ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

في ذكرى كوكب حمزة: وَتَرٌ منفردٌ من مَقام الأسى

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

كان ثمة خلاف بين سعدي يوسف وكوكب حمزة حين نشرتُ على صفحتي في فايسبوك، شيئاً عن سعدي وأهمية شعره فعلّق كوكب: «سعدي مهندسُ ذائقتنا الشعرية». 

محمد مظلوم
محمد مظلوم
السبت 5 نيسان 2025
شتَّ هو أيضاً من العراق هارباً من القمع، فمعارضاً للنظام، فمناضلاً في الكفاح المسلح
شتَّ هو أيضاً من العراق هارباً من القمع، فمعارضاً للنظام، فمناضلاً في الكفاح المسلح
الخط


كان ثمة خلاف بين سعدي يوسف وكوكب حمزة حين نشرتُ على صفحتي في فايسبوك، شيئاً عن سعدي وأهمية شعره فعلّق كوكب: «سعدي مهندسُ ذائقتنا الشعرية».
لن أقف هنا عند سمات النبل والفروسية واحترام الرموز وإنجازاتها وهي صفات يعرفها كل من عرف كوكب، لكنها مُناسبةٌ لأستعير عبارة كوكب لأصفه بها «إنه مهندس ذائقتنا الموسيقية» ولجيلنا تحديداً.

ففي كل جيل هناك مؤسسون للوعي والوجدان والذائقة، وكوكب من بين أبرز الفنَّانين الذين تنكَّهتْ ذائقتنا الموسيقية بعذوبة ألحانهم التحديثية التي تغرف من ينابيع شتى لتؤسس لألحان تجمع بين الأصالة والتجديد، وتخرج الغناء العراقي من نمطية الفولكلورية البغدادية والريفية الجنوبية والعَتَابا في المناطق الغربية، إلى فضاء الحداثة التي تستقي أعذب ما في هذه الينابيع لتقدِّم شكلاً موسيقياً معاصراً في بنائه وتنقُّلاته.

أما قِصَّة علاقتي بكوكب فأظنُّها تستحقُّ أن تروى.

فقد أحببتُ صوته في مُراهقتي. وحين أقول أحببت «صوته»، فكأني أسمعه الآن وهو يخاطبني مازحاً كعادته: «شكراً على حُسْنِ ذمَّكِ لي!».

فدائماً ما تندَّر كوكب على صوته الذي خَشَّنهُ التدخين والكحول والربو المزمن. وطالما وصّف نفسه بأنه ملحِّنٌ وليس مُطرباً، لكنّ ثمة ألحاناً أداها بصوته لم يجاره في أدائها «المطربون»، فبقي تذوُّقُها حصرياً بصوته لا سيما: «محطَّات» و«الگنطرة» و«نحبكُمْ». وبقيت تلك «البحَّة المصحوبة بآهةِ آسى من نفس عميق» علامته الفارقة حقّاً، فهي تُضفي إحساساً مُضاعفاً بصدق الأداء وعمقه وشجنه.

مذ ذاك صرت ألاحق شتات أغانيه الممنوعة في العراق على قلَّتها، بعدما شتَّ هو أيضاً من العراق هارباً من القمع، فمعارضاً للنظام، فمناضلاً في الكفاح المسلح.

ومن صُورته المختلفة أحببتُ شخصيَّته، منذ رأيته أوَّلَ مرَّة بالأسود والأبيض على شاشة «القناة 9» في التلفزيون العراقي، فناناً وسيماً لا يرتدي بدلة رسمية وربطة عنق كما اعتاد نجوم ذلك الزمان، بل ظهر بكنزة وقميص، وبلا مصاحبة موسيقية ولا جوقة تقف خلفه، بل يجلس منفرداً على كرسي وسط الظلام مع إضاءة مسلّطة عليه، محتضناً عوده كأنه في حوار ذاتي موسيقي منفرد، يعزف ويغني محلقاً وربما غائباً في نشوةٍ ووجدٍ صوفيين.

هكذا عُقدتْ بيننا صداقةٌ بصريَّةٌ، من طرفي على الأقل، من قبل أن نلتقي.

وحين وصلتُ إلى دمشق هارباً عبر نهر الخابور عام 1991 كان كوكب قد غادرها إلى الدنمارك، لكنه ترك كامل روحه وظلالاً من جسده في حاراتها وحاناتها ومقاهيها وبيوتها. لِذَا سرعان ما التقينا، فقد اعتاد المجيء كل عام، ليقضي معظمه حاجاً ومُعتمراً يجمع شتات روحه وشظايا ذكرياته. وهكذا توطَّدَتْ علاقتنا الشخصية عبر أكثر من ثلاثين عاماً مع تجدُّد لقاءتنا، وسهراتنا وارتكاباتنا في مقاهي وحانات دمشق أو بيوتنا أو بيوت الأصدقاء: ولا ينسى أن يذكِّرني أكثر من مرة في أكثر من مكان: «أفضلُ قرار بقائك في سوريا، أنت في قطب العالم الآن وأنا في القطب المتجمّد! وكلُّنا نأتيك من كل فج عميق، فلا تترك دمشق فتصبح منفياً مرتين».

لكن مع تردِّي الوضع في سوريا على نحو يعتصر القلب ويقترب من الفجيعة وتقلص محيط الأصدقاء في الشام شيئاً فشيئاً بالموت والسفر والمنفى، غابَ كوكب عن أحبِّ مدينةٍ على الأرض لقلبه.

ما وطَّدَ علاقتي بكوكب، إنّ الصورة البصرية التي ارتسمت في ذاكرتي عن شخصيته، لم تنتكس أمام حضوره الفعلي المباشر، وأنا مضطرٌّ هنا إلى القول إنّ غالبية من عرفتُ من الفنانين سرعان ما تتبددَّ مناقب فنّهم، بل تتحول إلى مثالب حالما أتعرف إليهم شخصياً.

حتى صرتُ أتجنَّب معرفتهم. أما كوكب، فلم يكن على سجية وفطرية غالبية هؤلاء. كان قارئاً شغوفاً للأدب شعراً ونثراً وتلك كانت من جوانب محنته الفنية أيضاً.

تأنس لمجالسته لأنه ليس غريباً عن عالم الأدب كشأن معظم الفنانين في عصرنا، بل يقرأ بعمق وله رأي بما يقرأ. فاجأني يوماً بعدما قرأ ديواني «بازي النسوان» برأي نقدي ينمُّ عن بصيرة، مفسراً تعدُّد الأشكال الشعرية في مضمون نص طويل، بأنه كناية عن نزعة تعدُّدية في شخصية زير النساء. كما إنّ علاقاته بالأدباء أوسع وأعمق مما هي مع الفنانين.

وكان يشعر بداخله أن فنَّه ينبغي أن يغادر منطقةَ الشعر العامي، لا سيما مع تراجع جودة نصوص هذا الشعر. ربما لهذا انسحب جزئياً لتأليف الموسيقى التصويرية للمسرح والتلفزيون والسينما. وكان يدرك أن عليه أن يتحرك وينعطف نحو منطقة الشعر الفصيح، ودائماً ما أبدى حلمه بتلحين أشعار لعمر الخيام وحافظ الشيرازي والحلاج والبياتي وسعدي يوسف وسواهم. لكنه استصعب الطريق إلى تلك المنطقة فآثر الصمت اللحني للأغنية.

من يعرف كوكب عن قرب، يعرف أنه إنسانٌ محبٌّ للمرح ومسكونٌ بالغضب الأبيض والسخرية السوداء.

ومن يسمع ألحانه لا سيما بواكيره في حقبة السبعينيات، يدرك أنه فنَّانٌ مَليءٌ بالموسيقى وموسيقاه تجمع بين إيقاع الأرض وأنغام السماء، وهي لا تصدر من وتر العود المباشر، بل من حركة الجسد والحياة، تستمد طاقاتها من ذبذبات أرواح الكون اللامرئية.

لعلَّها جاءت من ذلك العالم الغيبي لتأثير اسمه الشخصي، فحين كتب فيثاغورس عن موسيقى الكون، عدَّ الانسجام في حركات الأجرام والمجرات السماوية شكلاً من أشكال الموسيقى. والأرض بمن فيها ترقص في دورانها، على موسيقى حركة تلك الأجرام.

قد لا تكون هذه الموسيقى مسموعة مُباشرةً، لكن يمكن للروح أن تشعر بها ما إنْ تُصغي لها بعمق. وربما تشكّلت هذه الفكرة في لا وعي كوكب أيضاً وليس في اسمه فقط، وربما لهذا خاطب النَّجمة شقيقةً له وناداها «يا دَادَة» في أقدم لحنٍ مُسجَّل من ألحانه.

موسيقاه تجمع بين السلطنة الطربية والاحتفال الجسدي بالرقص. وتنطوي على مزيج من تأثيرات الحزن السومري والبابلي والكربلائي وصولاً إلى العصور الحديثة في عراق الفجائع. لاحظ المَدَّ والأنين في حروف العلة بألحانه، كما في أغنية «ابنادم» التي تتحوَّلُ فيها حروف العلة الليِّنة: الألف والواو والياء، إلى هاءات متكسرة تجسد آهات مديدة.

ورغم أنه درس آلة الفلوت الغربي في معهد الفنون الجميلة في بغداد وسافر إلى أذربيجان لدراسة الموسيقى الشرقية في جامعة باكو، إلا أنّ مصادره النغمية والإيقاعية بقيت مستمدة ومتجذّرة في المكان الأول حيث المواكب الحسينية وطقوس عرس القاسم بشموعه وحِنَّته، ودقّ الطبول وقرع الصنوج على طريق المواكب وطقوس عاشوراء التي تذكّر بالطبول الأفريقية ورقص زنج البصرة وصيحات ثوَّار علي بن محمَّد التي استمدها خلال إقامته في البصرة معلماً للموسيقى.

وكذلك الحال مع إيقاع «الهيوة»، لا سيما في الأغاني التي لحَّنها للراحلة مائدة نزهت. وربما كان الابتعاد عن هذه المصادر يفسّر عدم إنجازه في المنفى ألحاناً مهمَّةً تضاهي عطاءه في عراق السبعينيات. فقد تحوَّل المنفى إلى سؤال وجودي صعب بالنسبة إليه، ومحنة شخصية وإبداعية حتى وصل إلى الصمت الموسيقي. وأنا أفهم مثل هذا الصمت. صمت يضمر في جانب منه احتجاجاً على الرداءة السائدة.

كذلك، إنَّ أيَّ عمل غنائي مهما بلغ من جودة حتَّى وإن كتبه أحمد رامي وغنته أم كلثوم ولحنه السنباطي الذي كان يراه «أسطه» ومبتكراً أصيلاً في عمله، وليس «مقتبساً شاطراً» كعبد الوهاب، لم يكن ليحظى وسط ضجيج راهننا النشاز ما كان يحظى به في تلك الأزمنة من متذوّقي النُّخبة والجماعة.

أتذكَّر مرة أنه أبدى إعجابه بصوت من جيل الشباب ظهر في أحد برامج الغناء، فقرَّر أن يقدم لهُ لحناً قديماً لقصيدة مظفر النواب (مرينا بيكم حمد) وبتوزيع موسيقي جديد، لكن يبدو أن الأغنية لم تلق رواجاً يضاهي رواج أغانيه القديمة.

كانت محنته في انحسار عطائه، وفي بحثه عن الموسيقى خارج حدود الغناء (السائد) تشبه محنة رامبو في تقصي الشعر في أمكنة أخرى خارج القصيدة.

انتهت رحلة كوكب البابلي في الحياة وموسيقى الأرض في منفاه الدنماركي من دون أن يعبر «تلك القنطرة البعيدة» ليصل إلى الوطن الحلم لكنه وصل الأبد في رحلته نحو الأعالي. فهو «كوكب» عَبرَ مجاز اسمه ليستعيد مكانه في السماء. فالأجساد ترقد في مكان ما، بينما تبعث الأرواح في مكان آخر.
* كاتب وشاعر عراقي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك