ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بيروت 1992: بين فنادق الثقافة وخنادقها

ملاحق
|كلمات
حفظ المقالة

بعد سنتين على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، حين كانت بيروت في أولى فترات انتقالها من دفّة الحرب إلى دفة السلم، أصدرت مجلة «الناقد» ملفاً خاصاً عن بيروت ضمن سلسلة ملفاتٍ أعدّتها المجلة عن عواصم عربية ووسمتها بـ«عواصم ثقافية».

بول مخلوف
بول مخلوف
السبت 12 نيسان 2025
ذكريات حملها الجيل الحالي عن الحرب الأهلية رواها الأهل كحكاياتٍ قبل النوم (اريك كارنبرغر)
ذكريات حملها الجيل الحالي عن الحرب الأهلية رواها الأهل كحكاياتٍ قبل النوم (اريك كارنبرغر)
الخط


بعد سنتين على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، حين كانت بيروت في أولى فترات انتقالها من دفّة الحرب إلى دفة السلم، أصدرت مجلة «الناقد» ملفاً خاصاً عن بيروت ضمن سلسلة ملفاتٍ أعدّتها المجلة عن عواصم عربية ووسمتها بـ«عواصم ثقافية».

وقد حمَل الملف البيروتيّ عنوان: «بيروت 1992: بين فنادق الثقافة وخنادقها».

أيديولوجيا أدّت إلى الحرب

يعدّ هذا العدد من مجلة «الناقد» ملفاً باذخاً تناول بيروت مدة ما بعد الحرب، ويحيط بإحكام بالسياق الثقافي القائم آنذاك.

لم يكن هذا الملف نبشاً في أرشيفٍ ثقافيّ مثلما لم يكن عرضاً صحافياً كلاسيكياً لثقافةٍ حضرت قبل الحرب أو ثقافةٍ راجت مع الحرب. إنّما كان نوعاً من تصفية الحساب مع ثقافة ارتأت المجلة بأنها أدت إلى الحرب، ومحاكمتها.

كما بحث الملف في الثقافة انطلاقاً من سؤال الراهن.

«راهن» ثقافيّ عرفَ اجتراراً
لأدبيات الحرب وتوقاً محموماً
في تصوير جمالياتها

ورغم ما أورده الناشر والصحافي رياض الريس في الافتتاحية بأنّ: «الناقد» توسّعت أكثر في حواراتها من دون أيّ ادعاء بأنها حققت مسحاً شاملاً للثقافة اللبنانية»، إلا أن العدد نجح في تقديم صورة بانورامية عن مشهدٍ ثقافيّ شهدته بيروت في ذاك الوقت وقد تميّز بنزعةٍ رفضيةٍ عبثية.

والحوارات التي تكلم عنها رياض الريس هي حواراتٍ أجرتها المجلة مع أكثر من سبعين مثقفاً تناولت ثيمتين أساسيتين: الحياة الفكرية في بيروت، وعن دور الثقافة في الحرب ودورها في مرحلة ما بعد الحرب. معظم الإجابات لم تحمل طابعاً تقريرياً أو توصيفاً رصيناً مهجوساً «بموضوعية» أكثر مما كانت قنابل متفجرة ألقاها أصحابها على الأيديولوجيا بما حملته من «سردياتٍ كبرى» مهّدت ــ بحسبهم ـــ إلى الحرب الأهلية. نجد أيضاً تصويباً عنيفاً على «راهنٍ» ثقافيّ عرفَ اجتراراً لأدبيات الحرب وتوقاً محموماً في تصوير جماليات الحرب والركون على بلاغتها.

إلى جانب تلك الحوارات، انصرف المعدّان، وهما يحيى جابر ويوسف بزّي، إلى كتابة مقالاتٍ نقدية طاولت «حاضر» بيروت الثقافيّ، وتجليات الثقافة «الراهنة» في الفنون السبعة.

مقالات فجّة وحانقة لم تخلُ من التنظير والتأويل- تحديداً عند يوسف بزي- تتماهى من حيث الموقف الثقافيّ مع ما عبّر عنه الضيوف مع فارق بسيط كامن في نبرة المشاكسة التي نجد مقامها أعلى عند المعدّين.

لبنان السلام في «الكارت بوستال»

منذ البداية، يعترف يحيى جابر بصعوبة حصر الثقافة في لبنان في قالبٍ واحد. مع ذلك، نجده يقدّم نقداً مقذعاً «للثقافات» (اللبنانية) بأسرها، قبل أن يتوقف مليّاً عند ما يمكن وصفه بـ«ثقافة الحرب» ليصوّب سهامه عليها.

في مقالته المعنونة بـ«المؤسسات نوادي قرى. والصالونات جوقات زجل»، يكتب جابر: «ثمة ثقافة اغترابية تعتبر أن الزمن قد توقف في 13 نيسان 1975، وأن ما جرى من فظائع وحروب ليس من شيم أهل البلاد والعنف ليس من ثقافتهم، وأولو الثقافة هذه ما يزالوا محتفظين بألبوم ضخم من الصور التذكارية، ويعيدون اجترار فولكلور ثقافي، وإخصاب ماضٍ منفصل عن الشارع (...) والثقافة التي كانت تمجّد لبنان السلام سابقاً عبر ثقافة «الكارت بوستال» السياحية تحولت الآن إلى ثقافة فولكلور الحرب وبطاقات الخراب والندب وانزلقت إلى خرافة أندلسية منعزلة على كراسٍ هزازة أمام موقد الحرب، تتأمل وتستحضر أرواحاً ثقافية من مجلة «شعر» وأسطورتها وخرافتها».

سيعاود جابر الضغط على الزناد في مقالةٍ أخرى له ويطلق رصاصته على شعراءٍ تأثروا بمجلة «شعر».

في مقالته «هواجس النجومية»، يكتب جابر: «ما زال الشعراء الشباب في لبنان يستندون في تنظيراتهم ونصوصهم إلى مجلة «شعر» كمرجع ثابت وإرث يتيم في محاولات لوصل النسب تارة وإنكاره تارةً أخرى، بالإضافة إلى اجترار أسئلة أولى في الحداثة المفتوحة وكسر السائد الشعري وثورية اللغة... واعتزاز بمدينة كانت هي القابلة لولادة ورعاية شعر عربي حديث وشعراء عرب طليعيين في القصيدة العربية».

تبدو كتابة يحيى جابر حيث الكلام يفيض والجمل الطويلة تتدفق، احتجاجاً ساخطاً على ثقافةٍ حضرت في المرحلة التي أعقبت الحرب الأهلية اللبنانية وقد انشغلت باستعادة موضوعاتٍ وأساليب بات طرحها ممجوجاً إنما خطيراً.

ويبدو جابر أيضاً ناقماً على ثقافةٍ حضرت مرحلة ما قبل الحرب، وقد باتت ــ في زمنه ــ مرجعاً، أي مجلة «شعر»؛ هذه التجربة الثقافية التي تكتنف، كما كتب، «أساطير وخرافات».

محاكمة مجلة «شعر»

ثمة إيحاء خفيّ، أو فلنقل هناك ما يشبه الغمز في مقالات يحيى جابر يشير إلى كون مجلة «شعر» مذنبة، كأنّها تتحمل وزر الحرب والخراب. سيتكشف هذا المضمَر عند قراءتنا لمقالات يوسف بزي الذي تمترس في الخندق نفسه مع صديقه جابر، وفتح النار معه بغزارة على ثقافة الستينيات والسبعينيات وحتى الخمسينيات.

في مقالته «بيروت انتهت خرافتها وتقاعد أبطالها»، يكتب يوسف بزي: «والراهن ينعقد على نزعتين شديدتي الانطواء والمفارقة.

نزعة تنحو إلى حنين له شكل فولكلوري يتوق إلى يوتوبيا مفقودة في صورة بيروت الستينيات والسبعينيات، ونزعة تدّعي تجديد التمثيل تخالطها أفكار مموهة ومحتالة ومبتورة هي صورة تراجعية أخرى تجد تماثلها في نقيضها وفي أصوليات أو تشويهات استهلاكية تدل على ممارسة ساذجة».

ويكمل: «إنه المثقف الذي يبتز ذاكرة الستينيات والسبعينيات لتحصيل شرعيته الجديدة».

إنّ النزعتين تكلم عنهما بزي، وتطرق إليهما يحيى جابر، فـ«اليوتوبيا المفقودة» الذي ذكرها بزي نجد مثيلتها في «أساطير مجلة «شعر» التي أراد جابر تهشيمها، فيما المثقف المبتَّز عند بزي هو ذاك الشاعر الذي أخذ من مجلة «شعر» مرجعاً كما ذكر جابر. ولعلّ المراد قوله هنا هو إنّ الحرب الأهلية لم تنتهِ، بل مستمرة في استمرار من يتبنّى «نظرياتها» و«أدبياتها».

غير أنّ بزي يفصح، في المقالة عينها، بما اعتبرناه مضمراً في سياق جابر وهو، أي هذا المضمَر، نقطة ارتكاز الملف بأسره، والمتن التي تأسست فيه تلك الثقافة الرافضة والعبثية كما وصفناها آنفاً.

يكتب يوسف بزي: «والثقافي الذي كان المحرّض الفعّال نحو الحرب وهو نفسه الذي انسحب منها، يبدو المحرض الأضعف نحو السلم والمهمش في زمن الصياغة للهوية والمدينة».

والثقافيّ هذا الذي يتكلم عنه يوسف بزي ويحمّله مسؤولية «التحريض» على الحرب، هو تعبيرٌ مكثّف عن الفضاء التي تنضوي تحته كل تلك التسميات الواردة: ستينيات، وسبعينيات، وخمسينيات، ومجلة «شعر» وإلخ.

حرب على الحداثة

الثقافيّ إذا هو تلك السلطة التي يسعيان إلى تحطيمها، والقضاء عليها.

ذاك أنّ القضاء عليها لهو القضاء على الحرب نفسها. نحن إزاء حرب تشنّ على مشروع «الحداثة»، وليست مجلة «شعر» سوى واحدة من إفرازاتها.

فـ«الحداثة» هنا ترادف هذا الثقافيّ الذي يتجسّد في ملامح شاعرٍ «أخذ من مجلة «شعر» مرجعاً» وفي «المثقف المبتز»؛ الثقافيّ الذي يتجسّد كذلك في «وعود يوتوبيّة» و«أساطير خرافية».

لقد نجحت هذه «الحداثة» في خلق لغةٍ وتصوّراتٍ جديدة، غير أنها بقيت، كما نرى مع جابر وبزي، أسيرة مشاريع أيديولوجية. بالتالي إنها من الإرهاصات التي أدت إلى الحرب بأنها انطوت على رؤية سياسية تبتغي «تغيير العالم»، عوضاً عن مواءمة التناقضات (الخارجي) والتصالح مع المتشظي (الداخلي) كما سنجد لاحقاً.

في ملف «الناقد» الصادر بعد الحرب بعامين، نعثر على موقفٍ سلبيّ من «الحداثة» باعتبارها من السرديات الكبرى. إنها مشروعٌ أيديولوجيّ إذاً مشبّع بالأساطير، وبرطانة الكلام، وبالتنظير الذي لا تحدّه جغرافيا.

إنها رهطٌ ثقيلٌ من الأفكار السمينة التي، للمفارقة، تهاوت برمتها مع الحرب. فقد أقامت الحرب «فاصلة كبيرة بين قبل وبعد» كما كتب بزي في مقالته «الشعر ممتنع والقصيدة مبتعدة».

ولكي يسيل زمن هذا الـ«بعد»، لا بدّ من إجراء قطيعة فعلية مع الـ«قبل». سيتأسس هذا الـ«بعد» عبر النقد والمحايثة، أو باختصار عبر الممارسة كما سنجد لاحقاً.

ولعلّ هذا العدد من مجلة «الناقد» بمنزلة بيان تأسيسي لهذا الـ«ما بعد»، لـ«هوية» جيلٍ عرفت تجاربه الإبداعية في ثمانينيات القرن الماضي (يوسف بزي، يحيى جابر، إسكندر حبش، شارل شهوان...) وتمايزت عن الجيل «الحداثي» الذي سبقه.

سلطة صنمية وآلة تنظير

على أنّ رفض مجلة «الناقد» لـ«الحداثة» ليس دعوة إلى النكوص بمعنى الارتداد إلى الوراء، ولا يعني التداوي بتهويمات رومانتيكية.

ليس المطلوب الاستعاضة عن الحداثة بنزوعٍ صوب زمن غابر وإعادة إحياء القديم من جديد. مع «الناقد»، نجد نقداً «للحداثة» باعتبارها المسؤولة عن الحرب، إلا أنّ هذا النقد-الحداثيّ أسلوباً ومضموناً- ليس دعوة إلى التخلي عن الحداثة، بل هو في صميمه، ممارسة حداثية، ولربما هو إرجاعُ الحداثة إلى النقطة صفر.

لقد أضحت «الحداثة» (اللبنانية) سلطةً صنميةً يسعى الجميع إلى اعتناق أفكارها، وتقليدها، والامتثال بها كنموذج راسخ، كمؤسسة، عوضاً عن كونها ــ الحداثة ــ تفلّتاً وانعتاقاً وارتجالاً. استبدلت «الناقد» إذاً النظرية بالممارسة.

على هذا النحوّ قوّضت مساراً (حداثيّاً) اعتبرته معوجّاً، معتبرةً تلك «الحداثة» آلة تنظير، ثرثرةً، أو «لتلتة» سفسطائية.

وحينما أخذ «الحداثيون» خيار الممارسة، فقد حضرت الحرب. لقد كانت القرية اللبنانية رمزاً «شوفينياً» سنح بالزهو وبالتباهي. والحال إنّ هذه القرية وصلت على إثر الاجتهاد والتأويل إلى مرتبة الجنّة.

فالقرية اللبنانية كما نجد في تعريف الكثيرين تعني «عدن». لقد مثّلت القرية اللبنانية إذاً بلاد العجائب. إنها ذاك المكان الساحر، الجليل، والطاهر (جبل: ثلج. بحر: ماء).

غير أنّ «الحداثيين» نظروا إلى القرية اللبنانية باعتبارها محميةً آثمة، يتفتّق منها كل شرّ. في القرية اللبنانية، تمركزت الثروة بيد الإقطاع والبرجوازية الريفية.

كما أنّ علاقات الإنتاج محكومة بفائض القيمة، ثم إنّ هذه القرية لهي من مخلفات المستعمر الفرنسي والتركي. وعليه، ينبغي إعادة رسم الخرائط من جديد.

إذا ثار «الحداثيون» على القرية اللبنانية وانتهى المطاف في اندلاع الحرب الأهلية، فسنجد مع «الناقد» تمرداً ساخطاً، وهازئاً، على هؤلاء «الحداثيين» وعلى مدينتهم الفاضلة التي تحتقر القرية اللبنانية وتزدريها.

المدينة الفاضلة في مواجهة القرية

مع «الناقد»، إنّ العداوة مصبوبة على كلا المدينة الفاضلة وعلى القرية اللبنانية معاً. بيروت لم تعد تلك «المدينة الغامضة» كما يكتب بزي، ومشروع «الحداثة ذاك الذي فشل في صياغة مدينته يرتحل متشرداً».

لم يعد الخلل إذاً في القرية اللبنانية «الغرائبية»، إنما في مدينة مؤجلةٍ ومشوّهة يصفها بزي: «عمارتها وأبنيتها مرآتها.

إن هندستها اليوم الممتدة من جونية إلى خلدة إحدى أكثر الهندسيات فوضى وبشاعة. بشاعة الحداثة والألومينيوم -وجمالها؟- في آن».

هكذا بدلاً من المُتماسك الصلِب لدينا السائل، وعوضاً عن المُتناغم لدينا المتشظي والنافر وجمالية القبيح.

نحن أمام اتجاه «ما بعد حداثي» بزغ مع «الناقد»، يعتبر أنّ الطروحات «الحداثية» أشعلت فتيل الحرب، ذاك أنها جاءت قاصرة ومُبهمة. فالعطب كامن في الأيديولوجيا، والمدينة الفاضلة المرجوّة التي أرادت الانتصار على القرية اللبنانية إما ديستوبية أو مفقودة.

يعد ملف مجلة «الناقد» تجربةً فريدةً ويتيمة في معالجة الحرب الأهلية اللبنانية بعد انتهائها حيث تم تناولها كظاهرة ثقافية، والاحتكاك معها من منظار ثقافيّ.

تجربة «الناقد» ستسمح لنا، بطريقةٍ ما، الكشف عن مراحل «ثقافية» في وسعنا إدراجها كالآتي: كان لدينا القرية في «سفر برلك»، فجاء «هارولد» في «شي فاشل» على متن دراجته النارية «كوازاكي 906» وخلفه «دلعونا» («الحداثة»)، ثم ظهرت في أواسط الثمانينات وبداية التسعينيات، الشخصية المركّبة، تلك التي تحمل الشيء ونقيضه معاً، أو كما نقرأ في مقالة بزي «الكلام لا يعني نفسه بل قد يعني شيئاً آخر وقد يحمل نقيضه بالكامل» («ما بعد الحداثة»).

والآن، بعد مرور خمسين عاماً على الحرب الأهلية اللبنانية، ما هي الثقافة التي تتبدّى لنا عند الجيل الذي ولد لحظة انتهاء الحرب عام 1990، وهو الجيل الذي تغيب تسميته «جيل ما بعد الحرب»، بالتزامن مع غيابه الثقافيّ؟

الجيل المنقوب

في ترجمته البديعة لكتاب ناديا بو علي «قاعة المرايا: التحليل النفسي وحب اللغة العربية» (دار الرافدين ـــ 2025) يستخدم الزميل محمد ناصر الدين مصطلح «الأرض المنقوبة»، وجاء ذلك في فصلٍ أخذ عنوان: «الأدب باعتباره حفاراً لا يرحم للثقافة: من النمط اللاأدبي إلى الأرض المنقوبة».

يوحي مصطلح «الأرض المنقوبة» للوهلة الأولى بـ«الأرض اليباب»، عنوان قصيدة إليوت الشهيرة، التي كتبها بعد الحرب العالمية الأولى حيث تصوّر عالماً موحشاً ينتظر إشارة من مخلص.


على أنّ الجيل الذي أتى بعد الحرب العالمية الأولى أخذ تسمية «اليباب»، أي الضياع، فإرنست هيمنغوي وجيرترورد شتاين وزملاؤهما في الحركة الأدبية الناشئة بعد الحرب العالمية الأولى، ينتميان إلى ما يسمّى بـ«الجيل الضائع».

وبالمثل، في وسعنا الاستعانة بمصطلح ناصر الدين وتوصيف جيل ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية بـ«الجيل المنقوب». إنّ الأرض بعد الحرب الأهلية اللبنانية منقوبة فعلاً.
التربة فاسدة هنا ليس فقط بسبب قنابل عنقودية وفوسفورية إسرائيلية بطبيعة الحال، بل لأن الحرب لهي «حفار لا يرحم للثقافة». إنّ المدينة العشوائية التي تعكس بعشوائيتها النموذج الثقافيّ كما تهيأ لـلـ«ما بعد حداثيين»، غدت عند «الجيل المنقوب» قبراً كبيراً، حيث خلّف الموت الجثث ثقباً ثقافياً هائلاً.

من مجزرة قانا عام 96، وتمارين إحماء لحرب أهلية بدأت منذ الـ93، مروراً بحروبٍ إقليمية، فانهيارات اقتصادية ونقدية، ثم انفجار ما يعادل قنبلة نووية في مرفأ بيروت، وصولاً إلى عدوان إسرائيلي على لبنان معطوف على إبادة «مكانية» في الجنوب اللبناني... في وسعنا التحدث عن موروثاتٍ وذكرياتٍ حملها هذا الجيل عن أهله، وعن أخبار البطولاٍت زمن الحرب الأهلية رواها الأهل كحكاياتٍ قبل النوم. إنها ذاكرة «منقوضة» أيضاً.

هو جيلٌ «منقوب» و«منقوض»، ولا عجب أنّ أكثر مفردة متداولة على الألسن هي «خبر عاجل» («ما بعد حداثة») بعد عبارة «اشتعال حرائق» («القرية اللبنانية») وطبعاً، بعد عبارة «إعمار وإعادة إعمار» («الحداثة»). هذا الجيل «المنقوب» عالقٌ تحت الأنقاض، ويعاني مما يشبه الشلل والتصلب رغم الثقب العميق الذي يسكن فيه.

ومع ذلك، لا يمانع في حفره الردم بأظفاره حتى يجد منفذ هواء يبقيه على قيد الحياة. غير أنّ أكثر ما يخشاه هو أن تكون لحظة انعتاقه من حالة التيبّس وخطر الاختناق، هي نفسها لحظة اندلاع الحرب.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك