
إن التصريحات المتعلقة بالصهيونية التي أعلنها السيد بلفور، وما تبعها من تصريحات السيد ستيفن بيشون(1)، ثم ما أثارته تلك التصريحات من حماسٍ لدى الصهاينة في شتى البلاد، مع ما رافق ذلك من إجراءات أولى كانت قد اتخذتها سلطات الحلفاء العسكرية عقب دخولها فلسطين- كل ذلك أدى إلى تحريك مشاعر الأوساط الشرقية بشكل عميق. وزاد من حدة هذا الشعور ما نجم عن مؤتمر السلم الذي رأى، لتقرير مصير فلسطين، الاستماع إلى الصهاينة، ممن لا ناقة لهم ولا جمل، على حد قول العرب، بدل الاصغاء إلى ممثلي فلسطين المعتمدين(2).
وبات بالتالي المسلمون والمسيحيون في فلسطين وسوريا ولبنان، على اختلاف نحلهم، يتساءلون عما إذا كان عليهم توقّع إنشاء دولة يهودية في بلدهم، وعمّا إذا كان المشروع يتوافق والمبادئ التي أعلنها الحلفاء ويستجيب لمصالح فلسطين الحقيقية.
■ ■ ■
ولنحدد، بادئ ذي بدء، هل المبتغى دولة يهودية؟ تلك هي المسألة. الحقُّ يقال أن أياً من السيدين بيشون وبلفور لم يتفوه بالكلمة القدسية، تلك التي وضعها تيودور هيرتزل(3)، قيد التداول، والتي تفترض السيادة المطلقة. فكلاهما استخدما عبارة موطن (Foyer) الأكثر تواضعاً، وهي العبارة التي استخدمها من قبل ليون بينسكر(4) في كتابة «التحرر الذاتي» (Auto-émancipation) الذي لم يكن يطالب بدولة يهودية، إنما بموطن (Foyer) يستطيع اليهود، من خلاله، تحقيق أهدافهم. لكن ما يعنينا، هنا، أنّ التمييز بين العبارتين يبدو ظاهرياً أكثر منه حقيقياً.
فالتصوران اللذان ينطلقان من مبدأ واحد، ويسعيان إلى هدف واحد، يتشابهان، على الصعيد العملي، إلى حدّ التماثل. وإذا كانت العبارتان «موطن يهودي» و«دولة يهودية» لا تشيران، في الواقع، إلى مسمى واحد، فإن «الدولة اليهودية» لهي النتيجة المنطقية والحتمية لـ«الموطن اليهودي».
ومن المفترض أن يكون الصهاينة قد أدركوا أيضاً على هذه الشاكلة معنى هذه العبارة عندما استخدموها في مؤتمرهم الأول الذي انعقد في مدينة بازل(5)، آب 1897، لتعيين تطلعاتهم وتحديد مكان تحقيقها في فلسطين.
ولا تترك هذه الواقعة الأخيرة أدنى شك حول هذا الموضوع، بدليل أن مؤتمر بازل لم يكتف بتعيين فلسطين وما جاورها قاعدةً لهذا الموطن بل تشبّث بهذا الموضوع، رافضاً مجرد البحث بعرض سخيّ قدمته له الحكومة البريطانية، وكان قوامه حكرة أرض شاسعة داخل محمية شرق أفريقيا(6). فلو كان المقصود مجرّد موطن (Foyer) بالمدلول العادي وحسب لما كان مهماً البتة مكان إقامته إذا ما تيسّرت له الشروط المناخية والاقتصادية المنشودة.
ومنذ فترة وجيزة، تحدّت السيد وايزمن، باسم صهاينة إنكلترا قائلاً: «إذا كان بناء دولة يهودية في فلسطين هو الهدف الهائي لجهودنا- وتعمل المنظمة الصهيونية بأسرها لتحقيق هذا الهدف- فعلينا لإدراكه المرور بسلسلة من المراحل الوسيطة، إحدى هذه المراحل وقوع منطقة فلسطين الجميلة تحت حماية دولة يكون لها قوة بريطانيا العظمى وعدالتها. في كنف هذه الدولة سيتمكن اليهود من النمو والحصول على قدر من الحكم الذاتي الذي سيستأهلون».
علينا أن نقرّ أن هذه السياسة لا تخلو من البراعة، إنها سياسة آل سافوا(7) في التهام رأس الخرشوف الإيطالي ورقةً تلو الأخرى. أكثر من ذلك، إنها سياسة يهوه بذاته، قائد خطى العبرانيين الأوائل إلى فلسطين. يقول سفر الخروج: «وأبعث الزنابير أمامك فتطرد الحويين والكنعانيين والحثيين من وجهك. لا أطردهم من وجهك في سنة واحدة كي لا تصير الأرض قفراً فتكثر عليك وحوش الصحراء. لكنني أطردهم قليلاً قليلاً من أمامك إلى أن تنمي فترث الأرض».
لقد ظن أتباع تيودور هرتزل، إبان الحماس الأول للسراب الصهيوني، أن بمقدورهم الانحراف عن هذا المنهج الذي سها عن حَذَقه- ولنقل ذلك بشكل عابر- مؤلف «السياسة المستخرجة من الكتاب المقدس»(8). وكيفما كان الحال، فإن الصعوبات الواقع تكفلت بإثبات حكمة ذلك النهج، كما تولّت إعادة أولئك إلى هذا السبيل.
■ ■ ■
المراد إذاً دولة يهودية بالفعل. هذا على الأقل ما فهمه الصهاينة وهو الأمر الذي يجعل مسألة الدولة اليهودية، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. أما والحالة هذه، وعلى الرغم من تلك التوريات، وأياً كان الشكل الذي ستتّخذه تلك الدولة، فإن دولة يهودية في فلسطين تشكّل بنظرنا سيطرة عرقية أو دينية. وتبدو لنا هذه السيطرة متناقضة بشكل فادح مع المبادئ التي أعلنها الحلفاء، كما أنها مضرةٌ بمصالح البلد، وحاملةٌ في طيّاتها بذور تعقيداتٍ خطيرة.
وفي الواقع، فإنه لا يكون إعطاء شعبٍ حقَّ تقري مصيره بفرض تسلّط شعبٍ آخرعليه. كما أن إبدال نيرٍ بنير لا يشكل التحرير الموعود. وإذا كان غرض الإنقاذ من السيطرة التركية إحلال سيطرة عرقٍ آخر مكانها، فليس في هذا التبديل -ولو كان العرق من العرق المختار- ما يستهوي. كما أنه ليس لعبارة «أمم» (Gentil) (I) وقعها الأفضل في المسامع من عبارة «رعية»، بل العكس هو الصحيح، ففي نظام متساهل بعض الشيء يمكن للمرء أن يتخلّى عن انتسابه «للرعية» ليصبح مواطناً. أما دولة يهودية لا تضم تحديداً إلا يهوداً و«أمميين» (Gentils) فذلك محال.
لقد أكّد رينان(9) أن التعصب هو جوهر الدولة اليهودية. غير أننا نقبل بسهولة أنه لن يكون هؤلاء «الأممييون» (Gentils) أبناء السخرة الذين عرفهم عهد سليمان، ولا من ترعاهم العصا الحديدية، الذين تحدّثت عنهم المزامير. فلكل زمان عاداته. وسيكون للمشرعين الجدد الذين اتعظوا من آلام التشتت أوسع التسامح.
يذهب تيودور هرتزل إلى حدّ التحدّث عن دولة علمانية يدين فيها كل فرد بالدين الذي يوافقه، مما يحيّر أحد أكبر حاخامي فرنسا زادوك خان(10)، الذي تساءل- دون أن يخلو تساؤله من مظاهر الصحة- كيف يمكن لدولة علمانية أن تكون يهودية؟ هذا ولم يستلهم تيودور هرتزل في اختياره لألوان راية الدولة العتيدة أية سمة يهودية.
فقد اعتمد علماً أبيض اللون، مهملاً في ذلك لون الثوب كبير الكهنة، واختار له سبع نجوم ذهبية، لا ليذكّربالمكّابيين السبعة، بل ليرمز- كما يعلن- إلى يوم عمل من سبع ساعات، عليه أن يكون على حدّ قوله هدف العالم العمّالي، ومن غير أن يغريه- بالتالي- في تزيين شعاره أسد يهوذا أو عصا هارون أو الأبواق المقدسة. إذاً، نرى أن تصوّر الدولة اليهودية على هذا الشكل يختلف، على نحوٍ ظاهر، مع الدولة التي وصفها يوسيفوس بكثير من العطف في مقاله ضد أبيونوس(11).
ومهما يكن الأمر، فسيتحتم على القيمين على المشروع ذاتهم أن يجدوا أنفسهم- وعلى الرغم من كل النيّات الحسنة- أمام المعضلة الآتية: إما أن يدعى «الأمميون» (les Gentils) للمشاركة في إدارة مسائل الدولة الجديدة بالقدر الذي يتناسب مع عددهم والمصالح التي يمثلونها وإما سيُستثنون منها.
في الحالة الأولى، وإذا سارت الأمور في مسارها الطبيعي، لن تكون هذه الدولة أكثر يهودية من فرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة الأميركية، وسيصبح مبرر وجود مثل هذا الدولة موضع تساؤل.
وفي الحالة الثانية، ستحلُّ- ببساطة- سيطرة عرق أو معتقد آخر، وسيواكب ذلك بشاعة الأحقاد والاضطهاد والانتفاضات والحملات الثأرية مستدعيةً تدخلاً أوروبياً مستمراً، وغير مجدٍ، في غالب الأحوال.
يعتقد البروفيسور زانغويل(12)- الذي اعتنق الصهيونية مؤخراً- أن بإمكانه تجنّب هذه المعضلة باستبعاده- منذ البداية- العنصر «غير اليهودي» (L’élément Gentil) المقيم حالياً في فلسطين، وذلك بدفع تعويض مالي له. وإذا رفض هؤلاء المساكين الإذعان، يتغلّب البروفيسور على أمرهم بأن يعلنهم بحماسة المبتدئين بدواً، ويطبّق عليهم، بناءً على هذا التصنيف، مبدأ انتزاع الملكية بالقوة. وقد تتساءل بعض النفوس الورعة إذا ما كان هؤلاء السكان بدواً فعلاً؟ لكن هذه الأسئلة تبقى كلها عديمة الفائدة، منذ لم يعد هناك قضاة في برلين(13)، على افتراض أنه وجد فيها قضاة ذات يوم. نقول هذا، ولو أثرنا استياء روح الحبيب أندريو.
ونحن أيضاً لا ننظر إلى هذا الحلّ من وجهة نظر القانون بل من وجهة نظر الفاعلية. ويبدو لنا- والحالة هذه- أن ليس بمقدور هكذا حلّ تجنّب المعضلة التي أشرنا إليها آنفاً. فالصهاينة واصلون إليها عاجلاً أم آجلاً، إلا إذا أتبعوها بخطوتين جذريتين أخريين، أولاهما: تحريم إقامة «الأمميين» في الدولة الجديدة، وبالتالي تحريم امتلاكهم فيها، أموالا منقولةً وغير منقولةٍ، تحريماً مطلقاً. وثانيهما: التحريم على كل يهودي تغيير دينه تحريماً مطلقاً تحت طائلة طرده أو مصادرة ممتلكاته.
ولا يخلو هذه الحلّ من اللباقة إذا اسثنينا ما سبق، ويمكن استلهامه أيضاً لحلّ المشكلة الإيرلندية (14). وما يصلح لطرد أكثرية «أممية» من فلسطين لا يمكن أن يكون سيئاً لطرد أقلية إنكليزية من إيرلندا، كما لا يمكن- على وجه التأكيد- اتهام سكان «الأولستر»(15) بالبداوة، فهذا الأمر يعوزه الطابع المحلي. لكن إذا قبلنا بالمبدأ وجدنا- بسهولة– المسوغات.
في جميع الأحوال، علينا الإقرار بأن خطوة البروفيسور زانغويل تنّم طبيعة حسنة، وتشير إلى تقدم في العادات الاجتماعية. في الزمن الغابر، عندما كان كرمٌ ما يثير طمع «أحآب»(16)، كان مالكه المقاوم لهذا الطمع يتهم بشتم الله والملِك، يُرجَم في الحال وينتقل كرمه إلى أيدي الملك الذي يوسّع بساتينه بالمجان من غير أن يدفع فلساً واحداً.
إن البروفيسور زانغويل- كما رأينا- لا يبلغ هذا المدى، فاله لا يريد موت الخاطئ، بل توبته، كذلك لا يبغي البروفيسور البارز موت ستمائة ألف «أممي» في فلسطين، بل يبغي حقولهم. فهو لا يذهب إلى حدّ القول مع عتليا المتعجرفة (17): «ما هم إذا سُفِكت دماءً دنيئة». بل إنه يقيّد الوسائل بالهدف، إذ لا حاجة إلى سفك الدماء سدى. وما علينا إلا أن نأسِفَ لأنه لم يكن لزوجة «أحآب» مستشار بهذا الإعتدال، ولو حصل ذلك لكانت قضية هذا اليزرعيلي العنيد المدعو «نابوت» قد أخذت منحى آخر، ولكانت نهاية هذه الملكة البائسة أقلّ مأساوية (18).
من جهةٍ أخرى، لا يمكن أن يكون رسم حدود الدولة الجديدة- وهذا من بين الأسباب- إلا اعتباطاً. وسيتلاءم بشكل تقريبي والحاجات الاقتصادية الأولى، دون أن يكون في وسعه تلية تطلّعات الصهاينة البعيدة المدى. على هؤلاء كي يكونوا منطقيين مع أنفسهم ضرورة السعي إلى استعادة تلك البلاد التي كانت تحت سيطرة ملوكهم، على الأقل، إن لم يكن سائر البلاد التي وعدت بها ذرية إبراهيم، والتي تمتد بحسب سفر التكوين من الفرات إلى النيل. وفي الواقع فإن حكم سليمان-حسب سفر الملوك الأول- شمل كل الممالك الممتدة من الفرات إلى بلاد الفلسطينيين وحدود مصر. بعبارةٍ أخرى، تحمل الصهيونية، في طياتها، توسّعية(un
irrédentisme) (II) ذات مدى غير عادي. ولنعطِ فكرةً عن ذلك، سبق لصهيوني، قبل أن تعرف هذه الكلمة، عام 1798، أن ظنّ نفسه معتدلاً عندما اكتفى بالمطالبة بمصر السفلي مع أرضٍ متاخمةٍ لها، يحدّها شرقاً خطٌ يمتد من عكا إلى البحر الميت، ومن هناك إلى البحر الأحمر(19).
لا يمكن والحالة هذه إيقاف مثل هذه الحركة التوسّعية متى سالت شهيتها في منتصف الطريق. كما أنه إذا أخذ بها لا يمكن منطقياً التصدّي لجماعات أحرى إذا ما طاب لها اعتماد المبدأ عينه.
ثم، وهو واقع، بماذا تجيب إنكلترا جماعةً من الأقباط لو طالبوها بمصر العليا كي يتابعوا فيها تحقيق مُثُل عرقهم، بدعوى أن جدودهم كانوا يقطنون هذه النقطة في الأزمنة الغابرة؟ وتشهد على ذلك هذه المباني التي تشكل أنقاضها موضوع إعجاب السياح وتأمّل الفلاسفة، وتلك الرموز التي تجعل من كاشف رموزها علامةً، كذلك الأمر في الكتل الهائلة من حجر واحد التي تحيّر الميكانيكية المعاصرة المدعومة بالبخار والكهرباء. هذه كلها ذكرى من الماضي المجيد، وضمانة مستقبل باهر ينتظر هذا الشعب عندنا يؤذن له بتحقيق أهدافه في ظلّ دولة قبطية.
سيقول الأقباط آنئذٍ: ليس من المنطق أو العدل بمكان أن تمنعوا عنا ما أعطيتموه لعبيدنا القدامى. وبمَ يجاب مفكّرٌ، بارعٌ في استخدام المفارقات، لو طالب باسم العرب ببناء موطنٍ عربيّ في الأندلس؟
سيقول: إنهم يتوقون، أيضاً، إلى هذه الأرض التي تشدّهم إليها ذكريات غالية. لقد فتحها أجدادهم ببسالة، وكانت عبر ما يزيد على ثمانمئة سنة مسرحاً لمآثرهم المجيدة، وأقاموا فيها خلافةً رَعَت العلوم والآداب، وتجاوز عطاؤها الحضاري شبه الجزيرة (الإيبرية). وهم، قبل لويس الرابع عشر بأمدٍ طويل، يوم تولى سيلفستر الثاني(20)، أول بابا فرنسي وخرّيج معاهدهم كما يقال، السدة البابوية- كان باستطاعتهم أن يقولوا: «زالت البيرينية»(21).
وليست هذه الكنائس الجميلة التي تفاخر بها إسبانيا الورعة سوى مساجدهم القديمة، ويمكن لأذنٍ مؤمنةٍ أن تسمع، عبر التموّجات الصوتية للبرونز الجليل، صوت الأذان الواضح والنقيّ يدعو المسلمين إلى الصلاة.
لقد غادر ملوكهم هذه الأرض الحبيبة والدموع في مآقيهم وما زالت التلة التي شهدت محمداً أبا عبدلله، آخر ملوك غرناطة العرب، يبكي، تحمل حتى اليوم اسم «زفرة العربي» (Soupir de Maure)، وليست مراثي أبي البقاء أقل إثارةً وهزّة للمشاعر من مراثي إرميا. ما الذي يجعل من هزمهم فريناندوس وإيزابيلا أقل إثارة للإهتمام ممن هزمهم تيتوس وادريانوس؟ ما الذي يجعل حقوق أبناء إسرائيل على فلسطين أكثر ثباتاً من حقوق أبناء إسماعيل على الأندلس ما دام كلاهما يقوم على الغزو؟
موطن اليهود الأصلي أرض الكلدانيين، وفلسطين هي أرض كنعان. ويقر إبراهيم أنه فيها غريب، حتى أنه لم يحصل على حق دفن موتاه في أرضها إلا عندما دفع نقوداً معدنية راجحة، وهو لم يقبل قطعاً احتمال مصاهرة أبناء البلد أو دمج دمه بدمهم. وقد باح بهمومه هذه لخادم أمين واستحلفه بأقدس ما لديه بأن يعود إلى أرض الكلدانيين حتى يجد فيها قرينة جديرة بإسحق.
القدس مدينة اليبوسيين(22)، نعتها سفر القضاة حرفياً بـ«مدينة غريبة». يذهب حزقيال إلى أبعد من ذلك، فهو يتوجه إلى القدس قائلاً: «معدنك ومولدك من أرض الكنعانيين وأبوك أموري وأمك حثّية».
لقد سيطر أجداد الصهاينة على فلسطين بفتح شرق الأردن وغربه. وتحتل لائحة الملوك الذين ضربهم بنو إسرائيل فصلاً كاملاً في الكتاب المقدس. ويعتمد «يفتاح»(23) هذا الحق في مفاوضته مع «بني عمون» ليبرر احتلال اليهود للبلد. وهو، بعدما أظهر أن فتح البلاد المعترض عليها لم يكن على حساب العمونيين مباشرةً، يقول مستطرداً:
«وعندما أقام بنو إسرائيل بحشون وتوابعها (وعروعير وتوابعها) وجميع المدن عند أرنون مدة ثلاث مئة سنة لماذا لم تسترجعوها في تلك المدة» وهي عبارات يمكن للفلسطينيين المعاصرين أن يقدّموها هدية ليتأملها قادة إسرائيل الجدد.
فهل يكون مرور عشرين قرناً من الزمن أقل فاعلية من مرور ثلاث مئة سنة؟ وهل تكون حقوق الصهاينة أكثر ثباتاً بسبب اختفاء سكان فلسطين الأوائل؟ إن مثل هذا الادعاء، إذا ثبتت صحة الواقعة التي يستند إليها، سيكون مخيفاً لأن نتيجته الطبيعية تفضي بأن يكون شأنُ السياسة الصحيحة إبادة المهزوم لتجنّب صحوته المزعجة: إنه تبرير لمذابح الأرمن ويهود روسيا.
■ ■ ■
وسواء أرأت هذه الاحتمالات النور أم لا، فإن التوسعية L’ irrédentisme)) الصهيونية ستكون في تناقض مستمر مع طموحات الدول الأوروبية من جهةٍ، ومع حركة قومية محلية مدعوة إلى نمو واسع من جهةٍ ثانية.
الحركة الإستردادية L’ irrédentisme)) تشبه فعلاً الأجسام الغازية. فهي لا تكتفي باحتلال المكان المعطى لها بكامله بل تتوق إلى مزيدٍ من التوسع. فالارتواء الأول لديها يستثير ارتواءً ثانياً، مثَلُها في ذلك مَثَلُ «أميو» الطيّب(24)، فهي كلما ذاقت اشتهت.
لهذا السبب لم يكن بإمكان معاهدة زوريخ(25) أن تحلّ المسألة الإيطالية نهائياً، ولم يكن بإمكان معاهدة برلين(26) التي وقعت بعدها بعشرين عاماً أن تحلّ مسألة البلقان. وللسبب نفسه، ضمنَت الولايات المتحدة، وحتى قبل أن تنشأ، تخلّي فرنسا عن كندا(27)، وأقدمت- في غياب انضمام هذه المستعمرة إلى الاتحاد (الأميركي) حتى الآن، رغم أن الدستور الأميركي قد لحظ ذلك في مادةٍ من مواده- على التهام فلوريدا والتكساس وكاليفورنيا والمكسيك الجديد، والاسكا، كما توقع «دارندا»(28) حين وقع باس ملك إسبانيا معاهدة 1783.
ويترتب على الدول الأوروبية، كي تبقي الدولة الجديدة داخل الحدود المرسومة لها، أن تحارب باستمرار الميول التوسعية الصادرة عن المبدأ الصهيوني ذاته. وستتكرر من جديد المسألة البلقانية.
في البداية، سيلعب مرفأ العقبة، الذي لم يتمكن الصليبيون من الاستغناء عنه، دور «صالونيكا» وسيشدد إليه الدولة الجديدة بقوة لا يمكن مقاومتها، لا سيما أنها حصيلة حاجات إقتصادية وتطلعات قومية. فالعقبة ليست الباب الذي يقود إلى المحيط، عبر البحر الأحمر، فحسب، بل هي أيضاً «عصيون جابر» القديمة التي كانت تؤوي أسطول سليمان.
ولنلاحظ أن المنظمات الصهيونية لا تكتفي، منذ الآن، باستعمار فلسطين فحسب، بل هي تدخل سوريا وشبه جزيرة سيناء في إطار مشاريعها. ففي عام 1902، طالب تيودور هرتزل من الباب العالي، إضافة إلى فلسطين، ببعض المناطق المحيطة بها، تلك المناطق التي تشكل وإياها، كما يقول، كلاً موحداً.
ولا يفوّت الصهاينة مناسبةً لإعلان شبه جزيرة سيناء جزءاً لا يتجزأ من فلسطين. كما أن هيئة ممثليهم، التي اجتمعت في برلين عام 1901، دعتهم إلى الاهتمام بالبلدان المجاورة لفلسطين وخصوصاً بشبه الجزيرة تلك.
هذا وسيكون الصراع ضد التوسعية L’ irrédentisme)) الصهيونية صعباً وغير خالٍ من المفاجآت. وستكون للدولة الجديدة سياسة انتهازية لا تختلف عن سياس سائر الدول.
وقد أعطانا مؤسسو الصهيونية عن ذلك فكرة من خلال المواقف التي اتخذوها تباعاً من السلطان عبد الحميد والإمبراطور غليوم عندما كانوا ينتظرون منهما تحقيق أهدافهم: فالإستقبال الحافل الذي أعدّه الصهاينة على أبواب القدس للإمبراطور غليوم عام 1898(29) ما كان ليجري لقورش(30) نفسه.
وكاد الحاخام الأكبر أن يفتح أمامه الكتاب المقدس كما فعل جواديا في الماضي(31) أمام الإسكندر، وأن يحرّف دانيال وملاخي ليستنبط منهما نبوءة ما تشير إلى وريث آل هوهنزلون وتعده بأمبراطورية العالم. وفي جميع الأحوال، بلغت حفاوة هذا الإستقبال حداً جعل محرر الرسالة عن الرحلة الأمبراطورية يتساءل عما إذا كان الصهاينة يظنون أنهم في ذلك يستقبلون الإمبراطور غليوم أم المسيح المنتظر؟
وبعد، فنحن لا نعيب عليهم هذه التصرفات، فهي قائمة في الطبيعة الإنسانية. ولكن، أوليس مسموحاً التشديد على هذه الأحداث واستخلاص العبرة منها؟
أولاً تجازف إنكلترا، التي هي بعيدة عن أن تكون أول دولة يهودية لجهة عدد مواطنيها أو رعاياها، أن تجني في فلسطين ما جنته في أماكن أخرى؟ ليست الصداقة وعرفان الجميل أكثر خلوداً في الحياة الدولية مما في الحياة الخاصة، ولا يختلفان على ضفاف الأردن عما هما على ضفاف الدانوب، وقد لا تكون حملات لورد شافتسبوري(32) أوفر حظاً من حملات الشيخ الكبير(33).
ثمة اعتبار آخر يفرض نفسه هنا ألا وهو الأثر الذي سيكون لليهودية المتمثلة في دولة على الأمور الداخلية للبلدان التي ينتمي عدد من أبنائها إلى العنصر اليهودي. ألا يجعل قيام الدولة الجديدة عملية الإنصهار بين هذا العنصر وعناصر السكان الآخرين أكثر صعوبة؟ أوَلا يشكل لليهود غير الفلسطينيين قطباً تنطلق منه بعض التيارات وترتد إليه أخرى؟ أوَلا يكون مصدراً جديداً للقلق والشغب إلى جانب التيارات الدينية والعرقية المغالية التي تقضّ مضاجع حكامنا؟
■ ■ ■
أما الحركة القومية الحلية، التي ألمحنا إليها، فليست أهدافها أقلّ من إدخال هذا الخزان الضخم من البشر والثروات- ذلك الذي يمتد من البحر المتوسط إلى بلاد فارس ومن جبال طوروس إلى البحر الأحمر- في وحدة سياسية على الشكل الأكثر ملاءمة للظروف.
من المؤكد أن تطلعات قوميي سوريا لن تتحقق في يومٍ واحد: مرّت قرون عدة بين كولا دي رينزي(34) وكافور(35)، لكن العوامل الإثنية والإقتصادية والسياسية أكملت نموّها الطبيعي، خلال هذه الفترة، مدعومة بتكوين البلد الجغرافي. وسيكتب لهذه المنطقة المسيرة ذاتها. ستستفيد من تجارب غيرها وتلهب المراحل، وتتساءل في الوقت المناسب، هل لهلة بلفور حرمة تفوق حرمة هِبَتيْ شارلمان(36) والكونيتسة ماتيلدا(37).
لماذا ترتضي الإمبراطورية الآرامية الجديدة بفلسطين يهودية في حين لم تقبل إسبانيا بأندلس عربية؟ لماذا يكتب مدن حيفا ويافا وغزة التي توازي أهميتها لهذه الإمبراطورية أهمية كاليه(38) (لفرنسا) البقاء في أيادٍ غريبة بعد قيام الوحدة القومية؟ أضف إلى ذلك أنه سبق لتجربة تاريخية عمرها سبعمائة سنة أن أظهرت استحالة تحقيق الحلم اليهودي في فلسطين: فمملكة القدس اللاتينية التي قامت 1099 سرعان ما اندثرت عام 1189 دون أن تعمّر مئة سنة في بلدٍ ليس الذين يبلغون هذه السِنّ من أفراده بالقلّة النادرة.
قد يقال: إن ظروف الدولة اليهودية مختلفة عن ظروف المملكة اللاتينية. غير أن نقطة تشابهٍ رئيسية تطغى على ظروف الأشخاص والأزمنة والأمكنة كلها: فالدولتان تصدران عن تصور واحد ومبدأ واحد، أي عن حركة عاطفية، لا فرق إن كانت أكثر قوة أو أكثر ضعفاً، أكثر تبريراً أو أقلّه، ولا تصدران عن التداخل المنطقي والمنتظم للعوامل الضرورية في تشكيل دولة.
وإذا كانت هذه المملكة لم تنجح في القرون الوسطى في مدّ جذورها في فلسطين، فإن الدولة اليهودية لن تعرف بالأحرى مصيراً أفضل في زمنٍ تضاعفت فيه قوّة التطلعات القومية والمقتضيات الاقتصادية وإلزاميتها، لا سيما أن هذه الدولة لا تستجيب لأية حاجة حقيقية مهما كان رأي تيودور هرتزل الذي صرّح: «الدولة اليهودية حاجة حقيقية للعالم لذا ستنشأ». هذا التصريح يحمل طابع التأكيد القاطع والحاسم.
إنه المرادف الصهيوني للشعار الإيطالي «إيطاليا ستصنع نفسها بنفسها» الذي أطلقه البيمونتي الأنوف. وهو إذا قلّ عنه في إيجازه، فلا يقل في حدّ ذاته. كما أنه لن يقنع الكثير من الناس، رغم ما للكاتب السياسي النمساوي من تأثير، وسيظل هؤلاء يؤكدون، حتى إثبات العكس، أن باستطاعة العالم الذي عاش ألفي سنة بلا دولة يهودية أن يستمرّ في الإستغناء عنها قرابة عشرين قرناً أخرى.
إن حاجة العالم الحقيقية الوحيدة تتمثل، وفق التصور الاجتماعي الحالي، في أن تطبّق التشريعات القومية مبدأ المساواة السياسية والمدنية الكبير على اليهود في كل مكان ليتمكنوا من المشاركة من جهة، بقدر واحد مع سائرين المواطنين، في وظائف الدولة ومكتسباتها، وحتى يتم انصهارهم من جهة أخرى مع سائر مواطني البلدان التي، وكما كان يطالب بذلك نابوليون، لا تتسامح معهم فحسب، بل تحميهم، وتدعوهم- أيضاً- إلى التمتع بكافة الإمتيازات المتعلقة بالوجودين السياسي والمدني.
ذاك ما أدركه هذا المشرع الكبير عندما دعا، عام 1807، ممثلي يهود الأمم كلها إلى مجلس أعلى كبير في باريس (السانهدريم). وعهد إليهم، وفقاً لتعليماته، بمهمة إيجاد انسجام بين شريعة موسى ومتطلبات العالم المعاصر وحاجاته.
كان هدفه إخراج اليهود من واقع سيطرة الدين على الحياة المدنية، كما هو الحال عند المسلمين، وكما هو الحال دائماً، برأيه، في طفولة الأمم.
من السهل، إذاً، أن نقرّ أن هذا الرجل العظيم تصرف كقائد مرتزقة يهمه، قبل، كل شيء، زيادة عدد مؤيديه وذلك من خلال إغداق الوعود حين دعا اليهود، من خلال إعلان يافا الشهير، عام 1798، إلى دعم حملته، واعداً إياهم، كما وعد لاحقاً البولونيين، بانبعاثٍ لن يتحقق لا لهؤلاء ولا لأولئك، بينما تصرّف، بعد عشرة أعوام من ٫لك، كمشرّع بارع يهتم بمصالح الطائفة السياسية، في دعوته إلى مجلس أعلى كبير، وفي التعليمات التي زوّد بها هذا المجلس.
وإذ نأسف لانحراف نابوليون، في تشريعه اللاحق، عن المبادئ التي أعلنها بوضوح وثقة، فلن يكون عديم الجدوى أن نلاحظ أن الطريق التي بدأ يرسمها، عام 1807، هي نفسها التي بدأت تركيا الإسلامية بمحاذاتها، بعد حوالي خمسين عاماً من ذلك، مع شيء من الخجل، بغية افتتاح طريق التقدّم. وهي الطريق نفسها التي تصح بها اللورد كرومر الإنكليزي، حاكم مصر الشهير، العالم الإسلامي عامةً ومصر خصوصاً، والتي ربما استوحاها من السابقة النابوليونية.
هذه هي حاجات العالم الحقيقية. إنه من غير الممكن أن يكون لأحلام الأشعياويين والميخاويين، مهما بلغت من القداسة، وحتى لو دعمتها أكثر الطموحات شرعية، أي فائدة عالمية، وأن تخلق بالتالي حاجة ملحة يكون بدونها كل تشريع جديد، على الصعيدين الدولي والخاص، عديم الجدوى، وبالتالي خطيراً.
أضف إلى ذلك أن الصهاينة لا ينفردون بالتحجج باعتبارات صوفية. فلدى المسيحيين والمسلمين ترسانة كاملة منها، وباستطاعتهم هم أيضاً أن يستجمعوا النصوص وأن يوردوا الشروح وأن يدلوا بالتقاليد.
إن المسلمين عامةً والعرب خاصةً قد يبنى حقهم في فلسطين على حق الفتح وحق الولادة معاً. فهُم، من خلال إسماعيل، سلالة إبراهيم وورثة إيمانه؛ وهم ذريّتُه المميزة، كما يشر إلى ذلك القرآن بشكل قاطع: «ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنفياً مسلماً وما كان من المشركين- إن أوْلى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبيُّ والذين آمنوا ولله وليّ المؤمنين».
فإذا سبق أن وُعدَتْ هذه الأرض لذريّة إبراهيم، فهي تعود إليهم. والقرآن ذاته يبارك فلسطين: فالله يقسم بمواقعها، ويعود إليها النبيّ دائماً في أحاديثه: «من زار بيت المقدس محتسباً أعطاه الله أجْرَ ألف شهيد؛ وحرّم الله لحمه وجسده على النار». و«الحَسَنة في بيت المقدس بألف والسيئة بألف». و«... ومن تصدّق (بيت المقدس) برغيف كان كمن تصدق بجبال الأرض ذهباً».
و«... الطلَل الذي ينزل على البيت المَقْدِس شفاءٌ من كل داء لأنه من الجنّة.» و«إنّ الجنة لتحنّ شوفاً إلى بيتن المقدس...». وبيت المقدس سيدة بقاع الأرض وهي إحدى مدن الجنة الأربع: الثلاث الأخرى خي مكة والمدينة ودمشق.
«أربع مدائن في الدنيا من الجنّة مكّة والمدينة وبين المقدس ودمشق». «من مات في بيت المقدس فكأنما مات في السماء».
«أوصى آدم عليه السلام لما مات بأرض الهند أن يدفن في بين المَقدِس».
«أهل بيت المقْدِس جيران الله وحق على الله أن لا يعذب جيرانه».
«أقرب بقعة في الأرض من السماء البيت المقدس».
«يدخل الدجال الأرض كلها إلا أربعة مساجد وأربع قرى مكّة والمدينة وبيت المقدس وطور سيناء».
«يا روشليم أنت مقدّسة بنوري وفيكِ المحشر والمنشر أزفكّ (أي النبيّ) يوم القيامة كما تزف العروس إلى بعلها».
«ينصب الصراط على جهنم إلى الجنّة بأرض بيت المقدس». والصراط هو هذا الجسر الرهيب الأدق من شعرة والأقطع من حدّ السيف الذي يشكّل اجتيازه الإمتحان النهائي للصالحين والأشرار(39).
يقول لنا المفسرون أن القدس تشير، في كل هذه الأحاديث، إلى فلسطين. لكن بعض المناطق تستأهل ذكراً خاصاً:
بيت لحم، التي أجلّها المسلمون لولادة عيسى فيها، كرّمها النبيُّ بزيارة قام بها لإقامة صلواته برفقة الملاك جبريل. ودفعت هذه الذكرى عمرو (بن العاص)، فاتح مصر، إلى إضاءة سراج دائم فيها من ماله الخاص.
الرملة عزيزة جداً لورود ذكرها في القرآن؛ وعلى الباب اللدّ، سيقتل عيسى بن مريم المسيح الدّجال في نهاية الأزمان. ريثما يتم ذلك، يأتي المسلمون إلى هذه المدينة، الفخور بأسطورة الخُض، ليكرموا فيها قبر عبد الرحمن بن عوف، أحد صحابة النبي.
عسقلان التي أوصى النبيُّ بنفسه بفتحها يقدّسها رأس الحسين، حفيده المفضل، وهي التي تدّعي أنها احتوته في أحد مساجدها.
أريحا هي وقفٌ لقضاة فلسطين الذين يُعتبرون بمثابة لاويّي الإسلام. نابلس وجبالها أحب الأماكن إلى اللخ.
حبرون واسمها الشائع الخليل أي خليل الله (إبراهيم) أقطعها النبيّ بذاته لتميم الداري أحد أفضل صحابته وأكثرهم ولاءً له وهو الذي أصبح لاحقاً والياً على فلسطين. ووثيقة الإقطاع التي أملاها النبيّ مكتوبة بخط (الإمام) علي على صكّ زاد من قدره أنه من نعل الخليفة المقبل.
وتروي ذريّة تميم الداري أن هذا الإقطاع أنكِرَ عليهم وأن أحد القضاة تجرأ فطعن في حصته متذرعاً أنه ليس بإمكان النبيّ أن يعطي ما لا يملك، مقيساً بذلك الأمور المقدسة بالأمور الدنيوية. لكن فتوى للغزالي، أحد كبار أئمة الإسلام، أتت لحسن الحظ لتنصرهم. فقد أفتى الإمام الكبير: «إن النبيّ سيدُ الأرض بكاملها يقطع إقطاعات في الجنة ذاتها، فوعوده حقّة وهباته عادلة ومن يدّعي غير ذلك فهو كافر لعين».
غزّة التي يكرّمها القرآن بإشارة، مثل الرملة، عزيزةٌ على قلب الإسلام لأنها أعطت النور للإمام محمد (بن إدريس) الشافعي، صاحب أحد المذاهب الأربعة في الإسلام. «هنيئاً لمن سكن غزّة».
وفي بُصرى الشام، تنبأ راهبٌ للبنيّ بالرسالة التي ستتخطى كل الآمال، وفيها بني الخليفة عثمان(40) مسجد المبرك تخليداً لذكر هذه النبوءة. وعلى ضفاف الأردن ستقع معركة كبيرة بين الدجّال والمسلمين.
وهنا دلالة معبّرة إلى أن هؤلاء سيكونون على الضفة الغربية(في فلسطين ذاتها)، بينما يكون العدو على الضفة الشرقية. وليس الإسلام أقلّ فخراً بمسجد القدس منه بمسجد مكة: إن مسجد القدس، المعروف بمسجد عمر، كان قد كرمه النبيّ بإسرائه إليه ليلاً إذ تراءى له الله في رحلة إلى السماء السابعة. هذا المسجد موضع إجلالٍ عميق من قبل المسلمين وهم يطلقون عليه سبعة عشر إسماً كما يغدقون عليه النذور. وقد أحصى فيه أحد الرحالة المسيحيين، يوماً، سبعة آلاف سراج ووجد فيه الصليبيون ثروات طائلة.
وإذا كان مسجد مكة يحظى بالكعبة المقدّسة، فإن مسجد القدس يحظى بالصخرة التي لا يعادلها في القداسة مكان آخر. فصخرة بيت المقدس ما زالت تحمل أثرَ قدم النبيّ المقدّس وآثار أيدي الملائكة لما دعّموها حين اهتّزت خشوعاً لرؤياه وكادت أن تفقد توازنها. ومن تحت هذه الصخرة تخرج مياه الأرض كلها ورياحها، وبجانبها تستجاب الصلاة بشكل أكيد، ومن أعلاها سينفخ الملاك إسرافيل في الصور نفير يوم القيامة. صخرة بيت المقدس سيدة الصخور. صخرة بيت المقدس من صخور الجنة.
وفي يوم القيامة ستأتي الكعبة ذاتها، متعلقاً بها جميع من حجّها واعتمرها، لتُزف إلى الصخرة. وتبقى حيازة مسجدَيْ مكة والقدس، في اجتهاد بعض العلماء المسلمين، شرطاً لا بد منه للخلافة الشرعية.
وفي حين لا تذكر أرض فلسطين- التي توازي في قداستها عند المسلمين قداسة الحجاز- باسم «الأرض المقدّسة» في كتب اليهود إلا مرة واحدة، وعلى لسان زكريا حادي عشر الأنبياء الصغار، فإنها لا تعرف، في الأحاديث النبويّة، إلا بهذا الاسم. هذا ولم يحلّها يوماً ملوك إسرائيل مثلما جلّها الخلفاء المسلمون: فالخليفة عمر، الذي اعتادت يداه استخدام الحسام البتّار لا المكنسة الحقيرة، كنّس بيديه ما كان يغطي الأماكن المقدسة من زِبْلٍ، ولم يرَ في صنيعه هذا انتقاصاً من قدر الخلافة وجلالها.
وبعد ذلك بتسعة قرون، رفض من كان سيصبح أول خليفة عثماني(41)- وربما كان قد علم بمأثرة بطل الحملة الصليبية الأولى(42)- لقبَ سيد القدس، واكتفى بلقب «حاميها»، مجاهراً بهذا اللقب بقدر مجاهرته بلقب «سلطان البرّين والبحريْن».
ولم يكن خراب القدس على يد الرومان ذا ألمٍ أكبر من ذاك الذي أحسّه المسلمون عندما دخل الصليبيون المدينة.
يقول مؤرخوهم: «في هذا اليوم كسفت الشمس وغطّى الظلام الأرض وبدَت النجوم في وضح النهار. كان الألم كبيراً في إسماعيل واتشّح البلاط في بغداد بلباس الحداد وفقد المؤمنون حسّ الأشياء وشربوا دموع مآقيهم، في رمضان، خارجين بذلك على الصيام، وأوحى اليأس إلى الشاعر الأبيوردي بزفراتٍ ما عادل جلالها سوى عنفها».
تناولنا مطولاً هذه التفاصيل لكنها بدت لنا ضرورية أو، على الأقل، مفيدة لمساعدة جمهور، غي ملمّ إجمالاً بأمور الإسلام، على تكوين فكرة دقيقة بعض الشيء عن الدور الذي تلعبه فلسطين في الشعور الديني الإسلامي.
أما بشأن المسيحيين، فمن الأكيد أن لا جدوى من عرض رؤيتهم الصوفية حول هذا الموضوع. ولنكتفِ بالقول أن لهذه الرؤية بعداً مزدوجاً: الأول سلبي والثاني إيجابي.
الأول منها يعارض بشكل قاطع إحياء دولة يهودية، وبخاصة في فلسطين، داعماً رأيه بالنصوص والتقاليد: فهو يرينا أن أسلوب تدخل العناية الإلهية ضد مخططات يوليانوس الجاحد(43) «لا يقل سماويةً عن كفر تلك المخططات»، كما يقول الفيلسوف إسحق نيوتن (44). أما البعد الثاني، القائم خصوصاً على تأملات مفعمة بالتقوى وعزّة النفس، فيطالب بتسليم فلسطين إلى أيدٍ مسيحية.
ولم تنجح اللامبالاة الدينية المستمرة منذ قرون عدة في إخماد هذا الشعور. صحيح أنه لم يعد يستنهض حملاتٍ مجيدة كما كان يفعل في القرون الوسطى، لكنه يشكل قاعدة المشروع الذي يقضي بإعطاء فلسطين للبابوية من جهة، ويشكل من جهة أخرى مبرر التوسع الروسي في المنطقة، كما عبّر عن ذلك أحسن تعبير السيد لامي(45): «تطمح بعض السياسات إلى الفتوحات هذه بدافعٍ من غريزة النمو، غير أن الحماسة الدينية هي التي تثير لدى معظم هذه السياسات الأطماع الإقليمية تغير صورتها وتسبغ عليها صفة قدسية». والقدس، التي هي جاذب التقوى المسيحية الدائم، تؤاسي الإيمان وتجرحه في نفس الوقت.
فمصادفة (الحاج المسيحي) للتركي، في كل مكان جاء يبحث فيه عن آثار الإنسان- الإله، وحراسة جنود أعداء لقبر المسيح، وقيام الديوان على مدخل الحَرَم وفي داخله حيث يستلقي عليه المسلمون وينامون ويدخنون ويقومون، كونهم سادة الأمر والنهي الفعليين، بتحديد وقت السجود المتاح للمسيحيين في المكان الذي تألم ومات وقام فيه السيد المسيح، وحتى التسامح نفسه، هذه الهبة الكريمة والعابرة، يحوّل العبادة المسيحية إلى رهينة صَدَقة من الإسلام، كل هذه الأشياء تجعل الصلاة محفوفة بالفضيحة والإهانة.
ذاك ما جعل الشعب الروسي، وهو أكثر الشعوب حماسة للأماكن المقدسة، أكثرهم شعوراً بالألم، ظمأ حبّه مستعر ولا تلامس فيه لترويه، كالمصلوب، إلا اسفنجة الخل... إذ ذاك يتبدّى الفتح عملاً تطهيرياً (من الدنس) ويدرك بداهةً أبسط الناس ضرورة أن تكون القدس، وهي أكثر ذخائر المسيح جلالاً، للمسيحيين».
تلخص هذه السطور التي تصف الشعور الروسي عواطف المسيحية بأسرها. أبدلوا الصهيونية بالإسلام يزدَدْ، إذاً، حجم الفضيحة ويصبح الإذلال أكثر خزياً.
إن مواجهة مبادئ شريعة حكيمة بطروحات صوفية يعني الوقوع في ذلك الخطأ الجسيم الذي أشار إليه «ماكولاي»(46) في حملته ضد حرمان يهود إنكلترا من بعض الحقوق، والذي يقود، وفقاً لعبارته الجميلة التي توفق بين منطق الرجل المستقيم وإيمان المؤمن، إلى «مناقضة قانون أخلاقي دائم الوضوح بتنبؤات غامضة غالباً ومتعددة التأويلات». مثل هذا الخطأ يقود إلى أسوأ النتائج.
في السياسة، كما في علم الحياة، تخلق الوظيفة العضو: فما هو، أهيراً، الهدف الذي لا يمكن للصهاينة تحقيقه إلا في ظلّ دولة يهودية في فلسطين؟ إذا كان هذا الهدف يقتصر، كما يدّعي شعار قديم تبنّاه أحد الصهاينة، «على أن يكون المرء يهودياً في داره وإنساناً في الخارج»، فما الحاجة إلى الذهاب إلى ضفاف الأردن أو ضفاف لابلاتا؟(47)
مولاي، منذ الآن، ودون أن تبرح الأبيروس (Epire)،
ما الذي يمنعك من أن تضحك من الصبح إلى المساء؟
يطالب «غوردون»(48) «ببلدٍ يشع نوره على جميع الناس بالتساوي» وأن لا يهان فيه المرء بسبب عرقه أو دينه. ويريد أندريه سبير(49) بلداً يحق فيه لليهود «أن يحيوا حياة يهودية، وأن يتمكنوا، دون التعرض للسخرية وللإضطهاد، من إقامة شعائر يهودية واحترام يوم السبت وإقامة مدارس يهودية ومكتبات يهودية والتحدث بلسان يهودي وأن يكون لهم في إدارة بلدهم القدر الذي يتناسب مع أهميتهم العددية ونشاطهم الزمني». فما هو إذاً البلد الأوروبي أو الأميركي الذي يمنع اليهود من هذا الحق؟
هل من شعبٍ لا يستطيع اليهود أن يقولوا له ما قاله ترتوليانوس(50) للرومان في نهاية القرن الثاني: «ولدنا أمس ونملأ اليوم إمبراطوريتكم بأسرها. المدن والجزر والحصون والمجالس والمخيمات نفسها والإسطبلات والقصر ومجلس الشيوخ والساحة العامة: لا نترك لكم سوى المعابد».
بإمكاننا الاستفاضة في هذه الملاحظات لو أن ما نسعى إلى إنكاره هو مبدأ الدولة اليهودية. لكن هدفنا هو دون ذلك، فإطار بحثنا هو في اختيار فلسطين قاعدة إقليمية للدولة المقبلة. أما والحال هذه، فلو بُرهن بأكثر الحجج قطعاً أن هذه الدولة تستجيب لحاجات فعلية للعالم أو لليهودية، فإنه يبقى ثابتاً، انطلاقاً من مبادئ أعلناها في العدالة والأخلاق والسياسة القويمة، أن فلسطين البلد الوحيد دون سواه الذي يجب ألا يخطر على البال إقامة دولة يهودية فيها، وأن مثل هذا المشروع، فيما يتعلق بفلسطين على الأقل، «سيء الإلهام، رجعي، غير ممكن، بل إنه خطر كما أعلن ذلك عام 1900 الجويش كرونيكل (Jewish Chronicle)».
لا نعتقد بأن مستقبل إسرائيل هو في إقامة دولة يهودية في فلسطين أو في أي مكان آخر. قد يكون الإنعزال في ركن من أركان العالم الجديد أو القديم، وسط فلاحين أفظاظ وبدوٍ غير متسرولين جيداً لليدي ستانهوب(51) المعروفة بأطوارها الشاذة، لكنه يعني لإسرائيل الإنحطاط، إنه تخلٍ عن سيادة فعلية تمتد منم التايمس إلى البوتوماك للهبوط إلى درك أمثال جوزيف سميث (52) ومورمونه(53). على إسرائيل أن تعتب، بعدما أعطت لمدينة القياصرة ولعاصمة المسيحية كبير قضاتها(54) أن النبوءات قد تحققت كلها(55):
«فقد حملت مفاتيح روما! يا لهذا الإنتقام من التيتوسيين والأدريانوسيين! وأيّ كابوس هذا للفرديناندوسيين والإيليزابيلات في سباتهم العميق! وإذا لم يهتز قوس تيتوس وقبّة القديس بطرس، في ذاك اليوم، فلأن لأسسهما قوّة جبال القشتالة والأراغون... وإذا كانت إسرائيل تتوق، بعد ذلك، إلى إعطاء فلسطين حاكماً تابعاً لهذه الدولة أو تلك فهذا يعني... التوق إلى الإنحدار بعد بلوغ القمّة.
غير أن أتباع تيودور هرتزل يبقون أحراراً في اعتماد رأي مخالف ومحاولة تحقيقه. وأكثر ما نحشى هو أن تكلفهم هذه التجربة ما كلف أجدادهم النظام الملكي الذي شاقهم أن يقيموه لأنفسهم رغم كل النصائح التي أعطاها لهم آخر قضاة إسرائيل(56)، تلك التي كانت- ربما-مغرضة لكنها الحكيمة والبصيرة بشكل مؤكد.
لكننا سنتابع حركتهم بتعاطف كبير بسبب قرابتنا العرقية، وباهتمام كبير يعود إلى فضولنا لمعرفة مصير هذه «الدولة اليهودية» التي يعتبرها رينان في تاريخه لشعب إسرائيل «مخالفة للطبيعة». النقطة الوحيدة التي يعارضها الفلسطينيون هي اتخاذ بلدهم ميداناً للتجربة.
وهم- كما يقولون- لا يريدون إقفال أبواب فلسطين بوجه أبناء عمّهم اليهود. بعيداً عن ذلك، سيتقبلون في الأحضان كل من يأتيهم كضيف. ضيافتنا- مضرب المثل- تغنيهم عن أية ضمانات في القانون العام. سنقوم بأكثر من إرشادهم على الطرقات ومن مدهم بالنار والماء الذين أشار إليهما يوسيفوس. سيكونون، كما قال الشاعر، هم أصحاب المنزل ونحن الضيوف.
وإذا رغب آخرون في الإقامة نهائياً بيننا ومشاطرتنا حياتنا السياسة والمدنية ومشاركتنا الأعباء ذاتها والتمتع بالمنافع نفسها، ضمن شروط تلغي كل خلفية سياسية، ونكون نحن القيمين الوحيدين على تحديدها، فسيجدون الترحيب العطوف والحماسي ذاته.
ولن يكون للموارد المعنوية والمادية التي سيجلبونها معهم سوى فعل تسريع لنهضة البلد الذي كان- كما أجاد في ملاحظة ذلك مؤلّف إنكليزي «مهداً لكل ما يكوّن كرامة الجنس البشري وسعادته، مهد شرائعنا وديننا وحضارتنا». ويضيف الفلسطينيون: أما الذين نوصد دونهم الأبواب ونقيم بوجههم المتارس، فهم الرسل اليشوعيين الجدد الذين يستكشفون البلد لينزعوه منا. إنهم الزنابير المعاصرون الذين ينطلقون ضدنا ليطردونا تدريجياً من إرث آبائنا.
هؤلاء قد يقعون على ياعيلات(57) حيث يتوقعون راحبات(58). إننا لا نقول ذلك بنبرة التهديد بل بإخلاص الصديق الواعي.
■ ■ ■
هنيئاً لليوم الذي تستطيع فيه فلسطين، بعد أن تكون قد تحررت من خوف هؤلاء الزنابير، وآوت شعباً موحداً عاملاً ذكياً، أن تزين رايتها بخلية نحل مرفقة بشعار «الكل يعمل» كتلك التي تعتمدها مدينة «ألبوف» الصغيرة والتي كانت، في مطلع القرن الماضي، تدهش بنشاطها الكبير نابوليون.
هذا الشعار سيناسب أرض اللبن والعسل أكثر مما تناسبها نجوم تيودور هرتزل المذهبة.
الهوامش (تم تخفيفها بما يتناسب مع النشر)
1- ستيفن بيشون (Stephen Pichon) (1933-1857): إنه وزير خارجية فرنسا (من تشرين الثاني 1917 إلى كانون الأول 1920) وأحد موقعي معاهدة فرساي. يقول التصريح: «باريس، في 9 شباط 1918 لقد استقبل السيد بينشون هذا الصباح السيد سوكولوف ممثل المنظمات الصهيونية. وأكد له بسرور أن الاتفاق كامل بين الحكومتين الفرنسية والإنكليزية في ما يتعلق باستيطان يهودي (establissement juif) في فلسطين».
2- لقد قدّم الوفد الصهيوني إلى المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح في باريس في 3 شباط 1919 مذكرة خطية حوال مطالبه، ومن ثم مثل أمام لجنة العَشر في 27 شباط في 1919. ولقد تم هذا في الوقت الذي لم يسمح فيه للأمير فيصل بالمثول أمام المؤتمر إلا بصفته ممثلاً لوالده الشريف حسين ملك الحجاز في 6 شباط 1919. والجدير بالذكر أن الصهاينة طالبوا في مذكرتهم بتحديد الحدود الشمالية لفلسطين من نقطة تقع في جنوب مدينة صيدا.
3- تيودور هرتزل: كاتب يهودي هنغاري ولد في بودابست سنة 1860 من أبٍ سفردي. عمل في الصحافة حيث شغل منصب مراسل في باريس لأهم صحيفة نمساوية تصدر في فيننا. وفي محاولته لوضع «جواب حديث للمعضلة اليهودية » كتب كتابه الشهير «الدولة اليهودية» سنة 1896. لكن أهمية هرتزل ليست نابعة مما كتب بقدر ما هي نابعة مما فعل، ذلك أنه مؤسس الحركة الصهيونية ومنظمها. فقد دعا سنة 1897 إلى انعقاد مؤتمر بازل الذي انبثقت عنه المنظمة الصهيونية العالمية التي انتخبته رئيساً لها.
4- ليون بينسكر (Leon Pinsker) (1891-1821): طبيب يهودي روسي من أوديسا تحول داعية للقومية اليهودية بسبب المذابح ضد اليهود في روسيا سنة 1881. وقد صدر له سنة 1882 كتابه الشهير «التحرر الذاتي» الذي يعد أقوى الكتابات الصهيونية الأولى والأعمق أُثراً. في هذا الكتاب يدعو ينسكر إلى إقامة موطن يهودي (Foyer juif) في فلسطين أو في أي مكان آخر في العالم. سنة 1884، نظم بينسكرالمؤتمر الأول لمنظمات عشاق صهيون (Chovevei Sion) في مدينة كاتويتز. في السنوات التي تلت، ظل نشاط هذه المنظمة ضعيفاً ومن ثم التحقت بتنظيم تيودر هرتزل لدى تأسيسه حيث شكّل أعضاؤها 90 في المئة من المؤتمرين في مؤتمر بازل سنة 1897.
5- عقد هذا المؤتمر في 28 آب 1897 بفضل نشاط هرتزل وحضره 197 مندوباً يمثلون مختلف الجمعيات الصهيونية الموجودة في العالم. ٪90 من المندوبين كانوا أعضاءً في حركة عشاق صهيون. أبرز مقررات المؤتمر كان القرار الآتي: «خلق موطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام». كان هذا القرار يهدف في ذهن المؤتمرين إلى جعل فلسطين في وضع شبيه بمتصرفية جبل لبنان آنذاك أي ذات استقلال ذاتي تحت سلطة السلطات وضمانة الدول الكبرى.
6- في 23 نيسان عام 1903، حظي هرتزل مجدداً بمقابلة تشمبرلين الذي كان عائداً لتوّه من رحلةٍ إلى جنوب أفريقيا مروراً بمصر وشرق إفريقيا فقال له الأخير: «لقد وجدت في أثناء رحلتي قطعة أرض مناسبة لك في أوغنده»... غير أن الأرض الذي كان يفكر فيها تشمبرلين لم تكن في الواقع جزءاً من أوغندة وإنما كانت هضبة غوس نغيشو، الواقعة ضمن المرتفعات الغربية لكينيا والممتدة من الساحل الجنوبي لبحيرة رودولف حتى حدود تنزانيا وتبلغ مساجتها حوالي 9.6 ألف كيلومتر مربع. وقد ظل هذا المشروع يعرف خطأ حتى الآن بمشروع أوعنده.
7- آل سافوا (Savoie): هي العائلة المالكة التي حققت الوحدة الإيطالية.
8- السياسة المستخرجة من الكتاب المقدس (Polique tirée de l’écriture sainte). مؤلف هذا الكتاب هو رجل الدين والخطيب والسياسي والكاتب الفرنسي بوسويه (Bossuet) (1704-1627) إثر تعيينه ستة 1670 مربياً لإبن الملك لويس الرابع عشر. والكتاب، كما يُستدل من عنوانه، يهدف إلى استنباط فن الحكم من كلام الله وأفعاله في الكتب المقدسة. غير أنه غاب عن بوسويه في كتابه هذا أن يأتي على ذكر هذا الأسلوب الماكر المعتمد من الله في سفر الخروج الفصل 23 ما أتاح للشيح الخازني هذه الملاحظة الساخرة.
(!)- (Gentil): لقد أورد الخازن في نصه الفرنسي هذه الكلمة للدلالة على السكان العرب الفلسطينيين. وهذه الكلمة هي المرادف الفرنسي لكلمة (Goyim) العبرية التي يطلقها اليهود على الشعوب غير اليهودية.
9- إرنست رينان (Ernest Renan) (1823-1892): مفكر وكاتب فرنسي بارز.
10- زادوك خان (Zadoc Khan) (1839- 1905): رئيس حاخامي فرنسا من أصل ألساسي: كان مع أدمون دي روتشيلد رئيساً للجنة هدفها إنشاء مستوطنا يهودية في فلسطين.
11- يوسيفيوس هو مؤرخ يهودي شهير عاش في القرن الأول الميلادي. له عدة مؤلفات من بينها «الحرب اليهودية» و«العصور اليهودية القديمة» و«ضد أبيونوس»: والكتاب الأخير هو الاسم الذي أطلقته العامة على كتاب ليوسيفوس بعنوان «قدمية الشعب اليهودي» (Antiquité du people juif). أما أبيونوس فهو نحوي عاش في الإسكندرية في القرن الأول ميلاديّ. لقد انتقد أبيونوس في كتابيه الأخيرين الفكرة الواردة في كتاب «العصور اليهودية القديمة» ليوسيفيوس والقائلة إن الشعب اليهودي هو شعب قديم التكوين كما أنه هاجم قوانين اليهود الدينية وعاداتهم وتقاليدهم. فانبرى يوسيفيوس يجيب عليه في كتابه «ضد أبيونوس» مشدداً على قدمية اليهود ومزايا دينهم وعاداتهم.
12- إسرائيل زانغويل (Israel Zangwill) (1926-1864): كاتب يهودي إنكليزي من أصل روسي معروف في عالم الأدب تحت إسم دينكز (Dickens).
13- «يوجد قضاة في برلين» (Il y a des juges a Berlin) عبارة ذهبت معرض المثل في اللغة الفرنسية وترمز على تفوق الحق على القوّة. وهي مقتبسة من رواية «طحان سان-سوسي» 1797. «Le meunier de sans-souci» للكاتب الفرنسي فرانسوا أندريو.
14- في عام إصدار كتاب الخازن كانت الثورة الإيرلندية في أوّج اشتعالها مطالبة في استقلال الجزيرة عن بريطانيا. وفي مقاطعة الأولستر الواقعة في شمال الجزيرة كانت تجري مواجهة واسعة بين الكاثوليك الإيرلنديين وبين البروتستانت المتحدرين من أصل إنكليزي. ومن المعلوم أن هذه المقاطعة جرى تقسيمها إلى جزئين في المعاهدة الإنكليزية- الإيرلندية المعقودة في كانون الأول 1921 ثلاثة من أقضيتها ضمت إلى جمهورية إيرلندا والأقضية الستة الباقية شكلت إيرلندا الشمالية التابعة للملكة المتحدة.
15- سكان الأولستر (Ulster): يقصد الخازن هنا سكان الأولستر البروتستانت المتحدرين من أصل إنكليزي الذين يشكلون حتى يومنا هذا العقبة الكأداء أمام توحيد الجزيرة الإيرلندية.
16- أحآب (Achab): إنه الملك السابع لمملكة إسرائيل (853-874) تزوج من إيزابل ابنة ملك صور وصيدون. وتروي التوراة أن أحآب أراد يوماً أن يشتري كرماً ملاصقاً لأرض له يملكه نابوت اليزرعيلي، فأبى هذا الأخير قائلاً أنه لا يبيع ميراث آبائه. فأوعزت إذ ذاك إيزابل إلى زوجها بأن يأتي بشاهدين يتهمان زوراً نابوت بأنه جدف على الله والملك، فيحكم عليه فوراً بالإعدام ويرجم ويصبح الكرم بعد موته من نصيب الملك. فانقاد أحآب إلى نصيحة زوجته ونفد ما أوعزت به. ومن اللافت أن حلّ «الملك أحآب» الذي اعتبره الشيخ الخازن الحل الأكثر بربرية ووليد عصور غابرة عفى عليها الزمن. هو الحل الذي اعتمده الصهاينة عام 1948 على حساب حلّ إسرائيل زانغويل بحيث استولوا بالقوة على فلسطين وأملاك الفلسطينيين بالمجان بعد طرد هؤلاء من بلادهم.
17- عتليا (Athalie): هي ابنة أحآب وإيزابل وزوجة يورام ملك يهوذا. اقتبس الكاتب المسرحي الفرنسي جان راسين (Jean Racine) من سيرة حياتها موضوعاً لمسرحية تحمل اسمها سنة 1691.
18- تقول التوارة أن ياهو بن يوشافاط أمر بقذفها من النافذة فداستها حوافز الخيل وأكلت جثتها الكلاب كما تنبأ بذلك النبي إيليا.
Irrédentisme: تشتق هذه الكلمة من كلمة irrédentismo الإيطالية التي تعني «غير المستردة» و«غير المحررة». وهذا الاسم أطلق على الحركة الإيطالية التي قامت بعد الوحدة بالمطالبة بتحرير وضم المقاطعات الإيطالية التي ما زالت تحت نير أجنبي. («Italia Irredenta»). ومع مرور الزمن شاع استعمال هذا الاسم فأضحى يطلق على كل مطالبة من حركة قومية بأراضٍ تعتبرها تعود لشعبها ولم تسترجعها بعد وأصبح هذا التعبير مرادفاً لدى علماء السياسة مع النزعات التوسعية الكامنة في طيات الدعوات القومية.
19- يلمح الخازن هنا إلى منشور غير موقع صادر في هذا التاريخ يدعو إلى تكوين مجلس يضم جميع الطوائف والفئات اليهودية ويتخذ من باريس مقراً له ليعمل بالتنسيق مع حكومة الإدارة الفرنسية (directoire) على إعادة بناء وطن يجمع شمل اليهود وينظم حياتهم.
20- سيلفستر الثاني (Silvester !!): اسمه الأصلي جيربير دورياك (Gerbert D’aurillac) (1003-940): كان أول فرنسي يعتلي السدّة البابوية (1003-999).
21- «زالت البيرنية»: عبارة تنسب خطأ إلى الملك لويس الرابع عشر أنه قالها عندما همّ حفيده فيليب الخامس بالرحيل لتبوء عرش إسبانيا سنة 1700. وهي عبارة قالها بالفعل السفير الإسباني محيياً الملك الجديد.
22- اليبوسيين: هم القوم الذين كانوا يقيمون في مدينة يَبوس منذ الألف الثاني قبل الميلاد. ومدينة يَبوس هو الاسم التوراتي لمدينة أورشليم قبل أن يفتحها داوود الملك في بداية الألف الأول قبل الميلاد.
23- يفتاح: إنه يفتاح الجلعادي أحد قضاة إسرائيل.
24- أميو (Amyot): هو جاك أميو (1595-1515)، رجل دين فرنسي لعب دوراً ثقافياً بارزاً في عصر النهضة حيث قام بترجمة مؤلفات عديدة إلى الفرنسية من أهمها مؤلفات المترجم اليوناني بلوتارخس. والجدير بالذكر أن أميو ترجم وعلّق على ما جاء في مؤلف بلوتارخس حول الولائم والطعام في كتاب بعنوان «حوارات حول وليمة».
25- معاهدة زوريخ: كناية عن مجموعة اتفاقات موقعة في 10 تشرين الثاني 1859 على أثر انتصار الفرنسيين والبييمونتيين على النمساويين.
26- معاهدة برلين: أبرمت هذه المعاهدة إثر مؤتمر عقد في برلين بين 13 حزيران و13 تموز 1878 برئاسة المستشار بسمارك لإعادة النظر بمعاهدة سان ستيفانو التي كانت تعطي امتيازات واسعة لروسيا ولشعوب البلقان السلافية (بلغاريا الكبرى).
27- تم ذلك في معاهدة باريس سنة 1763 حيث تخلت فرنسا عن ممتلكاتها في كندا لمصلحة إنكلترا.
28- إنه الكونت دارندا (D’Aranda) (1798-1719): إنه ديبلوماسي ووزير إسباني عاون ملك إسبانيا كارلوس الثالث في سياسته الإصلاحية (إصلاح الإدارة وطرد اليسوعيين) وعين سفيراً لبلاده في فرنسا حيث وقع باسم بلاده معاهدة باريس التي تعترف بموجبها بريطانيا باستقلال الولايات الثلاث عشرة الأميركية (1783).
29- جاءت زيارة الإمبراطور غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا إلى بلاد الشام سنة 18891 تتويجاً لسياسة التقارب الألمانية-العثمانية.
30- قورش الثاني الكبير (558-528 قبل الميلاد): مؤسس الإمبراطورية الفارسية التي استمرت قرنين من الزمن إثر استيلائه على بابل، سمح لليهود المسبيين العودة إلى بلادهم.
31- خلفية هذه الرواية أنّ جواديا (Joaddua) وهو الكاهن الأعظم في أورشليم، رفض مساعدة الإسكندر المقدوني لما وجه إليه هذا الأخير طلباً لمؤازرته أثناء حصاره لمدينة صور، فانتظر الإسكندر سقوط صور وغزة ثم مشى إليه بجيشه فهّب الذعر والهلع في صفوف اليهود معتقدين أن الإسكندر سيعمل السيف في مدينتهم عقاباً على موقفهم المتريث. ففتحت المدينة أبوابها ولبست أجمل حللها وانتظر جواديا الإسكندر على أبواب المدينة. ويروى أن الاسكندر سلك مسلكاً غريباً فانحنى أمام هذا الأخير وقال له أنه رآه في حلمه يبشره بالنصر قبل مغادرته مقدونيا؛ فأخذ جواديا إذ ذاك يتزلّف للإسكندر ويصوّره على أنه النبيّ المنتظر قائلاً له أنه لا يستغرب هذه الرؤى ذلك أن «أنبياءنا يعرفونك قبل مولدك وبشروا بقدومك«».
32- لورد شافتسبوري (Lord Shaftesbury): هو أنطوني أشلي كوبر (Anthony Ashley cooper) كونت شافتسبوري السابع (1885-1801). من أهم ممثلي الصهيونية المسيحية في بريطانيا القرن التاسع عشر، هذا التيار الداعي إلى عودة اليهود وإنشاء دولة يهودية في فلسطين انطلاقاً من التفسير الحرفي للنبوءات الواردة في التوارة. وكان شافتسبوري من أبرز أعضاء جمعية لندن لتعزيز المسيحية بين اليهود التي أنشئت عام 1807 (London Society for promoting Christianity among the Jews).
33- حملات الشيخ الكبير) (Great old man هو اللقب الذي أطلق على ويليام غلاسكتون (William Gladstone) رجل الدولة البريطاني (1898-1809) زعيم حزب الأحرار ورئيس الوزراء لمراتٍ عدّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أما بالنسبة إلى حملاته فالشيخ يوسف الخازن يلمح هنا إلى الحملات الدعائية الواسعة (بيعت عشرة آلاف نسخة من بيانه في يومٍ واحد) التي قام بها غلادستون ضد الدولة العثمانية إثر المجازر التي ارتكبها جندها ضد الشعب البلغاري سنة 1876.
34- كولا دي رينزي (Cola de Rienzi) (1345-1313) ولد في روما من أب صاحب حانة في المدينة. كان حلمة الكبير إنشاء جمهورية تجمع الدول الإيطالية فيعيد بها إلى روما مجدّها الغابر غير أنه وقع ضحية غروره واستبداده. فبعد ثورةٍ عليه أدت به إلى فراره من روما ولجوئه إلى مدينة براغ حيث اعتقله الإمبراطور شارل الرابع الأكثر من سنة ثم سلّمه إلى البابا كليمنس السادس في أفينيون الذي سجنه بدوره رغم مناشدات الشاعر بيتراركه (Petrarque) بالعفو عنه. البابا الجديد أينوقنتيوس السادس أطلق سراحه وبعثه إلى روما لمحاربة النبلاء حيث عيّن مجدداً ديكتاتوراً على المدينة غير أن ثورة ثانية نشبت ضده بقيادة النبلاء أدت إلى اعتقاله وإعدامه.
35- كافور (Cavour) (1861-1810): رجل دولة من الطراز الفريد. عينه ملك بييمون وسردينيا فيكتور عمانوئيل في 4 تشرين الثاني 1852 رئيساً للوزراء فقاد بحنكة ودهاء للسياسة التي أدت للوحدة الإيطالية.
36- شارلمان (Charlemagne) أو شارل الأول الكبير (814-742) ملك الفرنج ومؤسس السلالة الكارولية. وتفاصيل هبته أن هذا الملك أقدم سنة 774 إثر انتظاره على ملك اللومبارد، على توكيد هبة والده وتوسيعها لمصلحة الباباوية وهي كناية عن مقاطعات شاسعة في وسط إيطاليا كونت فيما بعد دولة الكنيسة وشكلت هذه الدولة مع النمسا في القرن التاسع عشر العقبة الكأداء أمام إتمام الوحدة الإيطالية ولم يتم القضاء عليها إلا سنة 1870 أي بعد ألف ومئة سنة من تاريخ إغداق الهبة.
37- الكونتيسة ماتيلدا (Mathilde) (1046-1115) هي ماتيلدا دي براي (Briey) ماركيزة توسكانا. أما المشاكل التي تعود إلى هبتها فمردها إلى أنها أقدمت على الإيصاء بجميع ممتلكاتها (توسكانا- جزء من لومبارديا...) إلى الباباوية سنة 1080 ومن ثم أكدت هذه الوصية سنة 1102 ثم عادت ووقعت على وصية مشابهة لصالح الإمبراطور الجرماني هنري الخامس إثر مصالحتها معه سنة 1111. وهذا فتح سجالاً وصراعاً لا ينتهي بين الباباوية والأباطرة الجرمانيين حول ممتلكات هذه الكونتيسة.
38- كاليه (Calais) هي مدينة فرنسية على المانش، هي أقرب نقطة فرنسية من الجزيرة البريطانية. استولى عليها الإنكليز سنة 1347 بعد مقاومة عنيفة واستمرت في حوزتهم حتى 1558 وكانت بمثابة خنجر إنكليزي في خاصرة فرنسا.
39- جميع هذه الأحاديث الواردة أعلاه يضمها كتاب «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل» لمجبر الدين الحنبلي.
40- الخليفة عثمان بن عفان: هو الخليفة عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين (656-644 ميلادية).
41- أولى خليفة عثماني: إنه السلطان سليم الأول العثماني. نودي به خليفة بعد أن تخطى له الخليفة العباسي عن هذا اللقب لدى دخوله القاهرة فاتحاً سنة 1517
42- بطل الحملة الصليبية الأولى: هو غودفروا دي بويون (Godefroy de bouillon) دوق اللورين وأحد قادة الحملة الصليبية عندنا نودي به ملكاً على القدس سنة 1099، رفض هذا اللقب وفضل عليه لقب «حامي القبر المقدس» قائلاً أنه لن يعتمر تاجاً في المكان الذي وضع فيه على رأس السيد المسيح إكليل من الشوك.
43- يوليانوس الجاحد (Julien l’Apostat) (363-331 ميلادية) إمبراطور روماني من سنة 361 إلى سنة 363 حاول إعادة إحياء الديانة الوثنية لكن محاولته انتهت مع موته. كان ذا شخصية جذابة وثقافة رفيعة.
44- إسحق نيوتن (Ishak Newton) (1713-1642): مفكر وعالم إنكليزي شهير في الفيزياء والرياضات والفلك. أما ما يقصده الشيخ يوسف الخازن في هذا المقطع فهو أن المسيحية تأبى، كمبدأ ثابت، العودة بالتاريخ إلى الوراء، إلى ما قبل إنتصار المسيحية وهي ترى في هذه العودة نوعاً من الكفر. وما محاولة إحياء دولة يهودية في فلسطين إلا مشروع من هذا الصنف شأنه في ذاك شأن يوليانوس الجاحد في محاولته إعادة إحياء الوثنية في الإمبراطورية الرومانية بعد أن قضى عليها الإمبراطور قسطنطين الأول سنة 313 ميلادية.
45- إتيان لامي (Etienne Marie Victor Lamy) (1919-1845): سياسي كاثوليكي الميول، كان عضواً في البرلمان الفرنسي (1881-1876) ثم أصبح مديراً لمجلة «المراسل».
46- توماس ماكولاي (Thomas Macaulay) (1859-1800) مؤرخ ورجل سياسة بريطاني
47- ريو دي لابلاتا (Rio de la Plata) هو نهر في الأرجنتين مكوّن من اجتماع نهري بارانا والأوروغواي.
48- دافيد غوردون (Gordon) (1886-1826) هاجر من روسيا إلى فلسطين وهو في الثامنة والأربعين من عمره وقد كان متأثراً باشتراكية ليون تولستوي.
49- اندريه سبير (Andre Spire) (1966-1868) كاتب يهودي فرنسي يعد في فرنسا من رواد الأدب اليهودي الجديد وله دواوين من الشعر الحر.
50- ترتوليانوس (Tertullien): ولد في قرطاجة سنة 155 ميلادية، لاهوتي ومدافع عن العقيدة المسيحية. له أكثر من 40 مؤلفاً في هذا الموضوع. ويعد رائد الأدب اللاهوتي اللاتيني، ويعتبر الأب الروحي للقديس أغوسطينوس.
51- إنها هاستر ستانهوب (Hester Stanhope) (1776-1839) ابنة أخ الوزير الإنكليزي بيت الثاني (Pitt). ولدت في لندن، جاءت إلى الشرق وأقامت في صحراء تدمر ثم في بلدة جون- الشوف (جبل لبنان). لقد حاولت أن تلعب دوراً سياسياً فأقامت علاقات مع كبار زمانها، لا سيما مع الأمير بشير الشهابي وإبراهيم باشا المصري.
52- جوزيف سميث (Joseph Smith) (1805-1844): مؤسس طائفة المورمون الدينية في الولايات المتحدة الأميركية.
53- المورمون (Mormones): واسمهم الكامل «كنيسة يسوع المسيح لقدّيسي اليوم الأخير». طائفة دينية تمتلك تنظيماً هرمياً متيناً وتمارس تعدد الزوجات. موقعها الأساسي في ولاية اليوتا، حيث أسست مدينة سالت لاك سيتي.
54- يقصد الخازني هذا مار بطرس الذي يعتبر أول بابا على روما.
55- تتلاقى هذه النظرة مع نظرة الكنيسة الكاثوليكية التي تنشر الفقرات التوراتية المتنبئة بمستقبل مشرق لإسرائيل على أنها تنطبق على «إسرائيل الجديدة» أي الكنيسة المسيحية التي هي إسرائيل «الحقّة» والوريث المباشر للدولة العبرية. هذا التفسير الكنسي المعتمد وضع أسسه القديس أغوسطينوس في كتابه (De Civitate Dei) في القرن الخامس ميلادي.
56- قاضي إسرائيل الأخير هو القاضي صموئيل الافرائيمي.
57- ياعيلات جمع ياعيل وياعيل هي إحدى بطلات الشعب العبراني. يروي عنها سفر القضاة أن سيسرا قائد جيش يابين ملك كنعان التجأ إلى خيمتها في أثناء فراره من أمام باراق زعيم الإسرائيليين فتظاهرت له بالترحاب وأطعمته وخبأته وعندما غلبه النعاس غرست وتداً في صدعه فقتل.
58- راحبات جمع راحب هي المرأة الكنعانية التي استقبلت وخبأت في منزلها بحسب التوراة الرسوليين اللذين بعثهما يشوع بن نون للتجسس على مدينة أريحا. وقد كوفئت بأن منحها العبرانيون الأمان هي وذويها لما أعملوا السيف في كل شيء حيّ في مدينتها من رجل وامرأة وطفل وشيخ وبقر وغنم وحمير.

