
«فيبرومياليجيا»، ألقى الطبيب تشخيصه الغريب في وجهي ثم فسر: «متلازمة الألم المزمن، أو الالتهاب العضلي الليفي، وهو خلل في نقل مؤشرات الألم المتجهة إلى المخ، ما يجعل الجسم يشعر بآلام مضاعفة في العظام والعضلات، فلا يستطيع ممارسة حياته ووظائفه اليومية أو حتى النوم بشكل طبيعي».
آلام مضاعفة، فقدان القدرةِ على النوم، والقدرةِ على ممارسة حياة طبيعية!
أعتقد أنه تشخيص مناسب لأوجاعي، فمن المؤكد أنّ حجم الألم يتماشى مع الواقع فعليّاً، فمن هذا الذي يتخيّل أن تُباد غزة كاملةً؟ أن تُمسح مدينة عن وجه الأرض؟ أن ننزح مجبرين من بيوتنا، ثمّ نركض بين الخيمة والخيمة نحاول أن نجمع جراحاتنا ودموعنا المختلطة بالجوع وبأشلاء الموتى؟
الطبيب المصري يرتدي بزة ويبدو بكامل أناقته، شعرت للحظة بأن مظهره مناسب لرجل يعمل مديراً لبنك، أكثر منه لطبيبٍ لأمراض المناعة!
لم تعد تلك الأوجاع التي بدأت مع أول الحرب على غزة تعنيني كثيراً، فهناك وجع أكبر ينزف كل يوم في المدينة المحاصرة، ولحماقتي اعتقدت أنني حينما خرجت من قلب المعركة بصحبة أبنائي سأكون قادرة على أن أبدأ عمراً جديداً، ولكن كل شيء بدا متآمراً، الهروب، والحنين، ونشرة الأخبار التي تبث على رأس كل ساعة، وحتى شربة الماء، واللقمة التي تخنق الأنفاس، وكل الناس السائرين حولي نحو حياتك لم تتوقف، كيف أضحت غزة معياراً لكل شيء؟
ثم يخونني جسدي أيضاً ويسقط متألماً ومتآمراً، كأن طائرة «أباتشي» استهدفته من دون رحمة، كأحياء المدينة العتيقة وعمائرها، حتى دفعني للجلوس هنا أمام هذا الطبيب الأنيق، الذي يرفع نظارته ويقدم نصائحه بروتينية معهودة، وكأنه يعالج مريضاً طبيعيّاً عابراً!
فكرت في أنه ربما كان في استطاعتي كخبيرة في الألم أن أساعده في صياغة تشخيص جديد يخرجه وقت الحاجة، حينما يلجأ إليه مريض من سوريا، أو غزة، أو السودان، وربما من العراق، أو لبنان، أو مصر مثلاً! تشخيص يناسب أي جسد منهك، خارج من تحت أنقاض قضية عربية، ومدينة منكوبة، حارب حكامها أو استسلموا لقوانين ومؤامرات هذا المحتل! أو من تحت ركام الظلم الذي يمارس على المساكين في هذه الأرض.
وبما أن الذي رأيته في غزة كان موتاً أكثر من اللازم، فيمكننا تسميته متلازمة الموت أيضاً، يجب أن يكون هذا الاسم مدوّناً في كتب الطب ضمن قائمة الأوجاع التي ليس لها علاج حتى اللحظة!
وبكل الأحوال من حق غزة علينا أن نصاب جميعاً بمتلازمة الألم، حيث تمرّ أجسادنا إلى جانب الركام المتكوّم فوق الأرصفة، والأشلاء المقطعة، التي تبحث عن معرف لهوية صاحبها، والناس السائرين كالسكارى بين الردم، وقد تحولت أجسادهم إلى أشباح من شدة الجوع، كل يحمل أوجاعه، كل منهم يشبه الآخر!
نظرت إلى الطبيب، وأردت أن أضحك، ما أهمية أن أصاب بمرض بعد ثمانية أشهر من الإبادة؟ المرض تفاهة بين كل هذا الموت! الدواء لا قيمة له بين كل هؤلاء الجرحى! وقد يبدو أيضاً أقل واجب أن تخور أجسادنا لتخبرنا أن قلوبنا لا زالت تعمل.
تجاهلت الذكريات الكثيرة التي تعصف بعقلي منذ السابع من أكتوبر، القديمة منها والجديدة، ما قبل الحرب وخلالها، فخمنت أن علاجاً يمحو كل تلك الذكريات المدونة في عقلي، يمكنه أن يكون ناجعاً، فلا شيء يمكنه أن يريح الجسد المريض بذكرياته ليبدأ رحلة جديدة في مكان جديد سوى أن يقضي هذا العقل عليها، سألت الطبيب: حسناً، جميل هذا التشخيص، ولكن حتماً سيكون له علاج؟
ابتسم الطبيب، حدّقت في وجهه وسألت نفسي: من أين يأتي كل هؤلاء بهذه الابتسامة المليئة بالتفاؤل؟
اعتدل في جلسته، وعقد يديه فوق مكتبه باهتمامٍ وحماسة واضحَين، ثمَّ قدَّم لي نصيحة روتينية تخرج من أفواه الأطباء وكأنها مسجّلة في ذاكرة ألسنتهم، يردّدونها حينما يعجزون عن الحل: قبل الحديث عن الدواء، يجب أن أخبرك بأنّ هذا المرض مزمن، ومرتبط بالحالة النفسية، عليك الابتعاد عن كل المؤثرات العصبية!
هذا الطبيب لا يعلم أنني في الثالث عشر من أكتوبر وبينما كانت طائرات الاحتلال تقصف غزّة من دون رحمة، كنت أجلس بعد منتصف الليل في ركن بجانب طفلتي، أجرّها إليّ بكل ما أوتيت من قوة، حينما خرج زوجي من الغرفة وطلب مني أن أجمع سريعاً الأشياء المهمّة فقط، لأن طائرات الاحتلال ألقت مناشير على بيوت المدنيين في مدينة غزّة تطلب منهم النزوح جنوباً، وقد هاتف أحدهم زوجي ليخبره بأن المتحدث باسم جيش الاحتلال قد طلب ذلك رسميّاً عبر صفحته على تويتر.
جنوباً! ما الذي يمكن أن أفعله في مدينة أخرى ليس لي فيها بيت؟ أين سنذهب؟ أين سيذهب هؤلاء السائرون كلهم بأمتعتهم القليلة؟ ثمّ ما الذي يمكن أن يكون مهمّاً لآخذه، أو ذاك الأقل أهمية حتى أتركه ورائي وأنا أغادر بيتي مرغمةً؟
سحبت الملاءة التي تغطي سريري، فردتها كما فعلت جدتي قبل سبعين عاماً وحدّقتُ إلى فراغ القماش الأبيض؛ وفكرتُ للحظة أنّ هذا الغطاء يمكن أن يصلح كفناً وقت الحاجة!
أزحتُ خيالاتي بعيداً، وسألتُ الله أن يبعد هذا التشاؤم الذي يملأ فؤادي.
وضعتُ في منتصف الملاءة أوراقي الجامعية، وأوراق زوجي، وشهادات ميلاد أطفالي وكتبهم، ملابسهم الأقدم، لم آخذ شيئاً جديداً، كنتُ أردّ على ابنتي حينما تقترح أن نأخذ الجديد من ثيابنا، وأقول: اتركيه، سنرتديه حينما نعود، لن نغيب كثيراً على أي حال!
وهكذا فعلتُ مع معظم الأشياء، كنت أرى أن أخذها يعني الرحيل الأبدي، فأردد، اتركوه، سوف نعود قريباً، وكانت كلمة «سنعود» بحدّ ذاتها تثير فزعي، وتذكرني بتاريخ طويل من النكبات.
هذا الطبيب لا يعرف تلك الرجفة التي سكنت أطرافي، وذلك التشتت الذي تحكم في عقلي في تلك اللحظة، وأنا أركض بين الغرف وأعبّئ ذاكرتي عبر التحديق في جدرانها طويلاً، ما الذي يمكن أخذه حتى يلغي هذه الذاكرة قبل أن تتآمر عليها مرارة البعد، فتمحوها كما أريد ولا أريد؟ العقل لن يتسع لعوالم كثيرة بذكرياته، وهذا المحتل قصفنا بعشرات النكبات حتى لم يعد يطيق تخزينها.
نظرتُ إلى صندوق ذكرياتي، ذلك الذي خبأت فيه كل هدية وورقة، وضعت فيه بطاقات كثيرة وصلتني من صديقات، ساعة أمي المتوقفة، إسورة مشغولة بالخرز أهداني إياها ابني يوسف وهو في الصف الأول، رسومات كثيرة مؤرّخة رسمها أبنائي قبل عشر سنوات وأكثر، دفتر مذكراتي القديم، رسالة وحيدة من أمي مكتوبة بخط يدها، بطاقة أهداني إياها زوجي في عيد زواجنا الأول، صور كثيرة للحظاتنا المجنونة، وطفولة أبنائنا.
تركتُ صندوق ذكرياتي؟ أخذ الذكريات في هذه اللحظة العصيبة ترف...
ربطتُ الملاءة على طعام معلب وقطع ذهبي القليلة وملابس أطفالي وركضنا نحو المجهول!
ألقينا نظرة أخيرة إلى الغرف والصور المعلقة على الجدران والكتب المرتبة في المكتبة والمقاعد التي جلسنا عليها منذ عشرين عاماً، شجرة اللبلاب التي أحب أن أشرب قهوتي بجانبها صباحاً، وأحدّثها بما كان وما سيكون، حينما كان عقلي قادراً على تصوّر ما سيكون!
حدّقت في الأرض، بينما يهزّ الطبيب جسده داخل مقعده الوثير، ويقترح عليّ أن أنتسب إلى جماعات دعم نفسي، مع مرضى آخرين يقومون بعمل جلسات تفريغ، ويحكي كل منهم قصته، لافتاً إلى أنّ ذلك سيكون مفيداً، ويسهم كثيراً في علاج المرض.
أطلت التحديق في الأرض، تأملت حذائي الرياضي الذي ابتعته فور وصولي إلى القاهرة، فكرت في كثيرين لا يزالون هناك تحت النيران، حفاة بعد أن اهترأت أحذيتهم، وفرغت كل المتاجر من بضائعها، وأصبحت فكرة الحصول على حذاء جديد مستحيلة!
تجاهلت رسالة الطبيب وقلت وأنا أحدق بالورقة التي في يدي: جميل، يا حضرة الطبيب، فكرة جيدة، لكن ماذا عن هذه القائمة الطويلة من الأدوية الكثيرة، التي أحملها الآن في ورقة موقعة منك، هل يمكنها أن تقدّم لي علاجاً نهائيّاً؟
— يمكنها أن تخفف الألم، وتساعدك على النوم الذي أفقدك المرض قدرتك عليه، ويمكنها أن تساعد في برمجة العقل ليستعيد قدرته على التركيز وتقوية الذاكرة، والذي يُعَدّ عارضاً آخر من أعراض المرض.
لماذا شعرت بالغضب وأنا أفكر في مدى مناسبة الواقع مع مرض اسمه «متلازمة الألم»؟
لكن الطبيب يكمل، من دون أن يخمن حجم العاصفة التي تسكن عقلي منذ بداية المعركة!
— ويمكنها أيضاً أن تخفف الأوجاع التي تزداد تدريجيّاً مع سوء الحالة النفسية، لكن الحل أولاً وأخيراً هو إلقاء كل الأحمال التي قد تكون سبباً في سوء الحالة النفسية، ليستطيع الجسد برمجة نفسه وأخذ قسط من الراحة، ومحاربة هذه الأوجاع بقدرة أكبر.
— هكذا بكل بساطة، أحمال؟ وأنا من يجب عليها أن تلقي الأحمال! أين ألقيها؟ وكيف؟
يا حضرة الطبيب، أنا أحمل فوق أكتافي مدينة!
* كاتبة فلسطينية من غزة مقيمة في القاهرة

