بحثاً عن قاسم من الهرمل إلى يارون
على مدخل يارون (جنوب لبنان)، وعلى بُعد أمتار من الاحتلال الأكثر إجراماً في العالم، كنّا نحن الفتية والشبان والرجال نحاول بكلّ ما نملك من عقيدة التراب أن نزيح الساتر الترابي اللعين الذي يقف حائلاً بيننا وبين القرية الحدودية


على مدخل يارون (جنوب لبنان)، وعلى بُعد أمتار من الاحتلال الأكثر إجراماً في العالم، كنّا نحن الفتية والشبان والرجال نحاول بكلّ ما نملك من عقيدة التراب أن نزيح الساتر الترابي اللعين الذي يقف حائلاً بيننا وبين القرية الحدودية المدمرة كلياً جراء معارك البقاء والانتماء التي شهدتها بين المقاومين اللبنانيين والمغتصبين الصهاينة. كانت تجلس هناك، خلف جدار بالكاد يقف باستقامة، تضع يدها على خدها وتنظر إلينا، وتنتظر...
لم تفزع، ولم تبرح مكانها، رغم ما بادل به جنود العدو أهل القرية العائدين إلى ركامهم لينهضوه مجدداً، بين أصوات الطلقات النارية التي لم نكن نعرف من أي صوب تباغتنا، وعلى وقع القنابل التي كانت ترميها المسيّرات فوق رؤوسنا لإخافتنا وإبعادنا. لم أكن أستطيع أن أزيح نظري عنها، ظلت عيناي تراقبها، كانت كالمنحوتة التي صنعها جنوب وبقاع، ورسم ملامحها الصبر. لكنّ دمعة كانت تسبح في عينها، لم تستطع إخفاءها، تساقطت عند أول سؤال سمعته مني: «أنت ليش هون يا خالتي؟».
كانت الغاية من سؤالي معرفة ما الذي يأتي بامرأة تخطت السبعين من عمرها إلى نقطة حدودية ساخنة؟ ما الذي يجعلها تنتظر؟ وما الذي سينهضها من وراء الجدار، لتمضي نحو يارون معنا.
أم قاسم، هذا اسمها، ولا اسم لها غيره، ولن تسمح لأحد بمناداتها إلا به. قالت: «قاسم هنا، في مكان ما، قد يكون على بعد خطوات فقط أو ربما ليس له أثر، لكن بالتأكيد، سأجد ملابسه وأغراضه، ولن أتوه عنها لو اتسخت ببقايا الحطام. رائحة قاسم أنا أعرفها، وشممتها مراراً، وصلت من يارون إلى الهرمل (محافظة بعلبك ـ الهرمل البقاع اللبناني)، فأتيت إليه».
لم تقبل منّا العزاء، بل التهنئة فقط. الأم التي قدمت ابنها القادم من أقصى الشمال، كرمى لعين أقصى الجنوب، كانت تنتظر أيّ أثر له، لا تطمع بالجسد، فالجسد فانٍ كما وصفت، إنما هي نار الشوق التي لا تنطفئ إلا باحتضان بقايا من نحبّ، ولو كانت تلك البقايا، قطعة من قماش مدمّى.
