عن الذكاء الاصطناعي والغباء البشري
قد نتفاجأ بأنَّ ميخائيل نعيمة هو أديب سعودي، وجبران خليل جبران كاتبٌ روسيٌّ أو فنّان شعبيّ، أو نرى صورةَ الملك البريطاني منسوبة إلى الرسّام ليوناردو دافينشي.


قد نتفاجأ بأنَّ ميخائيل نعيمة هو أديب سعودي، وجبران خليل جبران كاتبٌ روسيٌّ أو فنّان شعبيّ، أو نرى صورةَ الملك البريطاني منسوبة إلى الرسّام ليوناردو دافينشي. هذا كلُّه قد يكونُ نِتاج مُحرّك البحث على بعض مواقع الذّكاء الاصطناعي، حين يستسهلُ أحد الطّلاب، ويستعجلُ الطّلبَ من موقعِ ذكاءٍ اصطناعيّ إعداد بحثٍ أدبيٍّ له.
لكنّنا لسنا في صدد تقييم هذه المواقع التي تُدهشنا بتطوّرها السّريع، وتضعنا في دائرةِ استشرافِ مُستقبلِ الإنسانيّةِ، وفرضيّاتٍ مُقلقة، أبرزها قدرة الروبوتات والذكاء الاصطناعي على التطوّر الذاتي، ثمّ الاستغناء الكُلّي عن البشر.
لا يَغفلُ عنّا أن هذه المواقع لا يُمكن أن تُبدعَ أدباً حقيقيّاً، إنّما سرديّات نمطيّة مُبلّدة وركيكة. فهي تعتمدُ على جمع الإحصاءات والبيانات والخوارزميّات، لتُعيدَ صياغتَها وتقديمَها في محتوى جديد. ولا نقعُ على نصوصٍ أصليّة في هذا البرنامج. وذلكَ كلّهُ قد يُعرِّضها لأخطاءٍ شبيهة بما ذُكر في مطلع المقالة، أو اختراع بياناتٍ وهميّة ونسبها لأشخاصٍ حقيقيّين. وعلى سبيل المُزاح، قامت إحدى الزميلات بتدوين اسمها على محرّك البحث في «تشات جي بي تي»، سائلةً إيّاه عن سيرة هذا الاسم، فتفاجأَت بأنّها راقصة مصريّة تعملُ في أحد النوادي الليليّة!
تفاجأت زميلة بأنّها راقصة مصرية وفقاً لـ«تشات جي بي تي»!
فأينَ نحنُ من العقل النّاقل والعقل النّاقد في ضوء الذكاء الاصطناعي والغباء البشري؟
تذكّرني، التكنولوجيا، بجارنا الذي كانَ يملأ قدحَ عرقٍ صغيراً، يضعهُ في المنخل ويحركّه بسرعةٍ كبيرة، ويتباهى بأنّ نقطةً واحدة لن تسقط من القدح. نعم، هكذا التكنولوجيا في سرعتها، تسحبنا نحو واقعٍ يصيرُ فيه الإنسان مُسيَّراً لا مُخيَّراً أو قُل ناقلاً للمعلومة لا ناقداً لها. ومَن ذا يجرؤُ، ولَو للحظات، أن يُوقفَ التسارع خشيةَ التّهالك؟
لكنْ قبلَ إلقاء اللّومِ على الطلّاب، الذين يستسهلونَ المواقع، فلا بُدّ من تقييمِ مناهجِنا التربوّية وإستراتيجيّاتنا التعليميّة برؤية نقديّة ذاتيّة، فنسألُ: هل مناهجنا السّائدة والبائدة، تقودُ المتعلّمين نحو تفكير نقديّ؟ وما نفعُ الأبجديّات والمعلّقات وحفظ النصوص المقدّسة والمدنّسة إن لم تُقدم لمتعلّمينا مهاراتِ التّحليل النّقدي، والتَّبَحُّر في روحِ المعنى لا في تلاوةِ المبنى، تلاوةً آليّة تُشبهُ قرقعةَ السّبحة في يدِ مُتعبِّد؟
أمّا الفارقُ بين المدرسة الخاصة والمدرسة الحكوميّة، فهو في البناءِ والإنفاق، كالفَرقِ بين سجن بائسٍ وسجنٍ من فئةِ الخمس نجوم. والتعميماتُ رتيبة، الكُتبُ عقيمة، والمدارسُ تستحدثُ ممرّاتها وتطلي جدرانها في ختام السّنة الدراسيّة، وتُهملُ تحفيز أساتذتِها على تعليمٍ نَشِطٍ يرتكزُ على الألعاب التّربويّة والاختبارات العلميّة وغيرها، بحجّةِ ربطِ الاختبارات بالشهادات العامّة، والمُفاخرة بنيل المراتب الأولى في نتائجِ الامتحانات الرّسمية، ولو كان ذلكَ على حسابِ جعلِ الطلاب قرصاً مُدمجاً لنَسخِ المعلومات ولصقها على الورقة. ثمّ تتقاذفُ المسؤوليّات وتُرمى الكرةُ في ملعب وزارة التّربية و«التّعليب» العالي.
وما أشبهَ التّعليم التّقليدي في بلادنا بمزارعِ الدّواجن التي تحقنُ الصّوصَ لتُصيِّرَه ديكاً أو دجاجة في غضون أسبوع واحد!
* شاعر ومُخرج ومحاضر جامعي
