الحرب السورية... كابوس ليتني لم أره!
قبل عام 2011، أذكر جيداً أنني كنت لا أعير اهتماماً للنقاشات السياسية التي تتحدث عن الحروب الأهلية حول العالم، لأني كنت اعتبر أنّ الأمر لا يعنيني ولن يعنيني مستقبلاً، فأنا سوريّة


قبل عام 2011، أذكر جيداً أنني كنت لا أعير اهتماماً للنقاشات السياسية التي تتحدث عن الحروب الأهلية حول العالم، لأني كنت اعتبر أنّ الأمر لا يعنيني ولن يعنيني مستقبلاً، فأنا سوريّة، أنتمي إلى وطنٍ لا أعرف فيه كيف أفرق بين طوائف المسلمين، وأُطرب بأجراس الكنائس يوم الأحد، واندفع فضولاً نحو كل ما هو كردي، كما لو أنّ جسدي خريطة للبلاد، تؤلفه 14 محافظة، متجانس حد الاختلاط!.
ذات يوم، حدثني والدي عن الحرب الأهلية في لبنان، وكم أزهقت من الأرواح فيها.
ولأنّ لبنان هو جار الجغرافيا، كان وقع الحديث ثقيلاً. وبدأت أسأل وأسأل: هل هناك أبشع من مصطلح «حرب أهلية»، إذا كانت بين أهل حي واحد أو مدينة واحدة أو بلد واحد، فلمَ على الأهل أن يتقاتلوا فيما بينهم، ولمَ يجب أن نفقد ونخسر في معركة لا أحد سينتصر فيها على الإطلاق، فكل فقيد هو فرد من العائلة الكبرى، وأي عائلة تتعافى بعد الخسارة؟
ظلت هذه الإجابة في رأسي حتى عام 2011، عندما سمعت أنّ مزارعاً «درويشاً» قُتل في مدينة بانياس أثناء إيصاله الخضار والفاكهة إلى سوق الهال، وسُحل بعد ضربه بالسواطير فقط بسبب هويته الطائفية.
كانت هذه أول جريمة قتل تصدمني في سوريا، وظننتها في البداية «جريمة» واحدة. لكنني لم أكن أعلم أنها بداية «الحرب الأهلية»، ليس فقط في بانياس، إنما في سوريا كلها، وليست بين سني وعلوي، بل بين المذاهب مجتمعةً، لأنّ الجميع على حق، والجميع يريد إثبات ذلك بـ«الساطور».
زاد الشرخ، وتوسّعت الهوّة، بيني وبين صديقي، وبيني وبين جاري، مع أننا في دواخلنا نكنّ كل المحبة لبعضنا.
وددت في خضم الحرب «الأهلية» السورية أن أعبر النهر الفاصل بين قريتي وقرية مجاورة، لأزيح المتاريس، وأمسح الدماء عن السكاكين، وأخفض فوّهة القنّاصة عن أسطح المنازل المقابلة، وأسحب كرسياً عتيقاً تشبّع برطبة بحر بانياس، لأجلس مع أهلها، أشرب أنا «المتة»، وهم يشربون «الشاي»، على أن يكون هذا الأمر، هو سقف اختلافاتنا.
منذ 14 عاماً حتى الآن، ما زالت هذه الحرب مستمرة، ولو سألت سوريّاً لماذا؟ أقسم لك أنك لن تجد الإجابة، فالحروب الأهلية إنما هي أسرع طريقة لإنفاذ أيادي الشياطين نحو الداخل، بل إنّ الأسهل من كل هذا هو استخدام الدين كـ«طعم» لإذكاء الفتنة والاقتتال، فهو الفتيل الأسرع اشتعالاً في المجتمعات الإسلامية، خصوصاً في مجتمعات بلاد الشام، التي ما تزال تعتبر أنّها وصية على التاريخ، وامتداد لشعوبه بتوافقها واختلافها، ومذابحها ونكباتها!.
