ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

شامة سوداء أسفل العنق *

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

تلحّ عليه نصيحة الكاهن بالخروج من المؤقت قبل فوات الأوان. حديث «رحيّم» عن سهولة حصول حملة الوثائق العراقية المزوّرة على اللجوء في الدول الإسكندنافية

جهاد الرنتيسي
جهاد الرنتيسي
السبت 5 نيسان 2025
مغادرة قوى الكفاح المسلح الفلسطيني لبيروت (أرشيف وزارة الدفاع الفرنسية، 1982).
مغادرة قوى الكفاح المسلح الفلسطيني لبيروت (أرشيف وزارة الدفاع الفرنسية، 1982).
الخط


تلحّ عليه نصيحة الكاهن بالخروج من المؤقت قبل فوات الأوان. حديث «رحيّم» عن سهولة حصول حملة الوثائق العراقية المزوّرة على اللجوء في الدول الإسكندنافية، وفي كل مرة يباغته شيء من شريط الأوضاع التي رأى فيها غيث بين الباب الخشبي لمدرسة اللاييك والسيارة العسكرية.

تداعب أصابعه ظلال أشيائه على الطاولة، ركوة القهوة، الفنجان المحاذي لها، ساعة يده، علبة سجائره، ورزمة رسائل «فانيسيا». يلتقط طرف أحد مغلفاتها الزرقاء، يدقق في طلّة الملكة إليزابيث من طابع البريد وعنوان سعد الخبايا المكتوب بعناية.

أتفق معك على وجود شخصيات من نمط أبطال روايات غابرييل غارسيا ماركيز بين الفلسطينيين، لم تجد كتّاباً يكشفون عن تفاصيلها، قد يكون إبرازها مفيداً في شرح بعض جوانب القضية التي يعملون من أجلها. ظلّل «الخبايا» أجزاء من أولى فقرات رسالة فانيسيا. لفت نظري ما ذكرته عن أبي صالح حين التقينا في الكويت. جاء في بداية الفقرة التالية، في حديثك عنه بعد اعتكافه التراجيدي ما يثير الدهشة. رجح إسهاب «الخبايا» في شروحاته عن الكهل قبل تلقيه ردّها، لكن الإنتاج السينمائي بحاجة إلى إمكانات غير متوافرة. قلة الإمكانات مقبرة النيات.

التقى الكهل للمرة الأولى قبل صعوده إلى سطح الباخرة المبحرة إلى طرطوس. ميّزه بشعره الأبيض، انتظر إجابته حين سألت الصحافية الفرنسية عن وجهته.
— إلى البقاع، أجابها من دون تردد، بقيت نظراته شاردة إلى موج يداوي جراح المدينة، يدخّن بشراهة، يحاول الاحتفاظ بهدوئه، يغضب بين الحين والآخر.
شغله وجوده عمّا سمعه عن معسكرات اعتقال تنتظر الخارجين من بيروت. تأكد من وجود جواز سفره في جيب قميصه، حَجْز العودة إلى الكويت على التذكرة، أعاد رسم خطة الإفلات.

- «أُبلِغُهم عدم رغبتي في البقاء، وثائقي تؤكد نياتي، وأمكث في مخيّم اليرموك بضعة أيام حتى إتاحة مقعد في طائرة».

- رافقته رحلة الباخرة إلى الطائرة. اللغة الواثقة التي تحدّث بها الكهل للصحافية الفرنسية. لم يتعب من الحصار.

- «معسكرات الاعتقال كذبة لإسقاط خيار الذهاب إلى سوريا» قال له رشدي الكاهن قبل النزول إلى اليابسة.

- يريدون إبعاد المقاتلين عن ساحة المواجهة.

ناولته المضيفة وجبة الغداء. لم يأكل من طبخ أمه منذ أشهر، تاه في البحث عن معنى لزغرودتها حين هاتفها من دمشق، وعاوده الحنين لمناكفات كافيتريات الجامعة.
الطائرة مرة أخرى. استدان قيمة التذكرة من أماني بعد مغادرة الكاهن إلى دمشق بأسابيع. نزلت القوات إلى صوفر باتجاه سوق الغرب، أخبرها صباحاً.

- لم يعد لبقائي هنا ما يبرّره. فاجأها قراره

- لا أقبل إلا أن أكون شريكاً في تصحيح مجرى التاريخ. أثار إصراره ريبة «الخبايا»، لم يكن «رضا» متحمّساً لذهابه.

- هناك ما يكفي من المقاتلين. كان صوته أقرب إلى الزجر.

لاحقته صورة الجنديين الأميركيين كما نُشِرَت في الصحف الكويتية إلى ليل دمشق. فعلها الكهل. كانا بملابسهما الداخلية عند إلحاقهما بالسفن الغاربة. جرّت سفن القوة المتعدّدة الجنسيات باخرة الرحيل عن بيروت إلى ذاكرته عند وصوله إلى ساحة التحرير، وملأ رئتيه بالهواء حين وقف بين جامع الفردوس ومكتب الصداقة.

انتظر عند مدير المكتب حتى انتهاء الكهل من مكالمة هاتفية، تهيأ للدخول. نهض حين وجده خارجاً من غرفته، ناوله الرسالة، راقبه أثناء قراءتها. أحسّ بالعري أمام نظراته:
- التقينا من قبل؟ سأله قبل عودته للقراءة.

- أقلّتنا الباخرة ذاتها إلى طرطوس. أجاب بشيء من الزهو.

- لا يوجد ما تفعله هنا. أخبره قبل أن يضع الرسالة في جيب الفيلد.

- مكانك في بيروت والجبل. تدخل مدير المكتب.

سمع قبل أن تقله إحدى السيارات العسكرية عن وساطة محمود درويش. لفت نظره الاسم الذي جاء على لسان نحيف بزلف طويل. رفض الأخ أبو صالح عرض عرفات تشكيل تنظيم جديد يحتلّ المرتبة الثانية بعد «فتح».

قال جهم بيضاوي الوجه. أخفت نبرته أسفاً على الرفض، اكتملت نبرة الأسف مع الإشارة إلى اقتران العرض بصرف مخصّصات مالية لعامين. رأى درويش في وجه الكهل سمة الأنبياء، فَهم من حديث النحيف طويل الزلف، لم يترك القول صدى، ردّ الجهم بيضاوي الوجه.

تردد حديث طويل الزلف وبيضاوي الوجه في أذنه أثناء مرور السيارة على الطريق العسكري. علم أنّ أحدهم غمز من قناة الوسيط أمام الكهل ذات مساء. ذكّره بأن درويش رجل عرفات، اختار الأفضل. ردّ عليه من دون تفكير: «من أين آتيه بثمن السيجار والويسكي؟». برّر عدم اكتراثه، وسرّب الآخر القول الذي تحول إلى نكتة تفنّن كسالى الفصائل في روايتها.

تندّر عبد الحليم خدام على فصحى أبي صالح أثناء اللقاء. أخبره عبد العزيز السيد بعد أسابيع. ردَدت عليه بأنه يتقن إعراب السياسة. تابع حديثه وهو ينظر من وراء زجاج مقهى الهافانا إلى انحناءة الرصيف. لم تتوقف طلبات مراجعة الأجهزة الأمنية منذ ذلك الحين. قال قبل أن ينادي على النادل ليطلب فنجان قهوة آخر.

كان السيد مرشحاً للإشراف على مكتب منظمة التحرير في بيروت. أخبره الكاهن أثناء جلوسهما في مقهى «النوفرة»، تعطل مشروع الكهل بعد انقلاب الحلفاء والأصدقاء. سحب نفساً من النرجيلة. طلب علييف (1) من السوريين إيقافه عند حدّه. قال بعد أن نفث الدخان: «يتجنّب الروس التورّط في مواجهة مباشرة مع الأميركان». أكّد أنّ حديثه مبني على معلومات.

علم أثناء تردّده على مكتب الصداقة بتوتر لقاءات الكهل مع خدام. مشاداته مع جلود (2)، قراره بالاعتكاف، تحذيراته من زمن حقيبة السمسونايت التي سيحملها الفلسطيني لتسويق الإسرائيلي في المنطقة.

لم تكن حسابات البيدر مطابقة لحسابات الحقل، أخبره باحث كان يجري دراسة عن التجربة، «دفع ثمن رفضه الانشقاق» قال بلهجته العراقية. يصرّ على الحسم الداخلي للخلاف، حاول إيضاح فكرته، محاولته العودة إلى بيروت مغامرة غير محسوبة النتائج، كانت في عيني الكهل نظرة اشتهاء للمدينة أثناء ركوبه الباخرة، خذلته التحولات الداخلية في الاتحاد السوفياتي، لم يخلُ صوت الباحث من تعاطف.

راجع معه التواريخ المدوّنة في مخطوط كتابه، عودة الكهل من فاس إلى دمشق في طائرة حافظ الأسد بعد إعلانه عن رفض مشروع الأمير فهد، تحويل طائرة القيادات الفلسطينية من الجزائر إلى وهران لمنعه من حضور اجتماع المجلس الوطني، قرار تنحّيه بعد اجتماع شيراتون دمشق، إعلانه عن رفض لقاء أي قائد فلسطيني.
وجد في أوراق المخطوط معلومةً عابرة حول إبعاد الكهل عن الرباط ذات عام. لم يكن يعرف بتلك الواقعة. تبين له أنه رفض يومها مصافحة محمد أوفقير، «كيف أصافح قتلة المهدي بن بركة؟» سأل، قبل أن يأتيه طلب مغادرة البلاد على أول طائرة متجهة إلى باريس.

لم يخرج الكهل من المشهد بعد. قال للكاهن بعد أيام من قراءة المخطوط، اعتكافه لا يعني نهايته. بدت عبارته مبهمة لرفيقه، ما زال يرتدي زيه العسكري، يحمل مسدّسه، يتحدّث مع المقربين عن خصومه وطبيعة خلافاته معهم، لكنه لا يتحرّك في فراغ. جاءه الردّ حاسماً، السياسة محكومة بموازين قوى، برّر الكاهن وجهة نظره، «كهلك كائن بري لا يستطيع الاختباء في الأواني الزجاجية».

رنّ هاتف القبو ذات صباح، نقل له الرفيع طويل الزلف الذي صار صاحبه الخبر، لم يفاجئه، ترسخت لديه قناعة طوال سنوات اعتكاف الكهل بعجز العالم عن احتماله والتعايش مع قناعته كحقيقة، ضاق به الكون، قال للكاهن، كان اتصال المسؤول السوري الكبير الذي أنهى حياته الستارة التي أسدلت على الخشبة بعد نهاية المشهد.

سأله رضا عن أحواله وأخبار «الخبايا» حين التقيا في مقبرة اليرموك. حدّثه أثناء لقاء في مقهى «الروضة» عن ميلاد الكهل وطفولته.

سألت أمي وليا في مجدل الصادق (3) عن اسم يليق بوليدها. قال بعد أن نفث دخان التنباك، لم تكن تعلم أنه اختار له اسماً يعيش به بين الوحوش. توقف عن الحديث للحظات، وقاوم دموعه بجرعة ماء من كأس أهمله منذ أن جاء به النادل مع فنجان القهوة.

1ـ حيدر علييف: عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي.
2 ـ عبد السلام جلود: مندوب القذافي إلى دمشق، وكان يتولى الاتصالات مع القوى الفلسطينية هناك.
3 ـ مجدل الصادق: قرية فلسطينية احتُلَّت عام 1948.

* فصل من رواية تحمل العنوان نفسه للكاتب الفلسطيني جهاد الرنتيسي، صدرت حديثاً عن «دار المرايا» في القاهرة.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك