الحالة اللبنانية بين الطائف والطائفة... «معضلة» العيش المشترك

«إنّ الفينيقيين لم يكونوا جماعةً أو شعباً واعياً بذاته، فمصطلح فينيقي اختراع يوناني، ولا أدلّة وجيهة في المصادر القديمة الباقية على أنّ الفينيقيين نظروا إلى أنفسهم أو تصرّفوا بطريقة جماعية تتجاوز مستوى المدينة وفي حالات كثيرة مستوى العائلة فقط» (جوزيفين كوين ـــ كتاب «الفينيقيون اختراع أمّة»)
منذ مدّة ليست بطويلة، صرّح وزير الخارجيّة اللبنانية الحالي يوسف رجّي بكلّ أريحية بأنّه حمل السلاح وشارك في القتال إبّان الحرب الأهلية في لبنان. أمر ذو دلالة ليس لأنّ متحزّباً قواتياً أصبح مسؤولاً ذا صفة رسمية دستورية في الدولة، إنّما لأنّ منصبه يختزل الوضع اللبناني في قدرة «الخارج» على تأجيج وتأليب الداخل، خصوصاً في السياقات الهشّة التي يمرّ بها لبنان اليوم.
يوسف رجّي «بطلاً»
يأتي تصريح أوِ اعتراف رجّي كنوع من تذكير ودغدغة. تذكير الخصوم ودغدغة الجماهير بأنّه كان بطلاً في يومٍ من الأيام.
في لبنان، يجري الأمر كالآتي: لم تعد تهمة ولا إدانة أن يعترف من شارك في الحرب بأنّه شارك فيها فعلاً، فقتل اللبناني للبنانيّ ليس تهمة، وإلغاء الآخر ليس إدانةً في المطلق.
إنّ المشاركة هاته تحوّلت إلى قصّة فخر. وسام يُعلّق على الصدور بهدف التباهي، فأن تكون مقاتلاً في تلك المدة يعني أنْ تكون طليعيّاً في صفوف الجماعة التي تنتمي إليها، وأن تسعى إلى أنْ تكتسب شكل المقاتل ومظهره وهويته.
الفينيقيون لم يكونوا جماعةً أو شعباً واعياً بذاته (جوزيفين كوين ـــ كتاب «الفينيقيون اختراع أمّة»)
في كتابه «لبنان في مدار العنف»، يشير المؤلف والباحث سمير خلف إلى هذه الظاهرة بالقول إنّ «حمل السلاح والمشاركة في المعارك أثناء تلك الفترة، كان موضع فخر للمقاتلين واعتزازاهم، وكان الشباب يفاخرون بكل ما له علاقة بمظهر المقاتل والميلشياوي من لباس وسلوك وطريقة عيش، ويعتبرونه دليل رفعة اجتماعية ومصدر قوّة وتثبيتاً للرجولة».
ولربّما كان ذلك سبباً رئيسيّاً في استمرار القتال وتماديه ووحشيته كأنّه صار شيئاً أشبه «بالإثم المألوف» إلى حدّ أنّنا أصبحنا نطلق على تلك المرحلة، تلك التسمية المبتذلة «الأحداث» مجرّدةً من أدنى مشاعر الذنب أو الحسّ بالإساءة أو محاسبة الذات.
الجريمة بلا عقاب
منذ أنِ انتهت الحرب الأهلية، وبات الطائف هو الخلاص، تحوّل الحديث عن الحرب إلى فولكلور، اعتادت الأجيال السابقة للطائف واللاحقة عليه على فكرة «الجريمة بلا عقاب».
وصار الثالث عشر من نيسان (أبريل)، ذكرى ليست لتراجيديا حقيقية عاشها اللبنانيون بتعددّهم، بل لاجترار التهم بشكلٍ أجوف ورمي الإدانات لمجرّد الخصومة السياسية، في حين أنّ المراجعة الحقيقية لكلّ تلك الحقبة بقيَت مهمّشة وهامشية وغير ذي جدوى، ليس بسبب التعالي على الجراح ونسيان الماضي و«زتّ» الأشياء خلف ظهورنا، بل لأنّ حاجة أرباب «الطائف» غير اللبنانيين كانت قد وصلت إلى حائطٍ مسدود مع أرباب حاجة «الطائفة» اللبنانيين، فكان الاتفاق من جنس اللااتفاق.
كنّا صغاراً حينئذٍ، ولكن لم نكن نظنّ عن عبث بأنّ الطائف هو مذكّر الطائفة. هذا التشابك بين الداخلي والخارجي إذن، هو الأساس الذي بُنِيَت عليه السلطة في لبنان على مدار تاريخها.
وبالتالي هو السبب الأول في غياب فكرة بناء دولة المواطنة الحقيقيّة. فمنذ العام 1843 مروراً بعام 1989 وصولاً إلى التاريخ الراهن، فإنّ كلّ هذه الاتفاقات والمواثيق جاءت في واقع الأمر بعد نزاع طائفي أو جماعي مرير (1843، 1861، 1989) أو بعد مفترقات مهمّة وخطيرة في تاريخ البلاد السياسي (2008).
في المبدأ، فإنّ كلّ تلك المواثيق تناولت المسائل ذاتها كهوية لبنان والتوازن الطائفي والسياسة الخارجية، وسط أوضاع إقليمية وعالمية متغيّرة.
والثابت دائماً أنّها جميعها تمّ التوصّل إليها بواسطة حكومات خارجية وأجنبية، مع التسليم بكون الولاءات الطائفية حقيقةً واقعة في لبنان ولا سبيل لتجاوزها إلّا بالالتفاف عليها بالتوافقية والميثاقية والمناصفة والعيش المشترك ليس بين الأفراد، إنّما بين الطوائف، من دون البحث عن حلول جذرية وعلمانية ووطنية عابرة لكلّ هذه الفئوية التي تهدّد الجميع.
التعدّدية آفة؟
لا يعني ذلك أنّ اللبنانيين أنفسهم بين بعضهم كانوا في وضع رومانطيقي ووطني ثمّ جاء «الغريب» فغيّر من واقعهم وأساء إليهم، بل عليهم ما عليهم في المحصّلة.
في علم الاجتماع السياسي، برزت معالجات عدة ومقاربات متنوعة ثرية ومهمة حول فكرة التعددية داخل المجتمع الواحد وبين القومية الواحدة وشكّلت منطلقاً للتفكير في عقد اجتماعي جديد يسهم في انعكاس المبدأ التعدّدي وثرائه على الأنظمة السياسية، لكن ليس هناك مجال الآن للتوسّع فيها. لكن من الضروري الالتفات للتعددية كآفة في لبنان: بدل أنْ تشكّل ميزةً استثنائيّةً وأرضيّةً لثرائه ومنهلاً للتنوّع والغنى الثقافي فيه، باتت تولّد ترسّبات من عُقَد الاضطهاد والعدائية والتمايز والاختلاف والاستعلاء.
بهذا المعنى أيضاً تبدو مشاعر العداوة اليوم ـــ وإن كانت مظاهر العنف قد خمدت ــــ أكثر عمقاً وأبعد مدى من حيث الأشكال التي تتّخذها.
يشبه ذلك مجتمع السيناريو المقطّش الذي هو حقيقةً شبيه بحال المجتمع اللبناني. تنوّعه هذا عبثيّ وبلا جدوى، فلم يكن يوماً ميزةً فيه، وبالأحرى لم نستغلّ ذلك كميزة منتجة لما يستحقّه.
ولذلك، لم نشكّل سرديتنا بعد كشعب، علقنا في مقدّمة غير متّفق عليها، وعجزنا عند الحبكة عن إيجاد حلّ أو فتح أفقٍ ما.
لا نزال نمارس الدور ذاته، الألفاظ نفسها، والذهنية عينها. في نمط مماثل من السيناريوهات، يكون النصّ منقوصاً ومضغوطاً وغير عام، أو بكلّ بساطة قد يكون نصّ مسوّدةٍ لم تكتمل بعد.
المجتمع اللبناني ينتمي إلى مجتمعات المسودة، إلى تجارب التاريخ التي لم تكتمل بعد شروطها، أوِ اكتملت ولم نعِها للآن!؟ لذلك، بتنا نعتاش على الخبرية. التاريخ لدينا مبنيٌّ على منطق «الخبرية»، وللهجة اللبنانية حقلها المعجميّ الهائل لكلمة «خبرية»، لأنّها عبارة عن مجال مفتوح للتخمينات.
فالخبرية حين تكون عامّة بشكل أفقي عند اللبنانيين شيء، وحين تكون ضيّقة بشكل عمودي عند الطائفة، فهي شيءٌ آخر تماماً. ليس لأنّ سياق الخبرية كخبرية يتغيّر من/ إلى، بل لأنّ محتوى الخبرية عند الطائفة كلّه مختلف حين يكون عامّاً. في العام، فخبريات الجميع تريد لبنان الحلم، وتتغنّى به شعباً مُحبّاً لأفراده، إلّا أنّه من بداهة الأمور إدراك أنّ الشعوب التي تمتلك ذاكرة، لا تحتاج إلى التكرار.
القبّعات البيض ضد القبّعات السود
في لبنان، تبدو الحاجة ملحّة عند الجميع أنْ يكرّر بأنّ لبنان الحلم كان وكان... وأنّه آتٍ وأنّ تنوّعنا سيكون هو النعمة الموعودة التي نُحسد عليها. لا تُبنى الأوطان بفعل التكرار والاجترار.
الأوطان تُبنى ببناء الذاكرة. نحن حتى الآن لم نبنِ ذاكرة وطنية، لم نكتب التاريخ كما يجب، فكيف سنقرأه كما ينبغي؟ لذلك، ففي المقلب الآخر «منطق الخبرية»، تظهر الطائفة وتتلبّس لبوس راوي الحكاية.
يصير التاريخ لديها، قائمةً مليئةً بأنواع القصص والحكايات والأحداث التي تنتقي منها الجماعة خبرياتها عن نفسها وعن الآخرين.
هي انتقاءات عادةً ما تكون محصورة بين خيارين: أيّهما يظهرنا كأصحاب القبّعات البيضاء التي تحارب أصحاب القبّعات السود!؟ السؤال ذاته تبني عليه الجماعات في المجتمع اللبناني حكايتها على حِدة. حكاية مكتملة الأركان ولكنّها في نهاية الأمر قصّة زقاق في الشارع الكبير.
مثلما يقول ألكسي دو توكفيل بأنّ مجموع المصالح الشخصيّة ليس هو المصلحة العامّة، فكذلك الأمر أنْ تكون مجموع خبريات الأزقّة كافّة في لبنان، ليست هي نفسها النصّ الكامل للسيناريو/ التاريخ.
ولذلك، ليس أمراً غريباً أنْ يبدي المجتمع اللبناني التعدّدي ذو التركيبة الضعيفة التي تعصف به الخصومات الإقليمية والعالمية، ميلاً قويّاً نحو الخصام والإلغائية والتلويح بالعنف دائماً. ذلك أنّ أيّ بيئة سياسية منقمسة كهذه البيئة، لا بدّ من أنْ تعاني نقصاً في تماسك نسيجها الاجتماعي وتشكّل سبباً أساسيّاً في ما يزعزعها من الاضطراب السياسي.
لذا، فإنْ صحَّ أنّ الأوطان بترجمتها العاطفية هي مكان ترتاح لانتمائك وأمنك واطمئنانك فيها، فإنّ ذلك ليس كافياً. ليس بالوجدان فقط تقوم الأوطان. إنّ للتجربة الإنسانية السياسية مخاضاتها وحكمتها. ولذلك تتحدّد أكثر مسألة تعريف الوطن وتتأطّر بشروط تقتضيها التجربة.
هل قلت «وطن نهائي»؟
هناك طرفة تاريخية في الدستور اللبناني بأنّ لبنان وطنٌ نهائي لجميع أبنائه. التلقّي البريء للعبارة يوحي بأنّ مخاض حرب الـ75 ولّد لدى اللبنانيين تعريفهم الكبير للوطن ولأنفسهم، فيما الواقع لا يرقى إلى لغة العبارة.
لذلك، فالدساتير التي لا يكتبها المجتمع هي دساتير سلطة وليست دساتير أوطان. لبنان الوطن مفهوم غائمٌ جدّاً، والوطنيُّ اللبنانيّ إشكاليّةٌ قائمة بذاتها. ولذلك، ما جاء في الدستور كلام يشبه كلام الأغاني الوطنية ولا يعكس قيماً ورؤى وفضائل.
فالهويات ليستْ حقائق بسيطة وجوهرية ندخل عليها بالميلاد في هذا الشعب أو ذاك، بل تبنيها السياقات الاجتماعية والثقافية التي نعيش فيها، ويبنيها الآخرون، ونبنيها نحن أنفسنا.
وعليه، فإنّ للمفارقات دورها في تبيان ما في لبنان من إشكاليات، إذ يذكر الدكتور سمير خلف في كتابه المذكور آنفاً: «ثمّة مفارقة ظهرت إبّان الحرب، هي أنّ الجماعات التي عانت من فظاعات الحرب وجروحها أكثر من سواها لم تكن في الضرورة هي نفسها الجماعات التي انعكست عليها تلك المعاناة بمظاهر الكآبة واليأس أكثر من غيرها.
فكيف إذن استطاعت بعض تلك الجماعات ممّن أصابتها الحرب بأكثر ممّا أصابت سواها من الضرر تحمّل تلك الويلات والمصائب من دون أنْ تطغى على حياتها مظاهر البؤس وانهيار المعنويات؟ إنّها واحدة من الحالات المحيّرة الكثيرة التي وقع فيها اللبنانيون، فكلّما صاروا أقدر على مواجهة مآسي الحرب والتكيّف مع معطياتها، استمدّت الحرب من هذه القدرة بالذات نَفَسَ حياةٍ جديداً وطال أمدها».
لا غالب ولا مغلوب
إذا كان ذلك واضحاً وبيّناً أثناء الحرب، فلا غرابة إذن من أنْ تتمظهر تلك الحالة بمفارقة أخرى راهنية وكثيراً ما قيلت وتُقال هي إنّ القادرين على الحرب الأهلية الآن لا يريدونها فيما غير القادرين عليها يستميتون لها.
في الحرب والسلم، ثمّة مسألة واحدة تتّخذ أشكالاً متعدّدة، فلا بدّ والحالة هذه، من الأخذ في الحسبان ذلك المفهوم الشعبي الشاذ حول اللاغالب واللامغلوب الذي دائماً ما اختصّ فيه تاريخ لبنان السياسي واعتبره اللبنانيون أشبه بالمسلّمات.
ويصبح من المفهوم كيف أنّ العنف يجد باستمرار الظروف الملائمة لتجديد دورته. ولذلك هي إشكالية عميقة بأنّ عنف الحرب الطائفية حيناً وسلام الطائف حيناً آخر، لم يحلّا يوماً الخلاف الداخلي ولم يزيلا الفوارق الاقتصادية ولا فتحا للبلاد معبراً نحو حياةٍ أكثر مدنية وسلميةً وتعددية وملاءمةً لفكرة العيش المشترك.

