ليندا هوغان: نجونا من الإبادة الجسدية لنقاوم الإبادة الثقافية
مثَّلتْ حملة تهجير الهنود من أراضيهم أقدمَ نموذج للتطهير العرقي في التاريخ الأميركي، وتوجُّهاً لسياسة استعمارية تهدف إلى سلب المجتمعات المستهدفة هويتها وإعادة توطينها بالقوَّة، بل وحتى إبادتها.


مثَّلتْ حملة تهجير الهنود من أراضيهم أقدمَ نموذج للتطهير العرقي في التاريخ الأميركي، وتوجُّهاً لسياسة استعمارية تهدف إلى سلب المجتمعات المستهدفة هويتها وإعادة توطينها بالقوَّة، بل وحتى إبادتها. وأصبحت ذكرى هذه الحملة عنواناً لعصر يعكس الصراع الثقافي بين السكان الأصليين، والمستوطنين القادمين من أوروبا، عنواناً استخدمته الأجيال اللاحقة من القبائل الهندية المهجرة لإدانة تلك الحقبة.
ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته «أدب تهجير الهنود» كتبه شعراء من السكان الأصليين أمثال نافار سكوت موماداي وشيرمان أليكس وجوي هارجو وأدريان سي لويس وتيفاني ميدج، وروائيين كما في أعمال جلين جيه تويست، وجيري إليس، وويلما مان كيلر، وبياتريس هاريل وجوزيف بروتشاك.
يعد هؤلاء الشعراء والروائيون وسواهم، أصواتاً فردية متميزة، تتحدَّث عما لا يمكن أن يَتحدَّث عنه المستوطن الأبيض. ويقدم هذا الأدب نموذجاً للعلاقة بالأرض يختلف جذرياً عما قد يقدمه سائر الأميركيين المهاجرين، وهو ما جسَّدَ مفهوماً متبايناً للهوية والانتماء. فالذاكرة بثنائيتها الجمعية والفردية وكذلك التاريخ والإرث تختلف لدى الهندي الأحمر عمَّا لدى المستوطن الأبيض، كما تختلف مدياتها وامتداداتها كذلك.
ذاكرة الهندي عن الأرض تعود لما قبل قيام أميركا، أما المستوطن فما إن يمتد بذاكرته حتى يجد نفسه مضطراً للنظر إلى خارج الأرض التي يقف عليها. وهكذا فإن تاريخ المستوطن يمتد نحو فضاء الأرض التي جاء منها. أما الهندي الأحمر فتاريخه متجذرٌ في الأرض التي يقف عليها.
تشكل هذه الموضوعات مجالاً حيوياً في كتابات الشاعرة والروائية ليندا هوغان (1947)، فهي تصر في كتاباتها على النظر إلى التاريخ بوصفه أداةً أساسية في تحديد الهوية الأصلية في السياق المعاصر: «نحن دائماً هنود.
لم ننسَ هذا التاريخ قطّ» وهي تدرك أن كونها هندية يعني حتمية الانغماس في الذاكرة التاريخية، فهي تنحدر من أم بيضاء وأب من الهنود الحمر من قبيلة تشيكاسو، وهي قبيلة أخرى عانت من التهجير القسري وسلكت «درب الدموع».
أتاح لها هذا التراث المختلط أن تتميز بكتابة تتسم «بالتثاقفية» وتستمد أهميتها من هذه المساحة الجامعة بين ثقافتين وبيئتين. تسعى إلى سرد تجارب السكان الأصليين وتحفيز الآخرين على رؤية العالم – لا سيما عالم الطبيعة-من منظور المعرفة التقليدية للسكان الأصليين.
كما ترتبط قصائدها ارتباطاً وثيقاً باهتماماتها السياسية والروحية، وتتناول قضايا مثل البيئة والنسوية، وتهجير قبائل الهنود الحمر، والروايات التاريخية، ولا سيما التاريخ الشفوي. وإضافة إلى السمة التاريخية لعلاقتها بالأرض، فهي ناشطة في مجال البيئة وإعادة تأهيل الحياة البرية لا سيما الطيور، ما يعكس التزامها بحماية الطبيعة والحفاظ على تراثها الثقافي.
لهذا فإن لغتها عادة ما تكون مشحونة بالرموز وغنية بالصور المستمدة من الطبيعة، فهي شاعرة طبيعة لكنها تختلف عن معظم شعراء الطبيعة الأميركيين، لأنها تشعر بأنها في موطنها على هذه الأرض، كما كانت الثيران البرية تسرح ذات يوم، ومثل حقول الذرة المنتشرة، والطيور البرية، والأنهار الجارية، التي تنتمي إلى السكان الأصليين وتشكل جزءاً من تصميم الحياة وإيقاعها. على سبيل المثال، تختلف نظرتها إلى الغربان أو الصقور عن نظرة شعراء الطبيعة الآخرين فهي تدرك المكانة الرمزية المهمة للغراب في أساطير الخلق الهندية.
وكذلك، فإن كلمة «الأرض» مركزية في شعرها، بما تُحتويه من مياه، وتربة، وسُحبٍ ومراعٍ أصبحت فجأة، بكل ما فيها، فريسة لجشع أرباب التجارة والصناعة الذين جوّعوا الناس وحرموهم من التمتع بخيرات الطبيعة والحياة فيها، فتكتب في قصيدتها «درب الدموع: تهجيرنا»:
بخُطوطٍ لا مرئيَّة، قُسِّمَتِ الأرض.
حينَ جاءَ المَسَّاحونَ، عَرفْنا
أنَّ ما قالَهُ العرَّافُ صحيح.
وأنَّ هذهِ الأرضَ ستُسلبُ بالخُطوطِ اللامرئية.
لم يكنْ سلب الأرض كلّ الجريمة، فسرعان ما أُنهِكَت الطبيعة بالمبيدات الضارة والمياه الملوثة، وتسمّمت الأنهار بالنفايات الصناعية. لذلك ترى هوغان في كل هذه التعدِّيات أشكالاً جديدة من جرائم الإبادة الجماعية، فتلجأ إلى الشعر بوصفه وسيلةً مهمة لرفض الاستعمار والثقافة المادية. وتدعو المستوطنين إلى الامتنان للأرض السليبة والرفق بها على الأقل!
«لِذَا، أنتُمْ يا مَنْ تعيشونَ عليهَا الآن،
لا تَنْسُوا أنْ تحبُّوا، وتَشكرُوا
ذلكَ المكانَ الَّذي كانَ غابَتَنا ذاتَ يومٍ،
وعلى الأقلِّ، ارفقُوا بتلكَ الأرض».
تقدم هوغان تصوُّراً أعمق لموت الأمم وفناء الروح البشرية، فهي ترى أنّ تخلي الشاعر الهندي عن مهمة الجمع بين دور العرَّاف القديم والشاعر الحديث إقرارٌ بذلك الفناء. والواقع أن الشعراء الهنود ليسوا بحاجة إلى ادعاء قوى روحية أو تنبّئية، فهي سمة متأصلة في وعيهم الروحي.
وقد وصفت في سيرتها كيف كان عليها، وهي التي نشأتْ من دون اتصال مباشر بتقاليد قبيلتها، أن تتقبَّلَ الرؤى التي تنتابها على أنها ليست بالأمر غير الطبيعي؛ فكان عليها أن تدرك وتعتاد أنها «ليست مجنونة، بل مجرد هندية».
لقد تعلَّمتْ أن قوى البصيرة سمة خاصة بالهندي منبعها شعوره بالانتماء إلى العالم بأسره عبر الانتماء إلى شعب محدد أو قبيلة معينة. لهذا، تحيي هوغان في الذاكرة مأساة «درب الدموع» التي عرفتها عبر القصص والسرديات، التي رواها الغرباء وأجيال العائلة:
«فسلَكْنَا دَرْبَ الجوعِ القَاسي
والحربِ مِنْ أجْلِ تلكَ الأرضِ التي لا نزالُ نحلمُ بِها.
■ ■ ■
والخيولُ الكثيرةُ
سُرقَتْ تِباعاً، واختطفَها كثيرٌ من اللصوص
كلُّ خطوةٍ خطوناها أبعدَتْنَا عن الأغاني،
وعن الرَّقصاتِ القديمةِ، والذكريات
على طولِ الطريق، أخذنا معنا الملابسَ والصُّحون،
مُعتقدينَ أنَّ ثمةَ شيئاً هناك، لبدءِ حياةٍ جديدة،
مُعتقدينَ أنَّ العدالةَ موجودةٌ في العالم».
لكن العدالة لم تتحقَّقْ بعدُ، فقد ظلَّ الصراع من أجل الأرض والهوية مستمراً، وإن اتخذ شكلاً آخر.
ترى هوغان أن التاريخ بالنسبة إلى الأميركيين الآخرين (البيض) ينتمي، إذا هم فكروا فيه، إلى الماضي. لكن الواقع أنّ أحداثه لا تزال حية وماثلة ومستذكرة. (لم ننسَ الماضي بهذه السرعة والسهولة) ومن الواضح أنّها في اتهامها «الأميركيين الآخرين» بنسيان الماضي (بسرعة وسهولة) تصوِّر البيض في موقع الجناة، وتضع السكان الأصليين في موقع الضحايا السلبيين لهذا التاريخ.
في نهاية قصيدتها «درب الدموع: أبعادنا»، تصرّ هوغان على أهمية الماضي لتعكس عبره رؤيتها للتاريخ بوصفه ظاهرة مدوَّنة في الفضاء المادي وكذلك في الجسد، فالجغرافيا التي لا يمكن التعبير عنها بالكتابة الأدبية تتجسد في الجسد.
«أَجْسادُنا وذاكرتُنا تبقَى
هي الجغرافيا الثَّابتة»
وفي قصيدتها «نحو النور»، ترى هوغان أن الجغرافيا متمثلةً بالطبيعة تبقى الأرشيف الأزلي الذي يسجّل تلك الجرائم ويرويها، ولن يتمكن من قراءته سوى أولئك الضحايا الذين يجيدون الإصغاء لحفيف الأشجار، وسريان المياه في الينابيع تحت الأرض وما تعبرُ عنه بلغة سرية:
«عندَ النَّبع
نسمعُ البحارَ العظيمةَ تسيرُ تحتَ الأرضِ
■ ■ ■
لقد سافرَتْ عبرَ مقابرِ أحبَّتِنَا،
دائرات على قُبورِهم
لتحملَ للهواءِ قصَصَ الحياة.
حتَّى الأشجارُ حَلقاتها
حفظتْ سجلَّ الجرائم
التي تعيشُ فِينا
وضدَّنا».
تؤكد هوغان في كتاب سيرتها «المرأة التي تراقب العالم» أنّ «الشيروكي لا يمكنهم أبداً نسيان درب الدموع، ليس بسبب حتمية جينية فقط، بل لأن أهميته للتراث والهوية تتناقلها الأجيال عبر القصص» ولأن التاريخ، مثل الجغرافيا، يعيش في الجسد.
تقول هوغان: «ما زلنا، نحن الذين نجونا من الإبادة الجسدية الجماعية بالمصادفة، نقاوم الإبادة الثقافية رغم انكسار أجسادنا وقلوبنا.
ونتذكره بداخلنا إلى الآن، فالتاريخ حاضر في خلايانا الموروثة من خلايا أسلافنا، من أجساد تعرّضت لأبشع صنوف الكراهية، والتهجير، والقتل». لهذا ترى أنّها عصية على النسيان والمحق، بل تنبعث في دورة حياة جديدة في أسطورة انبعاث لتروي إلى النور حكايات عن الحياة والموت.
«نتذكَّرُ كُلَّ شيء.
نتذكَّرُ، رغمَ أنَّنا محضُ هياكلَ عَظْمية
تضمُّ أَعْضَاءَنا ولحومَنا.
لَنَا قصصٌ
قديمةٌ كالبحارِ العظيمة
تتفجَّرُ من الصُّدور
وتَتطايرُ من الأفواهِ،
ألسنة صاخبة وكانتْ صامتةً،
كلُّ المحيطات التي نحملُهَا
تظهرُ للنُّور»
* شاعر ومترجم عراقي
