ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

حيـــــن عَبَرنـــــا النهـــــر *

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

هل هي عداوة اللون؟ ليس هذا تماماً، لكنه عندما دخل إلى المطبخ الخاص بالفندق، برفقة الكهل محمد، وقعت عيناه الصغيرتان على أكبر شيء فيه، أكبر من القدور والثلاجات، يبدو له أنه التهم كل طعام المطبخ على مدى سنوات طويلة حتى صار بهذا الحجم الهائل، فقد كان بديناً جد

قاسم الساحلي
قاسم الساحلي
السبت 29 آذار 2025
سُهْرَابْ سِبِهْرِي ــ «بدون عنوان» (زيت على قماش، 1979)
سُهْرَابْ سِبِهْرِي ــ «بدون عنوان» (زيت على قماش، 1979)
الخط


في مطبخ المدينة

هل هي عداوة اللون؟ ليس هذا تماماً، لكنه عندما دخل إلى المطبخ الخاص بالفندق، برفقة الكهل محمد، وقعت عيناه الصغيرتان على أكبر شيء فيه، أكبر من القدور والثلاجات، يبدو له أنه التهم كل طعام المطبخ على مدى سنوات طويلة حتى صار بهذا الحجم الهائل، فقد كان بديناً جداً، وأبيض البشرة، كانت المقارنة بديهية وغير مفاجئة: الأسمر والأبيض، النحافة والبدانة، الجوع والشبع، الغربة والأمن، التشرد والاستقرار...

نظر الطاهي البدين إلى الصبي شزراً، نظرة رآها قاسم في كثير من الوجوه التي رفضته في المتاجر والمحال على مدى ثلاثة أيام من البحث في الشوارع والأسواق... لكنها نظرة تحمل الكثير من الرفض والانتقائية، صبي بثياب متعبة وملامح حزينة، وحذاء حاف، في مطبخ فندق يعتني كثيراً بالصورة والبروتوكولات والمقادير والأصناف والمذاقات ونصاعة الأشياء.

خرجت النبرة حادة في وجه الكهل المسكين:
— من أين أتيت بهذا الطفل؟ هل تظن المكان ملعباً للأطفال؟ ألا تفهم؟ أريد عاملاً لا طفلاً.
عاد القلق والخوف، وبدأ الشعور الطازج بالشبع والأمن يتداعى شيئاً فشيئاً.
علت الأصوات، وإذا بشاب وسيم يدخل، يبادر الطاهي بسؤال فيه علامات التعجب والاستنكار، وقد بدت لهجته قريبة جداً من لغة وفهم الصبي الصغير:
— ما بك يا سيد يوسفي؟
— ما هذا الذي أتيتم به؟ طوله لا يصل إلى أحد القدور، كيف يستطيع أن يساعدني؟
كان الطاهي يقيس الأشياء بحجمها وطولها، كما قاسها كل من سبقه، عدا الحاج محمد، ربما هي معايير المدينة في تعريف القدرة والمصلحة والمكاسب والأرباح وتصور النتائج.

لم يلتفت إليه الشاب، والذي عرف قاسم أنه سميّه، هو قاسم أيضاً.
وبادر الصبي بالسؤال:
— من أي مدينة أنت؟
— رابر
بكثير من الفرح كرر الجواب:
— رابر نفسها؟!
— لا، من «كَنْ ملك».
يعرف الصغير أن «كن ملك» هو الاسم القديم لقريته المتداول في اللهجة المحلية، لذلك أصر على استخدامه في الجواب عندما شعر بقرابة الأرض والتراب.
— أنا من أهالي جوران.
صارت القرابة أكيدة في هذه البقعة الواسعة من الغربة، ويد عبد الله التي افترقت عنه منذ أيام ثلاثة عادت من جديد، ومسلم البعيد في أزقة الكوفة عاين طفلاً من أطفاله يخرج للتو من الصحراء.
جوران، اسم حميم، وقرابة لصيقة، قرابة التبادل التجاري أيضاً، فقد كان حسن مشهدي يأتي إلى دكاكينها محملاً بالصوف والقطن واللبن الجامد والدهن، ويأخذ لقاءها بضائع أخرى.
فهل يأخذ قاسم الشاب قاسماً الصغير في دكانه، محملاً بروائح القرية وقطعانها وسفوحها وقدورها المطلية بالتحدّي؟

عاد الشاب ليواجه يوسفي الطاهي بثلاث كلمات بعدها نقطة:
— هذا ابن مدينتنا.
تنقذه قناة ملك من جديد، لم تتركه مذ غادرها، ظلت في صرته وخارجها، وهي الآن في اللحظة الحاسمة تنتشله من العيون القاسية والوجوه المُنكِرة.
عادت رابر وقناة ملك وصرتها إلى قلب المدينة لتستقرّ في فندقها الأجمل، ولتجد الصلة بعالم جديد، لتلتقي هنا الروائح والأمزجة وألوان الوجوه.
نقل قاسم صرته من بيت عبد الله، حيث كانت محطته الأولى إلى فندق كسرى. وبدأ العمل الشّاق، عمل لمصلحة فاطمة وحسن مشهدي، عمِل للعمل، وعمل لإثبات الذات والقدرة، وعمل كي لا يُخذل قاسم الشاب.

استطاع قاسم بعد أيام أن ينزلق من عيون يوسفي، أن تطول قامته، ويصبح طعماً جديداً ونكهة خاصة في كل طبق يقدّم، استطاع ببراعة الراعي وعيون الطيور أن يطوّع ملامح يوسفي لتصبح أليفة، وأشرف على القدور وبخارها بدراية من أمضى في المطبخ عشر سنوات. وأصبح المساعد الأول للحاج محمد، يشاركه أفكاره وتفاصيل العمل.
في الفسحة البيضاء من المطبخ، كان يشعر بالجوع أحياناً، تغزو أنفه الروائح المغرية للطعام، باستطاعته أن يأكل، لن يعترض أحد حتماً، كان باستطاعته أن يسدّ جوعه بحجة التذوق وقد أصبح الآن مشرفاً ومساعداً وشريكاً في الإنتاج.
لكنه يتذكر في كل لحظة وصية أبيه، هو حتماً لن يفعل.

مطرٌ على شفاه ناشفة

الفواكه التي التقى بها للمرة الأولى في عالم المدينة استهوته، ستبدو شهية وهي تعطي عصارتها للعطاشى في محطات الحافلات. وستكون فرصة إضافية لكسب المزيد من المال في طريق الهدف الكبير. عدّ ما في حوزته من مال، المبلغ ما زال ناقصاً ويلزمه بذل المزيد من الجهد لتحصيل مبلغ التسعمئة تومان وإرساله بسرعة إلى قناة ملك.
هو في سباق قبل أن تصل القيود إلى يدي أبيه وتموت فاطمة بحسرتها عليه.

اشترى عصارة للفواكه، وبدأ العمل في أوقات استراحته من عمل الفندق.
الفواكه التي كان يشتهيها في رفوف الواجهات وفي عربات الباعة وفي أيدي العابرين والمسافرين أصبح الآن هو من يقوم بعصرها، هي طوع يديه، يستطيع أن يتحكم بها وأن يستخرج نسغها ويسقي منها من أراد. وما عاد السكر الصلب أمنيته الكبرى.

فكر لو أنه يستطيع إرسال ذلك العصير بارداً إلى أطفال القرية. لو استطاع أن يحمل عصارته وأحمالاً متنوعة من الفاكهة الطازجة ويطير إلى رابر الآن، إلى تحت شجرة الجوز الكبيرة، سينادي على كل واحد باسمه: —هاجر، سهراب، أحمد ابن خداكرم، غلام عباس، علي محمدي، أبناء صمد، بهرام فرجي، حسين جلالي...
بهرام الآتي من «كنجون» سيصحو بعد الرشفة الأولى من إغماءته في طريق المدرسة الطويل، وحسين جلالي ذاك الولد المشاكس الآتي من «زردلو» والذي يوسع الأطفال ضرباً يستطيع أن يشرب، ستلين طباعه أكثر بعد الكأس الثانية حتماً، صار يرسم لهم صوراً كيف يحوطون الكأس بأصابعهم بتردّد وخوف، ثم يقرّبون الكأس من شفاههم، ويشربونها رشفة واحدة.

قفزت إلى مخيلته ملامح طفلتي جيرانهم، هاتان الصغيرتان المعجونتان بالفقر، كيف كانتا تقفان أمام تنور أمه متفرجتين، تراقبانها وهي تستل قطع العجين الصغيرة من الوعاء النحاسي، تدحوها بكفيها فوق طاولة خشبية مرشوشة بالطحين، ثمّ تراقصها فوق زندها حتى تأخذ شكلها النهائي، تطرحها فوق الكارة، ثمّ تطبعها قبلة على خد النار.
تراقب الصغيرتان الرغيف وهو ينتفخ من بعض أجزائه، تنال منه فاطمة بطعنة خفيفة، تمد يدها إلى النار تسلخ منها قبلتها السابقة إفساحاً في المجال لواحدة جديدة.

وهما مشدوهتان، فاغرتا الفم، وقد تيبست شفاههما في مشهد النار والرغيف، وعيونهما تنتظران أمراً ما، إيماءة، غمزة عين... لتنالا رغيفاً أو بعضه.
تحين من فاطمة التفاتة إلى الشفاه الناشفة. تمدّ يدها إلى الخبز المرصوف قربها، تتناول عدّة ربطات دفعة واحدة، تومئ بإيجاز. تتناولان الرزم مصدومتين وتغيبان في البيت القريب.

عودة الطفل الملوّن

خمسة أشهر مضت على وجوده هنا، وقت طويل، لكن الهدف يستحق أكثر. عاد في تلك الليلة من عمله الإضافي في بيع عصير الفواكه متعباً كما العادة، أخرج ما في جيوبه من مال، وأحضر الصرّة المخبأة، أفرغها عن آخرها، وبدأ يعدّ نقوده بهدوء، كانت جميع العملات من فئة تومانين وعدد كبير من فئة الريالين، وخمسة ريالات ونصف ريال. مجموعها ألف ومئتان وخمسون توماناً. قفز من فوق السرير قفزة عالية. أنجزت المهمة وتحقق النصر، وحُسم الصراع لمصلحة السُّحنة السمراء والجسد النحيل.

ها هو في الصباح يرسل على وجه السرعة مبلغ ألف تومان كاملة إلى قناة ملك على متن حافلة مهدي بور إلى حسن مشهدي وفاطمة سليماني.
ابتعدت القيود عن معصم أبيه إلى غير رجعة، ولن تفك فاطمة عصبة رأسها وتتلوى من أثر الصداع من جديد.
سيكون احتفال النصر عظيماً هذه المرة، والاستعداد للقاء يجب أن يأخذ صورة لائقة بحجم الإنجاز.

ما عاد قاسم ذاك الصبي الأسمر النحيف، اشتدَّ عوده، وقوي ساعده، وطالت قامته، وبدت على وجهه علامات الرجولة والتحدي، خرج من طفولة قناة ملك، إلى حيوية كرمان في السعي الدائم ما بين الشوارع والأرصفة والوحدة والغربة وزحمة المسافرين وضجيج السوق والمارّة ووجوه الزبائن وجروح الأصابع ولسعات الشمس وقلق إثبات القدرة الدائم.

لن يكون احتفالاً بسيطاً، يشبه ما فعله حين نال الثلاثين توماناً لقاء عمله في ورشة الأسطه علي، لن يشتري بريالين بسكويتاً صغيراً من نوع «مينو»، وبخمسة ريالات أربع موزات، ويقضي وقتاً في التدرّب على تقشير الموز وأكله.

سيشتري استعداداً للاحتفال الكبير بدلة جديدة بلون أصفر فاقع، وحذاءً لامعاً متيناً وكبيراً يوحي بقدمين ثابتتين قويتين. وسيشتري قميصاً أحمر جميلاً.
هو تعويض عن كل الألوان الكالحة والغامقة، لن يبقى الحزن أسود أو حتى رمادياً، سينطق الفرح صارخاً، بألوان صريحة تسلب العيون.

يريد لعيني فاطمة أن تتوسّعا، يريدها أن تقف عاجزة عن تفقد ملامح قاسم الصغير في هذه الثياب الجديدة، ويريدها أن تقف بعد الصدمة ترمق حسن مشهدي بعين الزهو والافتخار:

هذا قاسم شريك صحني ورغيفي، وابن بطني وأنيس ظهري ورفيقي.
****
* فصول من رواية بالعنوان نفسه للكاتب اللبناني قاسم الساحلي، حصلت على المرتبة الثالثة في «جائزة سليماني العالمية للأدب المقاوم»، في دورتها الثالثة. تصدر قريباً في طبعة ثانية عن «دار الولاء» و«دار أسفار» في بيروت، بعد احتراق نسخ الطبعة الأولى إثر استهداف مستودعات «دار الولاء» في الضاحية الجنوبية بغارة جوية أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك