
تخيّل أنّ دماغك يحيك مؤامرة ضدك! نعم، تلك الكتلة الرمادية المُعقّدة التي تعتمد عليها في كل قراراتك قد تكون في الواقع «إمبراطورية الخطأ» الخاصة بك. في عالم نظن فيه أنّنا نتخذ قرارات منطقية، يأتي أستاذ علم الاجتماع الفرنسي جيرالد برونير ليصفعنا بحقيقة صادمة: الأخطاء التي نقع فيها ليست مجرد هفوات عارضة، بل جزء من نظام تفكير متكامل... نظام قد يكون ضرورياً لبقائنا! فهل أنت مستعد لاكتشاف الخدع التي يلعبها عقلك عليك؟ وهل تجرؤ على مواجهة مملكة الأوهام داخلك؟
يسعى جيرالد برونير في كتابه «إمبراطورية الخطأ» (2007) الصادر عن «صفحة سبعة للنشر» (ترجمة محمد العافية العروسي) إلى إعادة تناول نتائج الأبحاث المعروفة باسم «علم النفس الإدراكي» (وخاصة أعمال تفرسكي وكانيمان) وإعادة دمجها في التحليل السوسيولوجي.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول. يخصص الباحث الفصل الأول لعرض مفهوم «الخطأ الإدراكي» واستعراض تاريخ الأفكار والأبحاث التي تناولته عبر الزمن، بدءاً من برنولي ومل وباريتو وآلياس وصولاً إلى أبحاث كانيمان وتفرسكي، التي أبرزت وجود «الأخطاء الإدراكية أو المعرفية» عبر الاختبارات والتجارب المعملية. أما الفصل الثاني، فيكرّسه برونير لوضع نموذجه الخاص، مستنداً إلى أعمال كانيمان وتفرسكي، ولكن مع تعديلات مستوحاة من نهج ريمون بودون، في حين يتناول الفصل الثالث تطبيق علم النفس الإدراكي على تحليل الظواهر الاجتماعية.
بحث في انتشار الشائعات وتأثير الدعاية والتلاعب بالطوائف الدينية
يقسم برونير الأخطاء الإدراكية إلى أنواع عدة، منها: الخطأ البعدي، الذي ينشأ نتيجة قلة المعلومات المتاحة بسبب عامل الزمن أو المكان، والخطأ الثقافي، حيث تؤثر الخلفية الثقافية للفرد في تفسيره للأحداث، والخطأ العاطفي والتحفيزي، الناتج من الرغبات الشخصية أو المشاعر القوية، والخطأ العقلي، الذي ينتج من استخدام استدلالات غير صحيحة. بالإضافة إلى ذلك، ينتقد برونير الفصل الصارم بين العقلانية واللاعقلانية في الأبحاث السابقة، ويقترح أن الأخطاء الإدراكية جزء من عملية تفكير عقلاني، لكنها تتأثر بالعوامل البيئية والنفسية.
يستند برونير إلى علم الإدراك لتفسير سبب ميل البشر إلى تصديق الأخطاء. فالعقل البشري ليس آلة منطقية محضة، بل يخضع لتحيزات معرفية تؤثر في الأحكام والقرارات. ومن أبرز هذه التحيزات:
• تحيّز التأكيد: وهو ميلنا إلى البحث عن المعلومات التي تتفق مع آرائنا المسبقة وإهمال الأدلة التي تناقضها.
• إهمال النسبة الأساسية: عدم الانتباه إلى حجم العيّنة عند التعامل مع النسب المئوية.
• تحيز التماثل: الاعتقاد بأن العلاقة السببية تعمل في الاتجاهين، أي إذا كان الحدث X يؤدي إلى ، فهذا يعني خطأً أنّ Y يؤدي إلى X.
• الاستدلال التوافري: تقدير احتمالية وقوع حدث معين بناءً على تكرار مشاهدته أو سماعه في وسائل الإعلام.
• تحيّز السلطة: الميل إلى تصديق المعلومات لمجرد أنها صادرة عن شخصية ذات نفوذ أو شهرة.
• تحيّز التمثيلية: الحكم على احتمال وقوع حدث أو انتماء شخص لمجموعة معينة بناءً على مدى تشابهه مع الصورة النمطية. على سبيل المثال، إذا رأى شخص شاباً يرتدي نظارات سميكة ويحب القراءة، فقد يفترض تلقائياً أنه طالب في قسم الفلسفة، متجاهلاً أنّ الفلسفة قد تكون أقل شعبية من تخصصات أخرى بين الطلاب.
يستكشف برونير تطبيق علم النفس الإدراكي على الظواهر الاجتماعية. يناقش تأثير الأخطاء الإدراكية في المجتمع، مثل انتشار الشائعات، وتأثير الدعاية، والتلاعب في الطوائف الدينية.
كما يوضح كيف يمكن لهذه الأخطاء أن تُسهم في التضليل الإعلامي والتلاعب الجماعي، ما يؤدي إلى انتشار معلومات خاطئة عبر وسائل الإعلام ويُسهِّل السيطرة على الرأي العام. بالإضافة إلى ذلك، يتناول دور الأخطاء الإدراكية في تفسير الشرور الاجتماعية الكبرى، مثل الإبادة الجماعية، حيث يتم استغلال التحيزات العقلية لتبرير العنف ضد فئات معينة من المجتمع. مثلاً، تحيز المجموعة الداخلية يدفع الأفراد إلى رؤية مجموعتهم على أنها متفوقة بينما يُصوَّر الآخرون على أنهم خطر يجب القضاء عليه.
في حين أنّ الأخطاء الإدراكية غالباً ما تُرى على أنها عيوب في التفكير البشري، يرى برونير أنها قد تلعب دوراً إيجابياً في الحفاظ على التماسك الاجتماعي والاستقرار النفسي للأفراد والمجتمعات.
على سبيل المثال، يمكن أن يساعد تحيُّز التأكيد (الميل إلى تصديق المعلومات التي تتوافق مع معتقداتنا المسبقة) الأفراد في الحفاظ على هويتهم الثقافية والاجتماعية.
في مجتمع مُتعدّد الثقافات، قد يساعد هذا التحيّز الأفراد على التمسك بقيمهم وتقاليدهم، ما يُعزّز الشعور بالانتماء والاستقرار النفسي. كذلك، يمكن لتحيّز التمثيلية (الميل إلى الحكم على الأحداث بناءً على الصور النمطية) أن يُسهِّل عملية اتخاذ القرارات السريعة في المواقف الاجتماعية المعقدة. عندما يكون الوقت محدوداً والموارد المعرفية قليلة، قد تكون هذه التحيّزات مفيدة في تسهيل التفاعلات الاجتماعية واتخاذ القرارات اليومية.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للأخطاء الإدراكية أن تلعب دوراً في تعزيز التعاون الاجتماعي. على سبيل المثال، يمكن أن يعزّز تحيّز المجموعة الداخلية (الميل إلى تفضيل أفراد المجموعة التي ننتمي إليها) التضامن والتعاون داخل المجموعة، ما يُسهم في تحقيق أهداف مشتركة.
كما يشرح برونير مفهوم التنبؤات الذاتية التحقق، مشيراً إلى أنّ بعض الأخطاء الإدراكية قد تكون ضرورية للحياة اليومية، مثل توقع أنّ الغد سيكون مشابهاً لليوم، ما يساعد الأفراد على التكيّف مع الواقع.
أخيراً، يُسلِّط الباحث الضوء على تأثير الأخطاء الإدراكية في السياسة والاقتصاد، مؤكداً على أنّ صانعي القرار يجب أن يفهموا هذه التحيُّزات عند صياغة السياسات، لأنّ الجماهير غالباً ما تفسر القرارات بناءً على تحيزاتها المعرفية وليس بالضرورة على أساس المنطق الموضوعي.
يمثل كتاب «إمبراطورية الخطأ» مساهمةً مهمة في علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية بشكل عام، إذ يعيد تعريف الفردانية المنهجية، وهي منهجية في علم الاجتماع تفترض أنّ الظواهر الاجتماعية يمكن تفسيرها عبر تحليل سلوك الأفراد ودوافعهم العقلانية، بدلاً من اعتبار المجتمع ككيان مستقل له قوانينه الخاصة. يتبنى برونير هذا النهج مبتعداً عن الرؤية الميكانيكية التقليدية للعقل البشري، كما يسعى إلى الربط بين علم النفس الإدراكي، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، ما يفتح آفاقاً جديدة للبحث في هذه المجالات.
رغم القيمة العلمية للكتاب، فإنه يعاني من بعض القصور، لا سيما في عدم التوسع في بعض المفاهيم النفسية والاجتماعية المهمة، مثل «نظرية العالم العادل»، التي تعد من المفاهيم الأساسية لفهم الحياة الاجتماعية. كما يُركِّز برونير بشكل أساسي على التحليل الفردي للأخطاء الإدراكية، من دون التعمق الكافي في دور البنى الاجتماعية والسياسية في تعزيز هذه الأخطاء أو تصحيحها. إضافةً إلى ذلك، يعتمد نقده على افتراضات نظرية من دون تقديم أدلة تجريبية كافية تدعم نموذجه الخاص. وأخيراً، كان يمكن للكتاب أن يقدم حلولاً عملية أكثر لمواجهة التضليل المعلوماتي، بدلاً من التركيز على التشخيص فقط.

