شريعةُ الشوقِ والغياب
دخلتُ المطبخ متأخرةً عن الصحو، أرقتُ ثوب النوم الأبيض الملطخ بوَردٍ ذابلٍ على أرضٍ باردة، وبسرعة أعددتُ لأمي كوباً من الشاي بالحليب، وحضّرت على طريقة محمود درويش طقوس قهوتي: مرّةً، مرّةً، مرّة حتى الغياب!


دخلتُ المطبخ متأخرةً عن الصحو، أرقتُ ثوب النوم الأبيض الملطخ بوَردٍ ذابلٍ على أرضٍ باردة، وبسرعة أعددتُ لأمي كوباً من الشاي بالحليب، وحضّرت على طريقة محمود درويش طقوس قهوتي: مرّةً، مرّةً، مرّة حتى الغياب!
شعري المتهدّل بفوضى يتساقط هنا وهناك بفعل عصبية أصابعي الجافة، أو عنوةً عن وجهٍ نسيت تفاصيله. كان شعري السرير الذي تحبّ التقلب على خصلاته المبعثرة، وعادةً ما يهدل متساقطاً على القُبل والكلام، ليقطع دابر قُبلٍ وصلت أونلاين.
سكبتُ بعض قهوتي على الموقد المستعر كقلبي، شتمتك وضحكتُ بغير مسرّة، استعدتُ رباطة جأش الذكريات وعدت إلى غرفتي. دخلتُ الكتبَ التي قرأناها أبحث عنا. ركضتُ بثوب النوم الأبيض بين المواقع المتنافسة في استقطاب الوجوه إلا وجهك. ألتفتُ لأيام قديمة تنام خلف المشهد فأجدها تركض معي بحثاً عنا. أو تسير أمامي من يأسٍ وقنوط.
في الطائف، التقينا أول العهد وكنت غِرّ القلب والخبرة. كنت أتيه بضفائر وحياء. تعانقنا من دون سلام، وغضضتَ طرفك خوفاً عليَّ من الجَلد وتعاليم القبيلة، وغضضتُ قلبي لئلا يقرؤوا نبضه كيف يتيه ويشرد. يغيض ويفيض شوقاً وحياء.
في جدّة جلسنا متقابلين وحيدين إلا من أمك ترقب رسائل موجزة، ولمست طرف ذراعي، هامساً:
— لا تحتاجين إلى برونزاج. أنتِ سمراء كما أردت.
لا زلت والعهد مرَّ عليه أربعة وأربعون عاماً أحتفظ بفستاني الأول الذي تفحّصت عيناك ملامح ما تحته.
في العشق الأول، أفرطت في السنا فأصيب قلبي بالبياض، وأصيب صدري بربو خبيث. قلت إذن لن ننجب سلمى، الربو يتعب القلب وجهاز التنفس. ولأن الحبّ هو الحدّ من قدرة العقل على النظر خارج الإطار الحسّي، أحبك أنت. أنت آلاف السلماوات الصغيرات يعبرن صباحي كل ضياء. لا زلتُ أرعى عهداً قطعته وحدك ورحلت.
— لا على كرهٍ نلتقي ولا على حبّ.
أربي سلمى بين أحشاء الغيب. أرقبك تخصب وردتها، ليتزاوج الليل والكلام. وكل وردةٍ أموتُ وحدي.
* فلوريدا/ الأردن
