ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

علاء الأسواني «يحاكم» عبد الناصر

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

لو كانت الأشجار تمشي في الإسكندرية فعلاً، لكانت أول ما تفعله هو الفرار من ظلّ عبد الناصر الطويل! ها هو الكاتب المصري علاء الأسواني صاحب رواية «عمارة يعقوبيان» الشهيرة

سلوى دبوق
سلوى دبوق
السبت 5 نيسان 2025
علاء الأسواني «يحاكم» عبد الناصر
الخط


لو كانت الأشجار تمشي في الإسكندرية فعلاً، لكانت أول ما تفعله هو الفرار من ظلّ عبد الناصر الطويل! ها هو الكاتب المصري علاء الأسواني صاحب رواية «عمارة يعقوبيان» الشهيرة، يصوّب على رجل يعتبره كثيرون زعيماً قومياً خالداً يصعب أن يجود الزمن بمثله! في رواية مليئة بالمكونات المتناقضة، يصرّ الكاتب المصري على تقديم عبد الناصر كبطل تراجيدي فشل في امتحان السلطة رغم نجاحه المبهر في امتحان الشعبية، مؤكداً أنّ صاحب الـ «لاءات» الثلاثية الشهيرة كان يقول «نعم» بحماس شديد عندما يتعلق الأمر بإسكات المعارضين!

بهذه الروح الساخرة والنقدية، تقودنا رواية «الأشجار تمشي في الإسكندرية» (دار هاشيت -نوفل) في رحلة عبر أزقة إسكندرية الستينيات لنرى وجهاً آخر للحقبة الناصرية راصدة تحولات المجتمع المصري بعد ثورة الـ 1952. عبر شبكة مُعقّدة من الشخصيات والأماكن، يوجّه الأسواني نقداً اجتماعياً وسياسياً لاذعاً، مع الاحتفاء بتنوع الإسكندرية الثقافي الذي بدأ يتآكل تحت وطأة النظام العسكري الجديد.

يبدو الأسواني في معظم الفصول كأنه يقول للقارئ: «نعم، أنا أعلم إن عبد الناصر منح التعليم المجاني للفقراء، وأمّم القناة، وقاوم الاستعمار، لكن هل سألت نفسك يوماً كم مكتبة أُغلقت وكم فناناً هُجِّر وكم مثقفاً أُسكت صوته؟ وهل كان ثمن بناء السد العالي هو هدم حائط الحريات؟ في الوقت الذي كان فيه ملايين العرب يهتفون: ناصر! ناصر» في شوارع بغداد ودمشق وبيروت.

يصوّر لنا الأسواني رُوّاد مطعم «أرتينوس» في الإسكندرية وهم يهمسون بخوف: «ناصر؟ اخفض صوتك، فجدران هذا المكان لها آذان!».

تدور الأحداث حول صراع الفرد مع سلطة العسكر، الذي بدأ كحلم ثوري وانتهى بديكتاتورية تُكمّم الأفواه. تتناول الرواية الدولة البوليسية عبر شخصية بدوي خضير الانتهازية، الذي يتعاون مع النظام لقمع المعارضين. كما تُسلّط الضوء على الهوية الثقافية المهددة للإسكندرية، المدينة المُتعدّدة الثقافات التي تفقد تنوعها مع ترحيل الأجانب وسياسات التمصير.

في الوقت ذاته، تستعرض الرواية صراع الشخصيات للحفاظ على استقلاليتها في مجتمع يفرض الولاء بالقوة، حيث تنتقد قمع الحريات، ومصادرة الممتلكات، والتجسس عبر «التنظيم الطليعي»، لكنها لا تنكر في الوقت نفسه إنجازات عبد الناصر، مثل مجانية التعليم والتأميم ومحاولته تحقيق العدالة الاجتماعية.

تمثل شخصيات الرواية نماذج متنوعة من المجتمع المصري، وتعكس صراعات الهويات الفردية والجماعية في ظل التغيّرات السياسية والاجتماعية بعد الثورة.

تُركِّز الرواية على مجموعة من الأصدقاء المصريين معظمهم من أصول أجنبية، يطلقون على أنفسهم اسم «الكوكاس»، اعتادوا السهر في المطعم الأرستقراطي «أرتينوس».

تفاصيل الحياة اليومية تجعل النص مرآةً للمجتمع الإسكندراني في الستينيات

يُجسِّد أنس الصيرفي، الفنان التشكيلي، نموذج المثقف المقاوم الذي يرفض الانصياع، مستخدماً رسوماته وسيلة احتجاج صامت، بينما يعكس رفضه لضغوط العقيد نوفل تمسّكه بحرية الإبداع.

أما كارلو، مدير المطعم الوسيم، فيمثل الجانب الجمالي والتحرُّري في المدينة، حيث تظهر علاقاته النسائية المعقدة رغبته في الهروب من قيود المجتمع، بينما يعكس تمسّكه بـ«أرتينوس» إخلاصه لتراث المدينة المتلاشي. تظهر ليدا كنموذج المرأة القوية، فهي وريثة أحد أشهر المطاعم في الإسكندرية، وتسعى إلى تحقيق توازن بين مشاعرها وعملها الذي تبرع فيه بشدة. أما مدام شانتال، صاحبة مكتبة «بلزاك»، فهي رمز للتأثير الغربي في الإسكندرية، إذ كانت المدينة في الماضي مركزاً للثقافات المتعددة.

تعكس الرواية علاقتها المتغيّرة بمصر بعد خروج الأجانب من البلاد على إثر التأميم وبعد العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه فرنسا، ما ترك فراغاً ثقافياً لم يملأه أحد.

يبرز توني كازان، المصري من أصل يوناني، كشخصية فريدة تجمع بين الثقافة والإبداع، إذ يرفض العمل في تجارة القطن العائلية، ويؤسس مصنعاً للشوكولا، محقّقاً حلمه الخاص، لكنه يضطر إلى الهجرة بعد تأميم مصنعه إثر مؤامرة حاكها أحد موظفيه. في المقابل، يُمثل عباس القوصي، المحامي، وجهة النظر المصرية المعارضة لعبد الناصر، بينما يقف شقيقه جليل على النقيض، إذ يتحمس بشدة لثورة الضباط الأحرار، وينضم إلى «التنظيم الطليعي»، ويبدأ في كتابة تقارير ضد المعارضين.

كما نجد شخصيات شعبية محببة مثل عدلي الأسود، الرجل القوي الذي يعمل في أحد الملاهي، لكنه يتميز بأخلاق نبيلة وحرصه على حماية المظلومين. أما نعمت، المرأة التي عانت من ظلم عائلتها، فتدفعها الظروف إلى الهروب والعمل كراقصة، قبل أن تقع في حب عدلي الذي يوفر لها الحماية والمأوى.

تبرز الرواية الفروق الطبقية بوضوح بين النخبة الأرستقراطية، مثل روّاد مطعم «أرتينوس»، والطبقة الحاكمة الجديدة، أي الضباط وعائلاتهم، الذين يسعون إلى تقليد الأرستقراطية، لكنهم يفشلون في فهم قواعدها.

عبر هذه المقارنات، تنتقد الرواية التغيير الاجتماعي القسري الذي تمّ عبر مصادرة الممتلكات وإعادة توزيع الثروات بشكل غير عادل (وفقاً للطبقة المتضررة).

يعتمد الأسواني على تقنية الراوي العليم الذي يعرف كل شيء عن ماضي الشخصيات وحاضرها ومشاعرها، فيروي الأحداث من وجهات نظر متعددة، ما يخلق فسيفساء سردية تعكس تناقضات المجتمع.

يعزز هذا التعدّد فكرة غياب «الحقيقة المطلقة» في ظل نظام الحزب الواحد. كما يستخدم الكاتب تقنية الارتداد الزمني (الفلاش باك) لربط الماضي بالحاضر، كحكاية نهى الشواربي التي صودرت أملاك عائلتها بعد الثورة، أو ذكريات كارلو مع جورج أرتينوس.

تبدو الحوارات في الرواية حادةً وذكية، لتكشف عن الصراعات الداخلية للشخصيات. تعكس نقاشات «الكوكاس» في مطعم «أرتينوس» صراع المثقفين مع السلطة، بينما تُجسد محادثات شانتال وعباس حول الديموقراطية والديكتاتورية الصدام بين الفكر الغربي والواقع الشرقي. حتى حوارات نعمت مع عدلي أو مع عائلتها تُظهر معاناة المرأة بين الحلم والاستغلال.

يستخدم الأسواني أسلوباً ساخراً في نقد النظام، مثل وصف اجتماعات «التنظيم الطليعي» السري الذي يتجسّس على المواطنين، كما يُركّز على تفاصيل الحياة اليومية، مثل الملابس، والأطعمة، والأماكن، ما يجعل النص مرآةً للمجتمع الإسكندراني في الستينيات.

لا يكتفي الكاتب بانتقاد السلطة فقط، بل يوجّه نقداً غير مباشر عبر شانتال للشعب المصري الذي يعشق صورة الزعيم ويتماهى معها.

هكذا تنتهي رحلتنا مع أشجار الأسواني في إسكندرية الستينيات، حيث يرسم لنا الكاتب لوحة خاصة به عن حقبة تاريخية مثيرة للجدل! وكما نقول باللهجة المصرية: «الفن مرايات كتير... كل واحد بيشوف وشه في مراية مختلفة»!


يُقدّم لنا الأسواني زاوية نظر شخصية بامتياز، مثل طبق فسيخ في وليمة متنوعة، بعضهم يعشقه ويعتبره من ألذ المأكولات، وبعضهم الآخر يغلق أنفه فور تنشق رائحته! هي ذائقة الكاتب الخاصة التي تعكس رؤيته للتاريخ وموقفه من السلطة، لا أكثر ولا أقل.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك