونها في العالم الافتراضي وفي الشارع وفي تشييعات الشهداء وحتى في الأفراح... لماذا أنا؟
في إحدى المرّات، لم تتركني المسيّرة عند الظهيرة كما اعتادت. حلّ المساء، وما يزال صوتها ينخر عظامي. لم تفلح المسكنات في تهدئة أوجاع رأسي التي تسببت فيها الزنّانة. عزمت أن أتمشّى في شوارع مار الياس القريبة قبل أن أوقف سيارة أجرة تعيدني إلى المنزل. لعلّي أسرح بواجهات المتاجر المزدحمة، وأنسى صوت الزنّانة اللعينة.
هناك، وقفت أتأمّل واجهة متجر لبيع الأحذية النسائيّة. أحذية بكعوب شاهقة تكاد تطال رأسي. تأملتها وأنا أتخيّل مساميرها تنخر في المسيّرة العالية، وتنتقم لي. إلى جانب حذاء فضي، لمحت ورقة صغيرة زرقاء كتب عليها: «إن كنت ملاحقاً من المسيّرة، اتجه نحو اليمين».
التفت بسرعة نحو اليمين، فوجدت باباً حديدياً أسود اللون ومخرّماً. لُصقت عليه ورقة زرقاء صغيرة الحجم كتب عليها: «إن كنت ملاحقاً من المسيّرة، اتخذ الدرج إلى الطابق السفلي». وضعت يدي على الباب ودفعته بخفّة، فوجدته مفتوحاً. دخلت، لأجد درجاً يقودني بالفعل نحو الطابق السفلي. حين وصلت إلى آخره، وجدت يافطة زرقاء لم أستطع قراءتها بسبب الظلام. أضأت هاتفي لأقرأ ما كُتب: «إن كنت ملاحقاً من المسيّرة، تابع الدرج إلى الطابق السفلي».
اتخذت درجاً جديداً يقودني إلى طابق ثانٍ تحت الأرض. هكذا تنقلت من طابق إلى آخر، وكان صوت الزنّانة ينخفض تدريجاً حتى وصلت إلى الطابق السادس تحت الأرض، فاختفى صوتها تماماً. سمعت صوتاً آخر جاء ليطبطب على جراح قلبي. بدا لي كأنّه صوت أم كلثوم تغنّي: «أعطني حريتي أطلق يديّ... إنني أعطيت ما استبقيت شيئاً». اتبعت الصوت إلى الطابق السابع تحت الأرض، فصار صوت أم كلثوم يعلو، وصار الضوء الأصفر ينير الدرب لي. هناك، وجدت الكثير من البشر الذين يلعنون «إسرائيل» مثلي.
وجدت شاباً يحمل دفتراً بأوراق بيضاء وأقلام فحمٍ أسود، يحاول الرسم بها. وجدت فتاةً تجلس في إحدى الزوايا، حاملةً كتاب «عزازيل»، تحاول قراءته، وشابة تضع شالاً أحمر بليرات نحاسيّة على خصرها، تحاول أن تحفظ خطوات رقصتها الجديدة التي ترافقها أغنية «الأطلال».
وجدت العم باسم ومعه أعواده. كان يجلس على الأرض، يحاول تصليح أحد الأعواد. اقتربت وجلست بجانبه، وأخبرته أنّي قصدت متجره مراراً بغية الاطمئنان عليه، لكنّي كنت دوماً أجد المتجر مغلقاً، حتى ظننت أنّه سافر من دون أن يترك لي خبراً.
تبسّم العم باسم، ورفع رأسه لينظر إليّ، وقال ضاحكاً: «لن يأتي اليوم الذي أسافر فيه من دون توديعك. كنت أعلم أنك ستجدينني هنا، فأنت من الأخيار الذين يلعنون إسرائيل. كنت أعلم بأنّ المطاف سيأخذك إلى هنا. نحن الذين نلعن إسرائيل، هنا هو بيتنا الجديد».
صاح الجميع مع العم باسم: «اللعنة على إسرائيل».

