
في الذكرى الخمسين لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، نضيء على كتاب «التحولات السياسية- سبعون عاماً من أجل التغيير» الصادر حديثاً عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر».
يشكّل هذا الكتاب سيرة ذاتية للكاتب القائد الشيوعي غسان الرفاعي ويتحوّل لاحقاً الى مزيج من التأريخ للقضايا الداخلية للحزب الشيوعي اللبناني والأحداث السياسية في الساحة اللبنانية.
النشأة الشيوعية
يستهلّ الكاتب المولود في العام ١٩٢٨ من القرن الماضي سرد تفاصيل أحداث طفولته في العراق، بين كركوك وبغداد وكردستان. تشكّل تلك الأحداث مرجعاً غنيّاً لوضع العراق الاجتماعي والسياسي ما بعد الحرب العالمية الأولى. لا يفوّت الكاتب فرصة لكي يروي لنا حدثاً سياسياً أثّر في طفولته من أجل تشكيل فكره السياسي لاحقاً.
عندما كان في الابتدائية، حاول ضبّاط عراقيون الانقلاب على الحكم الملكي وشكّل هذا الفعل أول حركة مقاومة ضد الاستعمار الإنكليزي. ومن بعدها تأثّر برفع اعلام الاتحاد السوفييتي وصور ستالين مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في العراق. وقد شارك وهو طفل في تظاهرات نقابية.
انتسب في العام ١٩٤٦ إلى «حزب التحرر الوطني» الذي هو اسم مموّه للحزب الشيوعي العراقي، وكانت له مهمّات ذات طابع ثقافي ولوجستي. ومن بعدها انتقل الى بغداد حيث تخرّج من الثانوية العامة بامتياز وحصل على منحة للدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت.
الا أنّ تعطّش الرفاعي للنضال الحزبي كان أكبر من تعطّشه للعلم، فاعتقل في تظاهرة للشيوعيين في العام ١٩٤٨ على إثر اعتقال قيادات شيوعية في سجن بعلبك وكانت تهمته أنّه شيوعي! نجد في مذكّرات الرفاعي دحضاً للمتغنّين بأنّ لبنان كان بلد الحريّات مقارنة بالبلدان العربية القمعية، فكان العمل الحزبي والنقابي وخصوصاً عند اليساريين يقمع بعنف من قبل السلطة.
ترك الرفاعي الجامعة في السنة الأولى كونه غير مرحّب به كشيوعي في سجلّه سوابق، وتفرّغ للعمل في الحزب الشيوعي اللبناني.
خضع للتدريب للعمل على الطباعة وصار يطبع في مكان سرّي مناشير الحزب الشيوعي. واللافت أنّ التكتّم والسريّة كانا مفروضين من القيادة بشدّة، إلى درجة أنّه ممنوع عليه أن يتصادق مع الجيران أو أن تكون له أي علاقة عاطفية.
ترقّى في مهامه وصار مسؤولاً عن طباعة صحف الحزب الممنوعة وقد كلّفه بذلك خالد بكداش شخصياً (رئيس فرع سوريا للحزب الشيوعي، ففي الأربعينيات كانت قيادتا الحزب في سوريا ولبنان موّحدتين).
في العام ١٩٥٠، قبض على الرفاعي وهو يوزّع مناشير ممنوعة للحزب. الا أنّ القاضي أخلى سبيله بعكس العادة حيث يحكم على الشيوعيين بأشدّ العقوبات، ممّا أثار شكّ القيادة بولائه للحزب، فعُزل من قبل نقولا الشاوي. الّا أنّ خالد بكداش أعاده الى عمله الحزبي ورقّاه.
لن نغوص طويلاً في حياة الكاتب ونتركها للقارئ بأن يقرأها بنفسه، الا انّنا سنحاول ان نتوصّل إلى استنتاجات وخلاصات سياسية وتاريخية في الساحة اللبنانية، خصوصاً خلال الحرب الأهلية.
تكشف مذكرات الرفاعي عن عدد لا محدود من التناقضات في الساحة اللبنانية إبان الحرب الأهلية، فاليمين اللبناني يبدو مستميتاً من أجل الحفاظ على لبنان بوضعيته المنفتحة على الغرب واسرائيل.
الا أنّه دخل في صراعات داخلية ادّت الى تشتيته. واليسار لا يحمل أي مشروع وطني، منهم من يناصرون الفلسطينيين فقط ومنهم من يحاور سوريا من أجل جني المكاسب والجميع مرتهنون الى دول خارجية، قد تكون تلك المذكرات في أروقة الحزب الشيوعي والحركة الوطنية دليلاً على التخبّط السياسي والوطني الذي نخوضه في العام ٢٠٢٥، لا شيء تغيّر، لا دولة مركزية ولا مرتكزات عامة وطنية ولا سيادة، كل التعريفات تشكّل وجهات نظر بحسب مصلحة الأطراف بارتباطها مع الجهات الخارجية.
نقد تاريخي
نلحظ في مذكرات غسان الرفاعي اغفالاً كبيراً لعناصر مسيرة الحزب الشيوعي الذي حصرها بنقاشات داخل الحزب وبين الأحزاب وفي الزواريب اللبنانية. لم يربط الكاتب ابداً تأثير وضع الاتحاد السوفييتي الروسي على حالة الحزب الشيوعي اللبناني ولا مواقفها من اسرائيل التي كان يقاتلها الحزب، ولا علاقة حزب البعث السوري بالاتحاد السوفييتي، الذي ادّى الى عزل الحزب من قبل النظام السوري.
وكذلك نجد أنّ منظوره في محاكاة سردية الأحداث في لبنان وسوريا والعراق كأنّ الولايات المتحدة الأميركية لا دور لها في المنطقة والأحداث تجري بقرار ذاتي داخلي في تلك البلاد. وكذلك لا نجد أي بعد نقدي في خطابه حول نوايا اسرائيل وتوسعها مع انّه يروي أحداثاً كانت تجري بينما القوات الاسرائيلية كانت موجوداً في بيروت.
يبدو الكاتب براغماتياً بخصوص القضايا العربية، فهو بعكس الماركسيين لا يمانع بخصوصية النظرة الاشتراكية من منطلق قومي مثل تجربة عبد الناصر الاشتراكية القومية بناء على تكيّف مع الأمر الواقع.
وهو يبدو متحمّساً جدّاً للنضالات النقابية في البلدان العربية ولا سيّما لبنان.
وهو يبدو صادقاً جدّاً مع عقيدته الشيوعية في تحسين وضع الطبقات العاملة والوصول الى مجتمع اكثر عدالة. أمّا في شقّ الدفاع عن لبنان أمام الأطماع الخارجية، فهو يبدو- من دون أن يعبّر عنها مباشرة- متخوّفاً من الأطماع السورية أكثر من الاسرائيلية، فلا تفاصيل في مذكراته حول ما فعله الاسرائيليون في لبنان بينما يذكر تفاصيل كثيرة حول الدور السوري.
بعد قراءة كتاب غسان الرفاعي عن مسيرته الشيوعية الطويلة، يرتاب القارئ عن دور هذا الحزب (من نظرة الكاتب طبعاً)، فتارة يشعر بأنّ هذا الحزب نسخة عن منظومة مخابراتية سوفياتية ولا ثوابت لها في قضايا العرب، وطوراً نتلمّس عداوة وتخوّف الانظمة العربية للأفكار الماركسية.
أمّا بخصوص دور إسرائيل العدواني، فنجد استلشاء أمنياً وثقافياً واستراتيجياً في نظرته. يفتح هذا الكتاب الجرح الحالي للعرب وخصوصاً لبنان حول توسّع اسرائيل، فالآن نحن في العام ٢٠٢٥ وبعد حرب طويلة مع اسرائيل، ما زلنا نتناقش داخلياً حول كيفية الدفاع عن أنفسنا من منظور داخلي من دون الأخذ في الاعتبار ما يملى علينا وكأنّ السياسة بين الدول علاقات شخصية.

