ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

مخالب الملح *

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

تحرّكت هامات الشّباب على قارعة الطّريق الرّئيسي، وضجّ المكان بزفراتٍ ضدّ الطّغيان تخرج كالرّعد من الحلوق الغضّة.

منيرة جوادي
منيرة جوادي
السبت 22 آذار 2025
جداريَّة مجهولة المؤلِّف من بلدٍ عربي (لم نشأ تحديدَه تعميماً لظاهرة القمع عربيّاً)
جداريَّة مجهولة المؤلِّف من بلدٍ عربي (لم نشأ تحديدَه تعميماً لظاهرة القمع عربيّاً)
الخط


تحرّكت هامات الشّباب على قارعة الطّريق الرّئيسي، وضجّ المكان بزفراتٍ ضدّ الطّغيان تخرج كالرّعد من الحلوق الغضّة.

الكلّ ينادي بحقّ الوطن في خيراته.
مصادفة، لم يكن حسن بينهم. اتّفق أوّل يوم للحراك الشّعبي العام مع مخاض زوجته. لم يستطع مغادرة المستشفى. نظر إلى وجه مريم المتعب، وقد شقّ صراخها الموجع قلبه رغم صلابته، وقال:

— رغم تمزّقي بينك وبين الحشود التي تثور الآن في قلب العاصمة إلا أنّني سعيد. سيولد ابني يوم أَلْقى الشّعب أوّل بذرة صادقة للتّحرّر من مكائد اللصوص.
كانت السماء تُمسك في حضنها الشّاسع سحباً حُرّة بلّلت الطريق والهواء، وأزاحت الغبار عن الصدور. تاه حسن مع حركة السّيل المنهمر، بعد أن غادر إلى الشّرفةِ، ولم يخرج من خياله المبهم إلا على صوت الممرّضة التي جاءت تحمل له بُشرَى خلاص زوجته.
احتضن ولده، ثمّ انحنى، وقبّل مريم على جبينها، وفي غمرة الفرح قال وهو يتأمّل الملامح الصّغيرة:

— سأسمّيه مُريداً. أومأت له بعينيها في دعةٍ، فابتسم، ثمّ وضعه على صدرها، وغادرها إلى الميدان.
بلغ قلب المدينة فوجد الشّوارع تغصّ بالحشود. اعتلى كرسيّاً كان ينتظره منذ الصّباح، ثمّ قال عبر مصدح لا سِلْكيّ:

— أيّها الأحرار، اقتداءً بالجدود الذين دفعوا دماءهم ثمن استقلالٍ ظنّوا أنّه حقيقة، نعتزم اليوم بدء الحراك الحرّ ضدّ بائع الوطن وبقايا مستعمرنا القديم. لقد مدّد اتفاقية الملح من جديد، فعبّدَ الطريق مرّة أخرى للمحتل.
وضَجّ الفضاء بأصوات الثّائرين وهم يرددون:

— الأرض أرضنا والملح ملحنا. العبيد لا يحكمون الأحرار. العبيد لا يحكمون الأحرار.
ومضت الأجساد المعبّأة بالغضب تدُكُّ الطّريق الطّويل، وتجْرشُ السّخط فوق الإسفلت المخلوط بالمطر والوَحلِ، وأرعدت السّماء حينها، وأرسلت بُرُوقَها كأعمدة من نار، فاهتزّت القلوب مع ذاك الصّليل المرعب، وقد زادها دَويُّ الكونِ قوّة وتحدٍ، ومضوْا في هتافاتهم الصّاخبة إلى أن اختلط دويّ السّماء بدويّ الخراطيش.

■ ■ ■

نظرت مريم إلى يمينها، وابتسمت عندما رأت ابنها بين يديْ زوجها مرّة أخرى، ثم قالت:
— جميل أن تكون هنا. محتاجة إليك كثيراً، ولا يمكنني السيّر في هذا الكون من دونك.
ابتسم، وتقدّم نحوها، ثم وضع يديها بين كفيه، وقال:

— لقد هيّأْتِ لي ولكِ سبيل الخلود.
قالت له بصوت متعب:

— أتمنى أن تبقى معنا. أعرف حبّك للوطن، لكنّني أخشى أن تُختَلسَ منك حُرّيتك على حين غفلة كما تعوّدوا أن يفعلوا.
قال لها وهو يُعيد ابنه إلى حضنه:

— اطمئنّي.
لكنّه صمتَ عندما رنّ هاتفه، ثمّ قال في همس:

— من تذَكّرني الآن وضوضاء المدينة على أشدّها؟
ردّ صوتٌ مغمورٌ بالضّجيج:

— أنا عبّاد، أكَلّمك من هاتف أحد المارّة. الأمر خطير.

— ماذا هناك؟

— لقد تمّ احتجاز مئات المتظاهرين ومن بينهم توفيق وبعض الأصدقاء.
قاطعه قائلاً:

— الأمر مُتوقَّع.

— احمد الله أنّك خرجْتَ من الزّحمة قبل مجيئهم. صوّبوا عصيّهم على كل المعتقلين، ثمّ ملؤوا سيّاراتهم بأجسادهم المتعرّقة. أتركك الآن.
جلست مريم، وقالت في اضطراب شديد:

— حسن، لا تَعُد إليهم.
أمسك بيمينها، وقال بنبرة هادئة:

— لا تخافي.
ثمّ نظر إلى ساعته في قلق بيّن، وقال:

— جدّتي لا تعلم عنكِ شيئاً حتى الآن. يجب أن أذهب. سأعود إليك.
امتطى سيّارته، ومن دون أن يفكّر في الخطر الذي يُمكن أن يحْدق به، عاد إلى الطّريق الرئيسية. كان هدوءاً مقيتاً. حتّى القطط والكلاب لا أثر لها، لا شيء سوى سماء سوداء وأرض مبتلّة.
عاد أدراجه وهو يُتمْتم:

— أشهد أنّني غريب الأطوار. كأنّما عُدت إلى هذا المكان لأدخل المُعتقل.
ثمّ تذكّر زوجته ووجه ابنه، فابتسم رغم الاضطراب، واتّجه إلى بيته.
التقط أنفه رائحة إطارات سيّارات مُحتَرقة خانقة، وقد رسم المطّاط المُنصهر خرائط فوْضويّة على الإسفلت. كان الشّارع خالياً تماماً إلّا من نباح كلاب قادمٍ من بعيد، وصوت الأذان يرتفع ليملأ قلبه طمأنينة. ثم صعد الدّرج، وفي لحظات بلغ الرّخامة الرّمادية. لمح علبة سجائر من نوع «كِنْت» وعلم ساعتها أنّ نعيماً يُلَمّح لأمرٍ ما. قال في نفسه، وهو يلتقطها من الأرض: — نعيم هو الوحيد الذي يُدخّن هذه اللفافة الأميركية من بين جميع رفاقي، وهذه العلبة هي شيفرته في الأوقات التي تستوجب الحذر.
وضعها في جيب معطفه، ودخل مسرعاً حيث جدّته، ثمّ سار إلى غرفته.
قال وهو يأخذ ورقة وقلماً:

— أعلم أنّني مطلوب. لن يتركوني أُنغّص عليهم راحتهم.
جلس على حافّة سريره، ونظر إلى الفضاء المُدْلهمّ، وردّد في صمت:

— سأنتظرهم هنا.
عاد إلى الورقة، وقد تذكّر زوجته، فنقش اسمها على يساره، ثمّ كتب:

— أنا مطلوب للعدالة. علمت أنّهم سيقبضون عليّ، لكنّني سأنتظرهم هنا. هذه اللحظات القصيرة من عمر الحريّة أثمن من الجحور التي ستُوفّر لي ملجأً رخيصاً جداً. ربّما لا أعود. ضعي ابننا بين عينيكِ، وحدّثيه عن الملح والأرض ورأس جدّي الذي سقط محفوراً بالنّار.
ثمّ احتضن جدّته بقوّة، وقال:

— سأعود.

— لكنّ الليلَ قريب.

— لا تجزعي. ستعود مريم ومُريد ويلتئم الشّمل.

— لكنّني أخشى الغياب. سمعت ظُهْراً دويّ الخراطيش وهتافاً. يظهر أنّ أمراً جللاً حدث. كنت كالغافية تحت تأثير الدّواء.

— اهدئي الآن، وإن تأخّرتُ سيكون الحاج عبيد في الخدمة.
ثم قبّل رأسها، وخرج. جلس على العتبة، وحاول الاتّصال برفاقه، لكن لا أحد يجيب، حتّى نعيم، فقال في نفسه: — لا بدّ أنّ خطوط الهواتف مراقبة، أو ربّما أُلقي القبض عليه، وبقيتُ وحدي في هذا الظّلام القاتل. سأجلس هنا أنتظر كلاب عماد.

تناهى إلى مسمعه وقع خطوات ونحنحة ولغط متصاعد. ظلّ هناك ثابتاً في مكانه، حتّى أقبل عليه أربعة من رجال الدّرَكِ ومعهم امرأة في مقتبل العمر تظهر عليها معالم الحُسن والقسوة في آن. ترامت الخطوات مسرعة في اتّجاهه، لكنه ظلّ حيث هو.
سحبوه بقوّة، فخرجت الرّؤوس من مخادعها تُراقب حسن المقيّد وهو يُدْفَع داخل عربة البوليس السّوداء. قال في نفسه وقد اكتنفه إطار السيّارة البارد: — ماذا كان سيحدث لو أنني أطعت نداء نعيم؟ ها أنَا ذا محتجزٌ ومقيدّ بسلاسلهم الصّدئة.

نظر إلى وجوه رجال الأمن وقد ارتفع صوت مُنَبِّهِ السيّارة بعد أن أخذت طريقها نحو المجهول، ثمّ طأطأ وهو يحدّث نفسه:

— وعلى أيّ أساس سأُحاكم الآن؟ وسرح مع حركة الإطارات التي كانت تأكل الإسفلت في اتجاه من اتجاهات الأرض الممتدّةِ حتى حلّ الليل داخل العربة.
كان متيقناً أنّه ذاهب إلى زنزانة مُعْتمةٍ، وأنّ حساباً كحساب القبر لشخص سيّئ ينتظره، لكنّه كان يرتقب كلّ ذلك بقلب من حديد. تساءل:

— مَنْ مِن الرّفاق تُراه سبقني؟ ربّما كنت المحتجزَ الوحيد بين هذه الأيادي القذرة.
ثمّ سرح قليلاً، وتذكّر جسد ابنه الصّغير جداً، وصراخ الوجود الأوّل، فبكى رغماً عنه، وصرخ السّؤال الشّقي داخل عقله:

— أيّهما أوْلى بتضحياتي؟ الوطن أم الأُسْرَةُ؟ ابني سيرضع اليُتْم والأوجاع، وزوجتي سيذوي شبابها بين أسوار الشّوق والتّعب وادّعاءات المدينة الباطلة.
نافذة زجاجيّة صغيرة جداً يُطلّ منها وجه الّليل الحالك ليسقط على الوجوه. المطر يضرب سقف العربة بقوّة، ويغرق الأرض كأنّه الفيض. أحسّ بالعطش وبالغرق في آن، وكم تمنى أن يُفتح له شقٌّ في الهيكل الحديدي كي يُبلّل ما أمكن من جسده، ويتنفّس نسيم الحريّة بعيداً من رجال البوليس.

* فصل من رواية بالعنوان نفسه للكاتبة التونسية منيرة جوّادي، حصلت على المرتبة الخامسة لـ «جائزة سليماني العالمية للأدب المقاوم» في دورتها الثالثة. تصدر قريباً في طبعة ثانية عن «دار الولاء» و«دار أسفار» في بيروت، بعد احتراق نسخ الطبعة الأولى إثر استهداف مستودعات «دار الولاء» في ضاحية بيروت الجنوبية بغارة جوية أثناء العدوان الصهيوني الأخير على لبنان.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك