
يوضح خورخي بورخيس في تقديمه لرواية «بارتلبي النساخ» أنّ الروائي الأميركي العظيم هيرمان ملفل، أذَنَ في روايته القصيرة هذه بظهور كافكا.
إنّ أدب الأخير كما يكتب بورخيس «يلقي الضوء، بأثر رجعي على بارتلبي، فقصة ملفل ترسم حدود نوع أدبي سيعيد كافكا اختراعه واستكشافه بدرجة أعمق لاحقاً».
صدر عن «دار ديوان» المصرية، بترجمةٍ رفيعة من أحمد القرملاوي، واحدة من أهم الروايات القصيرة «نوفيلا»: «بارتلبي النساخ» لهيرمان ملفل.
هذا العمل لم يؤثر على المستوى الأدبي في تشكّل الفضاء الكافكاويّ مثلاً فقط، بل غاص في دلالاته النقاد أيضاً، وتوقف عنده الفلاسفة أبرزهم جيل دولوز، وجورجيو أغامبين، وبيونغ تشول هان، وسلافوي جيجك الذي اشتهر باستعماله الدائم لعبارة: «أفضل ألا» كموقف سلبيّ يعبر فيه عن احتجاجه على «الرأسمالية المتأخرة» وعدم إذعانه «للنداء» الأيديولوجي.
و«أفضل ألا» هي العبارة التي تكاد تكون كل ما ينطق به بارتلبي النساخ. وليس من نافلة القول اعتبار هذا النفي اللاغي الذي تحمله عبارة بارتلبي إنه تعبير مكثف يفصح تمام الإفصاح عن هوية صاحبها.
ثلاثة نساخين نيبرز وتيركي وبارتلبي، يعملون عند محامٍ مخضرمٍ ومسنّ في مكتبه الكامن في «شارع وول ستريت». نقرأ الرواية من منظار المحامي الذي لا يكفّ في الصفحات الأولى عن الاعتراف بالمزايا التي يتحلّى بها: هو شخصٌ رزين، يعملُ في الظل، يتميز بهدوئه الذي يحول دون فقدانه السيطرة على أعصابه، طليق اللسان ولا يحب الضجيج.
وبينما لا يقع المحامي في نوبات السخط والحنق، نجد كل من نيبرز وتيركي يعانيان من اضطراباتٍ عصبية واختلالاتٍ تتبدى كلما أصابهما الإعياء.
أذن الروائي الأميركي العظيم هيرمان ملفل في روايته القصيرة هذه بظهور كافكا
تيركي يشعّ حالما ينتصف النهار. عند ساعة الغداء يتوهّج ويصير مفعماً بالطاقة، غير أنّ نشاطه المفرط يجعله أهوج ومتهوّراً، إذ غالباً ما يلطّخ الأوراق بالحبر، ويصير مصدر إزعاجٍ رغم إيقاعه المتدفق وإتمامه لمهماته بسرعةٍ خارقة.
تتغيّر طباع تيركي كلما حان موعد الطعام. يتحوّل كمن به مَسّ «يشعّ وجه تيركي بألق كأنما أهيل فحم الموقد فوق طبقة من الفحم الحجري. كان يحدث بكرسيه ضجةً مثيرةً للضجر ويسكب صندوق الرمل خاصته، كما يبعثر أجزاء أقلامه كلما أصلحها بنفاد صبر متكرر.
ثم يلقي بها على الأرض بانفعال مفاجئ». أما نيبرز الشخصية الشابة والطموحة، فيعاني من مشكلات في جهازه الهضميّ تؤثر في مزاجه العصبيّ. يكز على أسنانه حين يخطئ في النسخ ويهسهس كلما شعر بالاستهجان «بطريقةٍ تكشف عن السباب الذي لا ينطق به».
مع نيبرز وتيركي، نجد شخصيتين تتميزين بتقلباتٍ مزاجيّةٍ سريعةٍ وحادّة، أسبابها غير واضحةٍ كأنها أمراض باطنية يصعب الكشف عنها.
هي شخصيات هستيرية تحتكّ بعصبيةٍ مع محيطها. تتخبط في العمل الذي تنهمك في إنجازه، وتتسمّر وراء مكاتبها في تلك البناية في «وول ستريت» التي تطلّ «على جدار شاهق من الطوب، أسود اللون نتيجة الزمن والظل الممدود عليه طوال الوقت».
يرسم ملفل فضاءً شاحباً: المكان الداخليّ يبدو الفسحة التي تنبسط عليها ظلال الخارج حيث المباني شاهقة تشبه الأسوار. في «بارتلبي النساخ»، المكان الداخليّ والخارجيّ سيّان، إنه كما يخبرنا المحامي، «فاقدٌ للحياة». لا يتعرّف المحامي إلى الخارج إلا عبر كوّةٍ تفصل بين بنايةٍ وأخرى تتيح له رؤية الأفقٍ. عدا ذلك جميع المساحات مشيّدة بالجدران مثل تصاميم السجون («وول ستريت يعني شارع الجدران).
هكذا سيؤول تشون بيونغ هان في كتابه «مجتمع الاحتراق النفسي» أن وقوف بارتلبي الدائم أمام الجدار وتحديقه العبثي به، لهو وقوفٌ أمام الموت لأنّ «الجدار مرتبط دوماً بالموت».
أما بارتلبي فهو أغرب من رأى المحامي. إنه «من هؤلاء الناس الذي لا يمكن التحقق من أي شيء يخصهم إلا عبر المصادر الأصلية، وهي في حالته قليلة جداً». هذا الوصف غير كافٍ في حالة بارتلبي.
إنه أفضل نسّاخ عرفه المحامي. «يمكنني استعادة هيئته الآن بكل وضوح: مهندم في شحوب، محترم إلى حد يثير الشفقة، يائس بدرجةٍ تستعصي على الشفاء! ذلك هو بارتلبي».
لقد اعتاد بارتلبي أن ينسخ كمياتٍ هائلة من الوثائق كأنه يلتهمها بنهمٍ، لكنه كان يكتب في «صمتٍ، وشحوب وبأداءٍ ميكانيكيّ». ثمة شيء ما في بارتلبي أثار حساسية المحامي بشكلٍ طافحٍ. شيء ما يفوق الشعور بالشفقة، وهو ما جعله يغض النظر لمدةٍ طويلة على سلوك بارتلبي الغريب الذي سيتبين لاحقاً. ربما إنه مفهوم «محبة القريب» المسيحيّ.
هرمان ملفل يحيل إلى مراجع مسيحية في رواية «بارتلبي النساخ»، ويضمِّن إيتيقيا مسيحية في عدد من المشاهد. غمرت المحامي أحاسيس القلق والمسؤولية «جاهدت لكي أدفن مشاعري الثائرة تجاه النساخ عن طريق تفسير تصرفاته من منطلق حسن النوايا.
كم هو مسكين هذا الشاب، هكذا حدثت نفسي، إنه لا يقصد أيّاً من هذا (أن يغيظ المحامي)». هكذا، دائماً ما شعر المحامي بشيء من «الواجب» تجاه بارتلبي. نقرأ مراراً عبارة (بارتلبي) «يحتاجني»، كما نجد تعاطفاً هائلاً حتى في أكثر أوقات بارتلبي انغلاقاً.
على النقيض من نيبرز وتيركي، يميل بارتلبي إلى سكون الجماد عوضاً عن الضجيج الطائش كما هي حال زملائه. في المكتب الذي يشهد على تلك الإفرازات العصبية، يتكوّر بارتلبي على نفسه، «يظل واقفاً أمام نافذته في إحدى أعمق لحظات تأمله للجدار الميّت».
لا يأكل غير الكعك كأنه يعاني، بشكلٍ مرضيّ، من فقدان الشهية، ويعتكف بشكلٍ متعنّتٍ عن القيام بأي شيء ولو كانت واجباته. هو يكتفي بقول: «أفضل ألّا».
بدأ رفض بارتلبي القاطع عندما كان يطلب منه القيام بمهمات أخرى غير النسخ كقراءة المخطوطات أو المساعدة في تدقيقها. مهمات تشترطها الوظيفة التي يشغلها. لكن فجأة، يقرر بارتلبي أنه لم يعد يريد النسخ، مثلما لم يعد يريد فعل أي شيء آخر.
وفي مراتٍ عدة نجده يُضرب عن الكلام، كلما واجه موقفاً وجب عليه الاختيار فيه، يشحذ كل قوّته ويجاوب بـ: «أفضّل ألّا». أصر المحامي على إعطاء بارتلبي الفرص. لكن عندما ضاق ذرعاً بسلبية بارتلبي، وبوجوده الأشبه بالعدَم، قرر الانتقال إلى بنايةٍ أخرى، والنأي بنفسه عن هذا الشخص الذي يصبو إلى جثةٍ هامدة غير صالحة للعيش.
لكن بارتلبي بقي هناك، وصار ينام في مدخل البناية إلى أن قرر القاطنون فيها الاتصال بالشرطة، فأتت وزُجّ بارتلبي في السجن.
يفسر جورجيو أغامبين حالة بارتلبي بأنها «عدمية العدم». يكتب أغامبين: «كون بارتلبي هو الكاتب الذي توقف عن الكتابة، فإنه يمثل الخاصية المتطرفة للعدم التي تقود الخليقة كلها، وفي الوقت نفسه يؤسس للدفاع الأكثر رسوخاً عن هذا العدم كإمكانية نقية مطلقة.
لقد أصبح النساخ لوحاً للكتابة. إنه الآن لا شيء سوى ورقة بيضاء». مع جورجيو أغامبين، إن بارتلبي إذاً هو هذا العدم النقيّ، هو كائن مجانيّ محض غير محمّل بأي غرض. إنه «ورقة بيضاء»، نقيّ لأنه لم يُكتب عليها شيء، أي إنه لم يفعل أيّ شيء.
ولأن بارتلبي كما يخبرنا المحامي في الفصل الأخير الذي يبدو أشبه بتنويهٍ مُلحق بالرواية، اعتاد كما تقول الشائعة، العمل في مكتب بريد الرسائل الميتة، فإنه بنظر بيونغ تشول هان «لا يقدّم مرجعاً ذاتياً ولا يشير إلى أي شيء آخر، إنه موجود بلا عالم وهو غائب وغير مكترث».
سيرة بارتلبي الذي يموت في السجن من دون معرفتنا بالسبب الذي أدى إلى موته، وعدم معرفتنا بخلفية هذه الشخصية غير تلك الشائعة القائلة إنه اعتاد العمل في مركز تلف الرسائل الذي مات المعنيون بها؛ هذا الجوّ الغائم، وسط عالمٍ ضبابيّ حالك حيث بارتلبي ليس سوى شخصية كئيبةٍ وقاتمة، توحي بأننا أمام قوة ميلانخولية تفعل فعلها، ولا يمتلك المفعول ـــ أي بارتلبي ــــ الإرادة على الحدّ منها أو حتى على منعها. ليس بارتلبي، في أيّ حال، سوى الجزء الأخير من عبارته: «ألّا». إنه هذا النفي، هو مستغرق بالنفي، يتكئ على فعل «أفضّل»، بيد أنه لا يعنيه لأن نفيه جازم.
هل بإمكان بارتلبي التفضيل؟ اعتاد بارتلبي النوم في مكان عمله الذي كرهه. إنه لم يفرّق بين المنزل والمكتب، بين الكعكة ووجبة الغداء. كما إنه لم يفضّل بين أيّ من الخيارات التي عرضت عليه.
إنّ فقدان بارتلبي للشهية يعكس فقدان بارتلبي للرغبة. نتعرّف إلى شخصيةٍ ليست فاقدة لموضوعها فقط، إنما كما استنتج بيونغ تشول هان، فإن الذات هنا غائبة. ثمة خواء عارم يعتريه رغم تخمة الرفض.
لا يرغب بارتلبي بشيء، لأنه لا وجود لموضوع يرغب فيه. لكن من هو بارتلبي، عدا عن كونه نساخاً؟ وماذا نعرف عن ماضيه غير وظيفته المزعومة في مكتب بريد الأموات؟ على شاكلة النفي الساخط الصادر عن بارتلبي، ينبثق من هذه السلبية، غياب شاسع يلف بارتلبي.
حين فُتح دفتره القديم، فإننا لم نعثر سوى على معلومة تخبرنا عن عمله في عالم الأموات. كان بارتلبي يحرق رسائل الموتى، الذين لم يعد هناك من ينتظرهم.
إنّ بارتلبي هو القابع على هامش العالم. لعلّه ذاك المطرود من العالم، الذي لم يجد لنفسه مكاناً ولا هوية، وليس للراوي الذي يخبرنا قصته اسماً. منذ مئة عام تقريباً، كتب هرمان ملفل في «بارتلبي النساخ» عن الميلانخوليا التي تنهش الإنسان وتمضغ الإرادة، فتترك الإنسان يحملق بنظراتٍ فارغة بالجدران.
ليس مهماً إن كانت هذه الجدران تعود لبنايةٍ أو لمكتب، أو لسجن أو لقبر، لأن الموت يكمن أيضاً في أعين الناظر.

