مَن يعبر الطريق أولاً
عادت «حياة» إلى مكانها على الأرض بعدما أقفلت الباب من خلفهما. ما إن استراحت وأخذت مكانها، حتى دوّى صوت رصاصة.


عادت «حياة» إلى مكانها على الأرض بعدما أقفلت الباب من خلفهما. ما إن استراحت وأخذت مكانها، حتى دوّى صوت رصاصة.
صرخت «حياة» بملء صوتها «يا نبيل» وتوجّهت مباشرة نحو الشباك، انتصبت لقصر قامتي بقدميّ الاثنتين على «المسند» قربها: كان نبيل ممدّداً على الأرض وفادي يجره: «الله يخليك يا فادي ما تتركوا».
غادرتِ البيت مسرعة فيما بقينا على الدرج ننتظر. زارنا غرباء يرددون أن الامر بسيط: مجرد جرح في الساق.
عبَر الصديق الطريق أولاً ثم لحق به نبيل. القنّاص يشاهد العابر الأول لكنه يصوّب على الثاني. عند إطلاق الرصاص، هرعتُ مباشرة خلفها.
خرجت من البيت حافية القدمين. حاولت مع محمد منعها من عبور البنايتين حيث لا يزال القناص يتربص حُكماً، ومشينا من طريق الملجأ.
أخذنا سمير ابن جيراننا إلى المستشفى، جلست أنا في الأمام أمام السائق ونبيل تمدّد في الخلف على ركبتي «حياة». رحت ألتفت بين الفينة والأخرى إلى الخلف.
كان يحدق بها عابساً، ربما لأنها كانت تولول وتنوح وتبكي بقوة. ثم أغلق عينيه عند مستديرة شاتيلا.
عندما وصلنا مستشفى البربير، قالوا لنا: «لماذا جئتم؟ إنه ميت، مات بين يديها». ثيابها كلها ابتلت بدمائه. جاءت الجارة مريم جفال باكيةً تندب «حياة» وحظّها.
رحت أمعن النظر فيها. «ماذا يصيب البشر»؟ كانت في البدء جافةً باردة والآن تبكي. ليس هناك أحد حتى تبكي أمامه. بعدها أطلت سهام، ما إن تجاوزت عتبة الباب، حتى راحت تبكي: كنت ألاحق النسوة منذ دخولهن حتى خروجهن. لماذا يبكين عند العتبة وبعد خروجهن يستأنفن الثرثرة؟
صوت القرآن بدا عالياً ومزعجاً. بالكاد أسمع ما يقولون، فوضعت كفي على أذني. راحت «حياة» تخبط بكلتا يديها على الإسعاف، وتضرب بقدميها الأرض قافزةً إلى الأعلى، فهوى منديلها من على رأسها.
هي المرة الأولى التي أراها فيها خارج البيت سافرة الرأس. كان دمه الأحمر يغطي كنزتها الصفراء.
